في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (2)

وعقب البدء باسم الله الرحمن الرحيم يجيء التوجه إلى الله بالحمد ووصفه بالربوبية المطلقة للعالمين : ( الحمد لله رب العالمين ) .

والحمد لله هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن بمجرد ذكره لله . . فإن وجوده ابتداء ليس إلا فيضا من فيوضات النعمة الإلهية التي تستجيش الحمد والثناء . وفي كل لمحة وفي كل لحظة وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله وتتواكب وتتجمع ، وتغمر خلائقه كلها وبخاصة هذا الإنسان . . ومن ثم كان الحمد لله ابتداء ، وكان الحمد لله ختاما قاعدة من قواعد التصور الإسلامي المباشر : ( وهو الله لا إله إلا هو ، له الحمد في الأولى والآخرة . . . . ) .

ومع هذا يبلغ من فضل الله - سبحانه - وفيضه على عبده المؤمن ، أنه إذا قال : الحمد لله . كتبها له حسنة ترجح كل الموازين . . في سنن ابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله [ ص ] حدثهم أن عبدا من عباد الله قال : " يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك " . فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها . فصعدا إلى الله فقالا : يا ربنا إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها . قال الله - وهو أعلم بما قال عبده - : " وما الذي قال عبدي ؟ " قالا : يا رب ، إنه قال : لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك . فقال الله لهما : " اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها " . .

والتوجه إلى الله بالحمد يمثل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره لله - كما أسلفنا - أما شطر الآية الأخير : ( رب العالمين ) فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي ، فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية . . والرب هو المالك المتصرف ، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية . . والتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين - أي جميع الخلائق - والله - سبحانه - لم يخلق الكون ثم يتركه هملا . إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه . وكل العوالم والخلائق تحفظ وتتعهد برعاية الله رب العالمين . والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة .

والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل ، والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة . وكثيرا ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد للكون ، والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة . ولقد يبدو هذا غريبا مضحكا . ولكنه كان وما يزال . ولقد حكى لنا القرآن الكريم عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة : ( ما نعبدهم إلاليقربونا إلى الله زلفى ) . . كما قال عن جماعة من أهل الكتاب : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) . . وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام ، تعج بالأرباب المختلفة ، بوصفها أربابا صغارا تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون !

فإطلاق الربوبية في هذه السورة ، وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعا ، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة . لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد ، تقر له بالسيادة المطلقة ، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة ، وعنت الحيرة كذلك بين شتى الأرباب . . ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة . وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبدا ولا تفتر ولا تغيب ، لا كما كان أرقى تصور فلسفي لأرسطو مثلا يقول بأن الله أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به ، لأن الله أرقى من أن يفكر فيما هو دونه ! فهو لا يفكر إلا في ذاته ! وأرسطو - وهذا تصوره - هو أكبر الفلاسفة ، وعقله هو أكبر العقول !

لقد جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار . . يختلط فيها الحق بالباطل ، والصحيح بالزائف ، والدين بالخرافة ، والفلسفة بالأسطورة . . والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون ، ولا يستقر منها على يقين .

وكان التيه الذي لا قرار فيه ولا يقين ولا نور ، هو ذلك الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها ، وصفاته وعلاقته بخلائقه ، ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص .

ولم يكن مستطاعا أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون ، وفي أمر نفسه وفي منهج حياته ، قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدته وتصوره لإلهه وصفاته ، وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح مستقيم في وسط هذا العماء وهذا التيه وهذا الركام الثقيل .

ولا يدرك الإنسان ضرورة هذا الاستقرار حتى يطلع على ضخامة هذا الركام ، وحتى يرود هذا التيه من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري ، والتي أشرنا إلى طرف منها فيما تقدم صغير . [ وسيجيء في استعراض سور القرآن الكثير منها ، مما عالجه القرآن علاجا وافيا شاملا كاملا ] .

ومن ثم كانت عناية الإسلام الأولى موجهه إلى تحرير أمر العقيدة ، وتحديد التصور الذي يستقر عليه الضمير في أمر الله وصفاته ، وعلاقته بالخلائق ، وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين .

