( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون )
إنهم ليسوا أولياء لهذا البيت وإن كانوا يصلون عنده صلاتهم . فما هذه بصلاة ! إنما كانت صفيراً بالأفواه وتصفيقاً بالأيدي ، وهرجاً ومرجاً لا وقار فيه ، ولا استشعار لحرمة البيت ، ولا خشوع لهيبة الله .
عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال : إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض ، ويصفقون ويصفرون .
وإن هذا ليخطر بالبال صور العازفين المصفقين الصاخبين الممرغين خدودهم على الأعتاب والمقامات اليوم في كثير من البلاد التي يسمونها " بلاد المسلمين " ! إنها الجاهلية تبرز في صورة من صورها الكثيرة . بعدما برزت في صورتها الواضحة الكبيرة : صورة ألوهية العبيد في الأرض ، وحاكميتهم في حياة الناس . . وإذا وقعت هذه فكل صور الجاهلية الأخرى إنما هي تبع لها ، وفرع منها !
( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) . .
وهو ذلك العذاب الذي نزل بهم في بدر بأيدي العصبة المسلمة . فأما العذاب الذي طلبوه - عذاب الاستئصال المعروف - فهو مؤجل عنهم ، رحمة من الله بهم ، وإكراماً لنبيه [ ص ] ومقامه فيهم ، عسى أن ينتهي بهم الأمر إلى التوبة والاستغفار مما هم فيه .
قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت عراة ، يصفقون ويصفرون ، فكان ذلك عبادة في ظنهم والمكاء : الصفير . والتصدية : التصفيق ، قاله مجاهد والسدي وابن عمر رضي الله عنهم . ومنه قول عنترة :
وحليلِ غانيةٍ تركتُ مُجَدَّلاً *** تمْكُو فَريصتُه كشِدقْ الأَعْلَمِ{[7675]}
أي تصوت . ومنه مكت إست الدابة إذا نفخت بالريح . قال السدي : المكاء الصفير ، على لحن{[7676]} طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء . قال الشاعر :
إذا غرَّدَ المُكَّاءُ في غير روضة *** فويل لأهل الشَّاءِ والحُمُراتِ
قتادة : المكاء ضرب بالأيدي ، والتصدية صياح . وعلى التفسيرين ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون ويصعقون{[7677]} . وذلك كله منكر يتنزه عن مثله العقلاء ، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت . وروى ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : المكاء إدخالهم أصابعهم في أفواههم . والتصدية : الصفير ، يريدون أن يشغلوا بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة . قال النحاس : المعروف في اللغة ما روي عن ابن عمر . حكى أبو عبيد وغيره أنه يقال : مكا يمكو ومكاء إذا صفر . وصدى يصدي تصدية إذا صفق ، ومنه قول عمرو بن الإطنابة{[7678]} :
وظلوا جميعا لهم ضجَّة *** مُكَاءُ لدى البيت بالتَّصْدِيَةْ
أي بالتصفيق . سعيد بن جبير وابن زيد : معنى التصدية صدهم عن البيت ، فالأصل على هذا تصدده ، فأبدل من أحد الدالين ياء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.