وبعد هذا الافتتاح يبدأ الحديث عن الإيمان ، والفتنة التي يتعرض لها المؤمنون لتحقيق هذا الإيمان ؛ وكشف الصادقين والكاذبين بالفتنة والابتلاء :
( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا : آمنا وهم لا يفتنون ? ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) .
إنه الإيقاع الأول في هذا المقطع القوي من السورة . يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان ، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان .
( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا : آمنا وهم لا يفتنون ? ) . .
إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف ؛ وأمانة ذات أعباء ؛ وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي أن يقول الناس : آمنا . وهم لا يتركون لهذه الدعوى ، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم . كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به - وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه - وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب .
هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت ، وسنة جارية ، في ميزان الله سبحانه :
{ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوآ } بمجرد الدعوى في الإيمان دون المطالبة بالبلوى ، وهذا لا يكون ، فقيمة كلِّ أحدٍ ببلواه ، فَمَنْ زاد قَدْرُ معناه زاد قدر بلواه ؛ فعلى النفوس بلاءٌ وهو المطالبة عليها بإخراجها عن أوطان الكسل وتصريفها في أحسن العمل . وعلى القلوب بلاءٌ وهو مطالبتُها بالطلب والفكر الصادق بتطلُّع البرهان على التوحيد والتحقق بالعلم . وعلى الأرواح بلاءٌ وهو التجرُّدُ عن محبة كلِّ أحدٍ والتفرُّد عن كل سبب ، والتباعُد عن كل المساكنةِ لشيءٍ من المخلوقات . وعلى الأسرار بلاءٌ وهو الاعتكاف بمشاهد الكشف بالصبر على آثار التجلِّي إلى أن تصير مُسْتَهْلَكاً فيه .
ويقال فتنة العوام في أيام النظر والاستدلال ، وفتنة الخواص في حفظ آداب الوصول في أوان المشاهدات . وأشدُّ الفتنِ حفظُ وجود التوحيد لئلا يجري عليك مَكْرٌ في أوقات غَلَبَاتِ شاهد الحقِّ فيظن أنه الحق ، ولا يدري أَنَّه من الحقِّ ، وأنَّه لا يُقال إِنَّه الحقُّ - وعزيزٌ مَنْ يهتدي إلى ذلك .
قوله تعالى : { الم * أحسب الناس } أظن الناس ، { أن يتركوا } بغير اختبار ولا ابتلاء ، { أن يقولوا } أي : بأن يقولوا ، { آمنا وهم لا يفتنون } لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم كلا . لنختبرنهم ليبين المخلص من المنافق والصادق من الكاذب . واختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، قال الشعبي : نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام ، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه لا يقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا ، فخرجوا عامدين إلى المدينة فتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا ، فأنزل الله هاتين الآيتين . قال ابن عباس رضي الله عنهما : وأراد بالناس الذين آمنوا بمكة : سلمة بن هشام ، وعياش ابن ربيعة ، والوليد بن الوليد ، وعمار بن ياسر وغيرهم . وقال ابن جريج : نزلت في عمار بن ياسر ، كان يعذب في الله عز وجل . وقال مقاتل :نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر ، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " سيد الشهداء مهجع بن عبد الله وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة " ، فجزع أبواه وامرأته فأنزل الله فيهم هذه الآية . وقيل : { وهم لا يفتنون } بالأوامر والنواهي ، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان ، ثم فرض عليهم الصلاة ، والزكاة ، وسائر الشرائع ، فشق على بعضهم ، فأنزل الله هذه الآية .
والاستفهام فى قوله - سبحانه - : { أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } للإِنكار و { حسب } من الحسبان بمعنى الظن . وقوله : { يُفْتَنُونَ } من الفتن ، بمعنى الاختبار والامتحان .
يقال : فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته فيها لتعلم الجيد منه من الخبيث .
وجملة " أن يتركوا " سدت مسد مفعولى حسب ، وجملة " أن يقولوا " فى موضع نصب ، على معنى : لأن يقولوا ، وهى متعلقة بقوله : { يتركوا } . وجملة " وهم لا يفتنون " فى موضع الحال من ضمير " يتركوا " .