ومن ثم كان التوحيد الكامل الخالص المجرد الشامل ، الذي لا تشوبه شائبة من قريب ولا من بعيد . . هو قاعدة التصور التي جاء بها الإسلام ، وظل يجلوها في الضمير ، ويتتبع فيه كل هاجسة وكل شائبة حول حقيقة التوحيد ، حتى يخلصها من كل غبش . ويدعها مكينة راكزة لا يتطرق إليها وهم في صورة من الصور . . كذلك قال الإسلام كلمة الفصل بمثل هذا الوضوح في صفات الله وبخاصة ما يتعلق منها بالربوبية المطلقة . فقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه الفلسفات والعقائد كما تخبط فيه الأوهام والأساطير . . مما يتعلق بهذا الأمر الخطير ، العظيم الأثر في الضمير الإنساني . وفي السلوك البشري سواء .

والذي يراجع الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله وصفاته وعلاقته بمخلوقاته ، هذا الجهد الذي تمثله النصوص القرآنية الكثيرة . . الذي يراجع هذا الجهد المتطاول دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل في ذلك التيه الشامل الذي كانت البشرية كلها تهيم فيه . . قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر ، وإلى كل هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير . . ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد المتطاول ، كما تكشف عن مدى عظمة الدور الذي قامت به هذه العقيدة - وتقوم في تحرير الضمير البشري وإعتاقه ؛ وإطلاقه من عناء التخبط بين شتى الأرباب وشتى الأوهام والأساطير !

وإن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها . . كل هذا لا يتجلى للقلب والعقل كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية من العقائد والتصورات ، والأساطير والفلسفات ! وبخاصة موضوع الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم . . عندئذ تبدو العقيدة الإسلامية رحمة . رحمة حقيقية للقلب والعقل ، رحمة بما فيها من جمال وبساطة ، ووضوح وتناسق ، وقرب وأنس ، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (2)

الباب الرابع : فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والإعراب وفضل الحامدين ، وفيه ست وثلاثون مسألة :

الأولى : قوله سبحانه وتعالى : " الحمد لله " روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي الحمد لي ) . وروى مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها ) . وقال الحسن : ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها . وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنعم الله على عبد نعمة فقال : الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ ) . وفي ( نوادر الأصول ) عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال : الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك ) . قال أبو عبد الله : معناه عندنا أنه قد أعطي الدنيا ثم أعطي على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها ، فكانت هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها لأن الدنيا فانية والكلمة باقية ، هي من الباقيات الصالحات قال الله تعالى : " والباقيات الصالحات{[50]} خير عند ربك ثوابا وخير أملا " [ الكهف46 ] . وقيل في بعض الروايات : لكان ما أعطى أكثر مما أخذ . فصير الكلمة إعطاء من العبد ، والدنيا أخذا من الله فهذا في التدبير{[51]} . كذاك يجري في الكلام أن هذه الكلمة من العبد والدنيا من الله وكلاهما من الله في الأصل الدنيا منه والكلمة منه أعطاه الدنيا فأغناه وأعطاه الكلمة فشرفه بها في الآخرة . وروى ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم : ( أن عبدا من عباد الله قال : يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعَضَلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها ، فصعدا إلى السماء وقالا : يا ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها ، قال الله عز وجل وهو أعلم بما قال عبده ، ماذا قال عبدي ؟ قالا يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ، فقال الله لهما : اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها ) .

قال أهل اللغة : أعضل الأمر : اشتد واستغلق ، والمعضّلات [ بتشديد الضاد ) : الشدائد . وعضّلت المرأة والشاة : إذا نشِب ولدها فلم يسهل مخرجه ، بتشديد الضاد أيضا فعلى هذا يكون : أعضلت الملكين أو عضلت الملكين بغير باء . والله أعلم . وروي عن مسلم عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله ، والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض ) وذكر الحديث .

الثانية : اختلف العلماء أيما أفضل قول العبد : الحمد لله رب العالمين ، أو قول لا إله إلا الله ؟ فقالت طائفة : قوله الحمد لله رب العالمين أفضل لأن في ضمنه التوحيد الذي هو لا إله إلا الله ، ففي قوله توحيد وحمد ، وفي قوله لا إله إلا الله توحيد فقط . وقالت طائفة : لا إله إلا الله أفضل لأنها تدفع الكفر والإشراك وعليها يقاتل الخلق ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) . واختار هذا القول ابن عطية قال : والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ) .

الثالثة : أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه وأن مما أنعم الله به الإيمان فدل على أن الإيمان فعله وخلقه والدليل على ذلك قوله : " رب العالمين " . والعالمون جملة المخلوقات ومن جملتها الإيمان لا كما قال القدرية : إنه خلق لهم على ما يأتي بيانه .

