بعد ذلك تجيء آيتان في سياق السورة ؛ هما من ناحية تكملة للمعاني والحقائق التي تستهدفها الفقرة السابقة التي انتهينا من الحديث عنها . ومن ناحية هما تمهيد للقضايا العقيدية المتعلقة بالسلطان والشريعة والحاكمية . وهي القضايا التي تستغرق ما تبقى من السورة . .
( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً - ولو شاء ربك ما فعلوه - فذرهم وما يفترون . ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وليرضوه ، وليقترفوا ما هم مقترفون ) .
. . كذلك . . كالذي قدرناه من أن أولئك المشركين الذين يعلقون إيمانهم بمجيء الخوارق ، ويعرضون عن دلائل الهدى وموحياته في الكون والنفس ، لا يقع منهم الإيمان ولو جاءتهم كل آية . . كذلك الذي قدرناه في شأن هؤلاء ، قدرنا أن يكون لكل نبي عدوهم شياطين الإنس والجن . وقدرنا أن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليخدعوهم به ويغروهم بحرب الرسل وحرب الهدى . وقدرنا أن تصغي إلى هذا الزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ، ويرضوه ، ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للرسل وللحق ؛ ومن الضلال والفساد في الأرض . .
كل ذلك إنما جرى بقدر الله ؛ وفق مشيئته . ولو شاء ربك ما فعلوه . ولمضت مشيئته بغير هذا كله ؛ ولجرى قدره بغير هذا الذي كان . فليس شيء من هذا كله بالمصادفة . وليس شيء من هذا كله بسلطان من البشر كذلك أو قدرة !
فإذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض من المعركة الناشبة التي لا تهدأ بين الرسل والحق الذي معهم ، وبين شياطين الإنس والجن وباطلهم وزخرفهم وغرورهم . . إذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض إنما يجري بمشيئة الله ويتحقق بقدر الله ، فإن المسلم ينبغي أن يتجه إذن إلى تدبر حكمة الله من وراء ما يجري في الأرض ؛ بعد أن يدرك طبيعة هذا الذي يجري والقدرة التي وراءه . .
( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ، شياطين الإنس والجن ، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ) . .
بإرادتنا وتقديرنا ، جعلنا لكل نبي عدوا . . هذا العدو هو شياطين الإنس والجن . . والشيطنة وهي التمرد والغواية والتمحض للشر صفة تلحق الإنس كما تلحق الجن . وكما أن الذي يتمرد من الجن ويتمحض للشر والغواية يسمى شيطاناً ؛ فكذلك الذي يتمرد من الإنس ويتمحض للشر والغواية . . وقد يوصف بهذه الصفة الحيوان أيضا إذا شرس وتمرد واستشرى أذاه ! وقد ورد : " الكلب الأسود شيطان " .
هؤلاء الشياطين - من الإنس والجن - الذين قدر الله أن يكونوا عدوا لكل نبي ، يخدع بعضهم بعضا بالقول المزخرف ، الذي يوحيه بعضهم إلى بعض - ومن معاني الوحي التأثير الداخلي الذي ينتقل به الأثر من كائن إلى كائن آخر - ويغر بعضهم بعضا ، ويحرض بعضهم بعضاً على التمرد والغواية والشر والمعصية . .
وشياطين الإنس أمرهم معروف ومشهود لنا في هذه الأرض ، ونماذجهم ونماذج عدائهم لكل نبي ، وللحق الذي معه ، وللمؤمنين به ، معروفة يملك أن يراها الناس في كل زمان .
فأما شياطين الجن - والجن كله - فهم غيب من غيب الله ، لا نعرف عنه إلا ما يخبرنا به من عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو . . ومن ناحية مبدأ وجود خلائق أخرى في هذا الكون غير الإنسان وغير الأنواع والأجناس المعروفة في الأرض من الأحياء . . نقول من ناحية المبدأ ونحن نؤمن بقول الله عنها ، ونصدق بخبره في الحدود التي قررها . فأما أولئك الذين يتترسون " بالعلم " لينكروا ما يقرره الله في هذا الشأن ، فلا ندري علام يرتكنون ؟ إن علمهم البشري لا يزعم أنه أحاط بكل أجناس الأحياء ، في هذا الكوكب الأرضي ! كما أن علمهم هذا لا " يعلم " ماذا في الأجرام الأخرى ! وكل ما يمكن أن " يفترضه " أن نوع الحياة الموجودة في الأرض يمكن أولا يمكن أن يوجد في بعض الكواكب والنجوم . . وهذا لا يمكن أن ينفي - حتى لو تأكدت الفروض - أن أنواعا أخرى من الحياة وأجناساً أخرى من الأحياء يمكن أن تعمر جوانب أخرى في الكون لا يعلم هذا " العلم " عنها شيئاً ! فمن التحكم والتبجح أن ينفي أحد باسم " العلم " وجود هذه العوالم الحية الأخرى .
وأما من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمى بالجن ؛ والذي يتشيطن بعضه ويتمحض للشر والغواية - كإبليس وذريته - كما يتشيطن بعض الإنس . . من ناحية طبيعة هذا الخلق المسمى بالجن ، نحن لا نعلم عنه إلا ما جاءنا الخبر الصادق به عن الله - سبحانه - وعن رسول الله [ ص ] .