والمعنى : أظن الناس أن يتركوا بدون امتحان ، واختبار ، وابتلاء ، وبدون نزول المصائب بهم ، لأنهم نطقوا بكلمة الإِيمان ؟ إن ظنهم باطل ، ووهم فاسد ، لأن الإِيمان ليس كلمة تقال باللسان فقط ، بل هو عقيدة تكلف صاحبها الكثير من ألوان الابتلاء والاختبار ، عن طريق التعرض لفقد الأموال والأنفس والثمرات ، حتى يتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .
قال القرطبى : والمراد بالناس قوم من المؤمنين كانوا بن ربيعة ، والوليد بن الوليد . . . فكانت صدورهم تضيق بذلك ، وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنين . قال مجاهد وغيره : فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هى سيرة الله فى عباده ، اختبار للمؤمنين وفتنة .
قال ابن عطية : وهذه الآية وإن اكنت نزلت بهذا السبب أو ما فى معناه من الأقوال ، فهى باقية فى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، موجد حكمها بقية الدهر
والاستفهام هنا في قوله : { أحسب الناس } للتوبيخ . و { أَن } والفعل ، في موضع نصب للفعل { أَحَسبَ } وقد سدت أن والفعل مسدّ مفعولي حسب . وأن يقولوا : في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر ، وتقديره : بأن يقولوا . وقيل : بدل من الأولى{[3538]} ؛ فالله يبين لعباده المؤمنين أنه لا بد من ابتلاءهم في حياتهم الدنيا بحسب ما آتوه من درجات الإيمان ، فكل مبتلى بدرجة إيمانه وعزيمته . وبذلك فإن المؤمنين المخلصين الأبرار مبتلون في أنفسهم وأموالهم ومصالحهم بل هم أشد الناس ابتلاء ومواجهة للفتن على اختلافها وتعدد صورها وأشكالها . وفي الحديث الصحيح : " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل . يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء " جعلنا الله من المخلصين الصابرين الثابتين على الحق .
على أن المراد بالناس في الآية : قوم من المؤمنين كانوا بمكة وكان المشركون يؤذونهم بالغ الأذى ويعذبونهم أشد تعذيب بسبب إسلامهم ، كعمار وأبيه ياسر وأمه سمية وغيرهم من المسلمين المستضعفين الذين جار عليهم الظالمون فنكلوا بهم تنكيلا لاستمساكهم بعقيدة الإسلام ورفضهم عقائد الكفر وملل الضلال والباطل . فنزلت هذه الآية لتواسيهم ولكي تُسرّي عنهم وتكفكف عن نفوسهم وقلوبهم ما كان يعتريها من الألم والمضاضة والاغتمام .
على أن هذه الآية ، وإن نزلت بهذا السبب وما في معناه ، لكنها باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لينسحب معناها ومقتضاها على المسلمين في كل زمان ؛ ذلك أن الفتنة ما فتئت تصيب المسلمين في سائر الأزمان والبلدان ؛ تصيبهم في أبدانهم وأموالهم وأرزاقهم وكراماتهم وأوطانهم مما يبتليهم به الله من مختلف البلايا ، أو ما يحيف به الظالمون والطغاة عليهم . أولئك العتاة الغلاظ من مجرمي البشر وشياطين الإنسانية الذين يبطشون بالمسلمين ويتفاخرون بتعذيبهم والتنكيل بهم كلما سنحت لهم الأحوال والظروف ، ليستذلوهم مرة ، أو ليقتلوهم مرة أخرى ، أو يخرجوهم من ديارهم ويستأصلوهم استئصالا في كثير من الأحيان العصيبة التي ألمت بالمسلمين وحاقت بهم ليُشردوا ويُهَجّروا أو يُقتلوا تقتيلا . وقد حصل للمسلمين مثل ذلك في مختلف الأزمان والأوطان ، كالأندلس ، وفلسطين ، وكشمير ، والبوسنة والهرسك وغير ذلك من الأوطان التي ذُبح فيها المسلمون بالكلية أو شردوا وهجروا من ديارهم تهجيرا .