الرابعة :الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل ، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه ؛ إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر :

وأبلج محمود الثناء خَصَّصْتُه *** بأفضلِ أقوالي وأفضلِ أحمدي

فالحمد نقيض الذم ، تقول : حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد . والحد أعم من الشكر والحمد : الذي كثرت خصال المحمودة . قال الشاعر :

إلى الماجد القَرْمِ الجواد المُحَمَّدِ

وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الشاعر{[52]} :

فشقّ له من اسمه ليُجِلَّهُ *** فذو العرش محمودٌ وهذا محمد

والمحمدة : خلاف المذمة . وأحمد الرجلُ : صار أمره إلى الحمد . وأحمدته : وجدته محمودا ، تقول : أتيت موضع كذا فأحمدته ، أي صادفته محمودا موافقا ، وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه . ورجل حُمَدَة - مثل هُمَزة - يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها . وحَمَدة النار - بالتحريك - : صوت التهابها .

الخامسة : ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء وليس بمرضي . وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب " الحقائق " له عن جعفر الصادق وابن عطاء . قال ابن عطاء : معناه الشكر لله إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه . واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك : الحمد لله شكرا . قال ابن عطية : وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه لأن قولك شكرا إنما خصصت به الحمد ؛ لأنه على نعمة من النعم . وقال بعض العلماء : إن الشكر أعم من الحمد ؛ لأنه باللسان وبالجوارح والقلب والحمد إنما يكون باللسان خاصة . وقيل : الحمد أعم لأن فيه معنى الشكر ومعنى المدح ، وهو أعم من الشكر ؛ لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد . وروي عن ابن عباس أنه قال : الحمد لله كلمة كل شاكر ، وإن آدم عليه السلام قال حين عطس : الحمد لله . وقال الله لنوح عليه السلام : " فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين{[53]} " [ المؤمنون : 28 ] وقال إبراهيم عليه السلام : " الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق{[54]} " [ إبراهيم :39 ] . وقال في قصة داود وسليمان : " وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين{[55]} " [ النمل : 15 ] . وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : " وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا{[56]} " [ الإسراء : 111 ] . وقال أهل الجنة : " الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن{[57]} " [ فاطر : 34 ] . " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين{[58]} " [ يونس : 10 ] . فهي كلمة كل شاكر .

قلت : الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان ، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان{[59]} . وعلى هذا الحد قال علماؤنا : الحمد أعم من الشكر ؛ لأن الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر ، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر . ويذكر الحمد بمعنى الرضا يقال : بلوته فحمدته ، أي رضيته . ومنه قوله تعالى : " مقاما محمودا{[60]} " [ الإسراء : 79 ] . وقال عليه السلام : ( أحمد إليكم غسل الإحليل ) أي أرضاه لكم . ويذكر عن جعفر الصادق في قوله " الحمد لله " : من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد ؛ لأن الحمد حاء وميم ودال ، فالحاء من الوحدانية ، والميم من الملك ، والدال من الديمومية ، فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه ، وهذا هو حقيقة الحمد لله . وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير " الحمد لله " قال : هو على ثلاثة أوجه : أولها : إذا أعطاك الله شيئا تعرف من أعطاك . والثاني : أن ترضى بما أعطاك . والثالث : ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه ، فهذه شرائط الحمد .

السادسة : أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه وافتتح كتابه بحمده ، ولم يأذن في ذلك لغيره بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال : " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى{[61]} " [ النجم : 32 ] . وقال عليه السلام : ( احثوا في وجوه المداحين التراب ) رواه المقداد . وسيأتي القول فيه في " النساء{[62]} " إن شاء الله تعالى .

فمعنى " الحمد لله رب العالمين " أي سبق الحمد مني لنفسي أن يحمد نفسه أحد من العالمين ، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة ، وحمدي الخلق مشوب بالعلل .

قال علماؤنا : فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار . وقيل : لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل فاستفراغ طوق عباده هو محمل العجز عن حمده . ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله : ( لا أحصي ثناء عليك ) . وأنشدوا :

إذا نحن أثنينا عليك بصَالح *** فأنت كما نُثْنِي وفوق الذي نُثْنِي

وقيل : حَمِد نفسه في الأزل لما علم من كثرة نعمه على عباده وعجزهم على القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم ، لتكون النعمة أهنأ لديهم ؛ حيث أسقط به ثقل المنة .

السابعة : وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من " الحمد لله " . وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجّاج : " الحمد لله " بنصب الدال وهذا على إضمار فعل . ويقال : " الحمد لله " بالرفع مبتدأ وخبر وسبيل الخبر أن يفيد فما الفائدة في هذا ؟ فالجواب أن سيبويه قال : إذا قال الرجل الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك : حمدت الله حمدا ، إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله ، والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله . وقال غير سيبويه . إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله ومغفرته وتعظيما له وتمجيدا ، فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال . وفي الحديث : ( من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) . وقيل : إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده فالمعنى على هذا : قولوا الحمد لله . قال الطبري : " الحمد لله " ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال : قولوا الحمد لله ، وعلى هذا يجيء قولوا إياك . وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه كما قال الشاعر :

وأعلم أنني سأكون رَمْساً *** إذا سار النَّوَاعِجُ{[63]} لا يَسِيرُ

فقال السائلون : لمن حفرتم ؟ *** فقال القائلون لهم : وزيرُ

المعنى : المحفور له وزير ، فحذف لدلالة ظاهر الكلام عليه وهذا كثير . وروي عن ابن أبي عبَلة : " الحمد لله " بضم الدال واللام على إتباع الثاني الأول وليتجانس اللفظ وطلب التجانس في اللفظ كثير في كلامهم نحو : أجوءُك وهو منحُدُرٌ من الجبل ، بضم الدال والجيم . قال :

. . . اضرب الساقينُ أُمّك هابل

بضم النون لأجل ضم الهمزة . وفي قراءة لأهل مكة " مُرُدفين " بضم الراء إتباعا للميم ، وعلى ذلك " مُقُتلين " بضم القاف . وقالوا : لإمِّك ، فكسروا الهمزة اتباعا للاّم ، وأنشد للنعمان بن بشير :

ويلِ امِّها في هواء الجوّ طالبةً *** ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبُ{[64]}

الأصل : ويلٌ لأمها ، فحذفت اللام الأولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للأم ثم أتبع اللام الميم . وروي عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن علي : " الحمدِ لله " بكسر الدال على اتباع الأول الثاني .

الثامنة : قوله تعالى : " رب العالمين " أي مالكهم ، وكل من ملك شيئا فهو ربه ، فالرب : المالك . وفي الصحاح : والرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة ، وقد قالوه في الجاهلية للملك قال الحارث بن حِلِّزة :

وهو الربّ والشهيد على يو***م الحِيَارَيْنِ{[65]} والبلاءُ بلاءُ

والرب : السيد : ومن قوله تعالى : " اذكرني{[66]} عند ربك " [ يوسف : 42 ] . وفي الحديث : ( أن تلد الأمة ربتها ) أي سيدتها وقد بيناه في كتاب ( التذكرة ) . والرب : المصلح والمدبر والجابر والقائم . قال الهروي وغيره : يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه : قد ربه يربه فهو رب له وراب ، ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب . وفي الحديث : ( هل لك من نعمة تربُّها عليه ) أي تقوم بها وتصلحها . والرب : المعبود ومنه قول الشاعر :

أربٌّ يبول الثُّعْلُبَانُ برأسه *** لقد ذَلّ من بالت عليه الثعالبُ

ويقال على التكثير{[67]} : رباه ورببه وربته ، حكاه النحاس . وفي الصحاح : ورب فلان ولده يربه ربا ورببه وترببه بمعنىً ، أي رباه . والمربوب : المربى .

التاسعة : قال بعض العلماء : إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم لكثرة دعوة الداعين به ، وتأمل ذلك في القرآن كما في آخر " آل عمران{[68]} " وسورة " إبراهيم{[69]} " وغيرهما ، ولما يشعر به هذا الوصف من الصلاة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال .

واختلف في اشتقاقه فقيل : إنه مشتق من التربية ، فالله سبحانه وتعالى مدبر لخلقه ومربيهم ومنه قوله تعالى : " وربائبكم اللاتي{[70]} في حجوركم " [ النساء : 23 ] . فسمى بنت الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها .

فعلى أنه مدبر لخلقه ومربيهم يكون صفة فعل ، وعلى أن الرب بمعنى المالك والسيد يكون صفة ذات .

العاشرة : متى أدخلت الألف واللام على " رب " اختص الله تعالى به ، لأنها للعهد وإن حذفنا منه صار مشتركا بين الله وبين عباده ، فيقال : الله رب العباد وزيد رب الدار فالله سبحانه رب الأرباب يملك المالك والمملوك ، وهو خالق ذلك ورازقه وكل رب سواه غير خالق ولا رازق ، وكل مملوك فمُمَلَّك بعد أن لم يكن ، ومنتزع ذلك من يده وإنما يملك شيئا دون شيء وصفة الله تعالى مخالفة لهذه المعاني فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين .

الحادية عشرة : قوله تعالى : " العالمين " اختلف أهل التأويل في " العالمين " اختلافا كثيراً ، فقال قتادة : العالمون جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى ولا واحد له من لفظه مثل رهط وقوم . وقيل : أهل كل زمان عالم قاله الحسين بن الفضل ، لقوله تعالى : " أتأتون الذكران{[71]} من العالمين " [ الشعراء : 165 ] أي من الناس . وقال العجاج :

فخِنْدِفٌ هامةُ هذا العأْلَمِ{[72]}

وقال جرير بن الخَطَفي :

تَنَصَّفُه البرية وهو سامٍ *** ويُضحِي العالَمون له عِيالا

وقال ابن عباس : العالمون الجن والإنس ، دليله قوله تعالى : " ليكون للعالمين{[73]} نذيرا " [ الفرقان : 1 ] ولم يكن نذيرا للبهائم . وقال الفراء وأبو عبيدة : العالم عبارة عمن يعقل ، وهم أربعة أمم : الإنس والجن والملائكة والشياطين . ولا يقال للبهائم : عالم ؛ لأن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصة .

قال الأعشى :

ما إن سمعتُ بمثلهم في العالمينا

وقال زيد بن أسلم : هم المرتزقون ، ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء : هم الروحانيون . وهو معنى قول ابن عباس أيضا : كل ذي روح دب على وجه الأرض . وقال وهب بن منبه : إن لله عز وجل ثمانية عشر ألف عالم ، الدنيا عالم منها . وقال أبو سعيد الخدري : إن لله أربعين ألف عالم ، الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد . وقال مقاتل : العالمون ثمانون ألف عالم ، أربعون ألف عالم في البر وأربعون ألف عالم في البحر . وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال : الجن عالم والإنس عالم وسوى ذلك للأرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته .

قلت : والقول الأول أصح هذه الأقوال ؛ لأنه شامل لكل مخلوق وموجود دليله قوله تعالى : " قال فرعون وما رب العالمين{[74]} . قال رب السماوات والأرض وما بينهما " [ الشعراء : 23 ] ثم هو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده . كذا قال الزجاج قال : العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة . وقال الخليل : العلم والعلامة والمعلم : ما دل على الشيء ، فالعالم دال على أن له خالقا ومدبرا وهذا واضح . وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد : الحمد لله فقال له : أتمها كما قال الله قل رب العالمين فقال الرجل : ومن العالمين حتى تذكر مع الحق ؟ قال : قل يا أخي ؟ فإن المحدث إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر .

الثانية عشرة : يجوز الرفع والنصب في " رب " فالنصب على المدح والرفع على القطع ، أي هو رب العالمين .


[50]:زيادة عن نوادر الأصول.
[51]:في بعض نسخ الأصل: "في التذكير".
[52]:هو حسان بن ثابت رضي الله عنه
[53]:آية 28 سورة المؤمنون.
[54]:آية 39 سورة إبراهيم.
[55]:آية 15 سورة النمل.
[56]:آية 111 سورة الإسراء.
[57]:آية 34 سورة فاطر.
[58]:آية 10 سورة يونس.
[59]:عقب ذلك ابن عطية في تفسيره بقوله: فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثنى بالصفات. وبه يتضح كلام المؤلف.
[60]:آية 79 سورة الإسراء.
[61]:آية 32 سورة النجم
[62]:راجع ج 5 ص 246
[63]:النواعج من الإبل: السراع.
[64]:وصف عقابا تتبع ذئبا لتصيده. وهذا البيت نسبه سيبويه في كتابه مرة للنعمان (ج 2 ص 272)وأخرى لامرئ القيس (ج 1 ص 353). ونسبة البغدادي في خزانة الأدب في الشاهد 266 لامرئ القيس أيضا. وقد ورد في ديوانه: "لا كالذي في هواء الجو..." وعلى هذا لا شاهد فيه.
[65]:الحياران: موضع غزا أهله المنذر بن ماء السماء.
[66]:آية 42 سورة يوسف
[67]:في النحاس: "على التكبير".
[68]:راجع ج 4 ص 313
[69]:راجع ج 9 ص 368
[70]:آية 23 سورة النساء.
[71]:سورة الشعراء آية 165
[72]:خندف اسم قبيلة من العرب، وذكر العلامة الشنقيطي أن العجاج كان ينشد: العألم، بالهمز والإسكان.
[73]:سورة الفرقان آية 1.
[74]:آية 23 سورة الشعراء.