ونحن نعرف أن هذا الخلق مخلوق من مارج من نار . وأنه مزود بالقدرة على الحياة في الأرض وفي باطن الأرض وفي خارج الأرض أيضاَ . وأنه يملك الحركة في هذه المجالات باسرع مما يملك البشر . وأن منه الصالحين المؤمنين ، ومنه الشياطين المتمردين . وأنه يرى بني آدم وبنو آدم لا يرونه - في هيئته الأصلية - وكم من خلائق ترى الإنسان ولا يراها الإنسان ! وأن الشياطين منه مسلطون على بني الإنسان يغوونهم ويضلونهم ، وهم قادرون على الوسوسة لهم والإيحاء بطريقة لا نعلمها . وأن هؤلاء الشياطين لا سلطان لهم على المؤمنين الذاكرين . وأن الشيطان مع المؤمن إذا ذكر الله خنس وتوارى ، وإذا غفل برز فوسوس له ! وأن المؤمن اقوى بالذكر من كيد الشيطان الضعيف . وأن عالم الجن يحشر مع عالم الإنس ؛ ويحاسب ؛ ويجازى بالجنة وبالنار كالجنس الإنساني . وأن الجن حين يقاسون إلى الملائكة يبدون خلقاً ضعيفاً لا حول له ولا قوة !
وفي هذه الآية نعرف أن الله سبحانه قد جعل لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن . .
ولقد كان الله - سبحانه - قادراً - لو شاء - ألا يفعلوا شيئاً من هذا . . ألا يتمردوا ؛ وألا يتمحضوا للشر ؛ وألا يعادوا الأنبياء ؛ وألا يؤذوا المؤمنين ؛ وألا يضلوا الناس عن سبيل الله . . كان الله سبحانه قادراً أن يقهرهمقهراً على الهدى ؛ أو أن يهديهم لو توجهوا للهدى ؛ أو أن يعجزهم عن التصدي للأنبياء والحق والمؤمنين به . . ولكنه سبحانه ترك لهم هذا القدر من الاختيار . وأذن لهم أن تمتد أيديهم بالأذى لأولياء الله - بالقدر الذي تقضي به مشيئته ويجري به قدره - وقدر أن يبتلي أولياءه بأذى أعدائه ؛ كما يبتلي أعداءه بهذا القدر من الاختيار والقدرة الذي أعطاهم إياه . فما يملك هؤلاء أن يوقعوا بأولياء الله من الأذى إلا ما قدره الله :
فما الذي يخلص لنا من هذه التقريرات ؟
يخلص لنا ابتداء : أن الذين يقفون بالعداوة لكل نبي ؛ ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء . . هم " شياطين " ! . شياطين من الإنس ومن الجن . . وأنهم يؤدون جميعاً - شياطين الإنس والجن - وظيفة واحدة ! وأن بعضهم يخدع بعضاً ويضله كذلك مع قيامهم جميعاً بوظيفة التمرد والغواية وعداء أولياء الله . .
ويخلص لنا ثانياً : أن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئاً من هذا كله ، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتية فيهم . إنما هم في قبضة الله . وهو يبتلي بهم أولياءه لأمر يريده0من تمحيص هؤلاء الأولياء ، وتطهير قلوبهم ، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء . فإذا اجتازوا الامتحان بقوة كف الله عنهم الابتلاء . وكف عنهم هؤلاء الأعداء . وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدر الله . وآب أعداء الله بالضعف والخذلان ؛ وبأوزارهم كاملة يحملونها على ظهورهم :
ويخلص لنا ثالثا : أن حكمة الله الخالصة هي التي اقتضت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا - فهو إنما يبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة - وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترة من الزمان - فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا : أيصبرون ؟ أيثبتون على ما معهم من الحق بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل ؟ أيخلصون من حظ أنفسهم في أنفسهم ويبيعونها بيعة واحدة لله ، على السراء وعلى الضراء سواء . وفي المنشط والمكره سواء ؟ وإلا فقد كان الله قادراً على ألا يكون شيء من هذا الذي كان !
ويخلص لنا رابعاً : هو أن الشياطين من الإنس والجن ، وهو أن كيدهم وأذاهم . فما يستطيلون بقوة ذاتية لهم ؛ وما يملكون أن يتجاوزوا ما أذن الله به على أيديهم . . والمؤمن الذي يعلم أن ربه هو الذي يقدر ، وهو الذي يأذن ، خليق أن يستهين بأعدائه من الشياطين ؛ مهما تبلغ قوتهم الظاهرة وسلطانهم المدّعى . ومن هنا هذا التوجيه العلوي لرسول الله الكريم :
دعهم وافتراءهم . فأنا من ورائهم قادر على أخذهم ، مدخر لهم جزاءهم . .
{ 112 ، 113 } { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ }
يقول تعالى -مسليا لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم- وكما جعلنا لك أعداء يردون دعوتك ، ويحاربونك ، ويحسدونك ، فهذه سنتنا ، أن نجعل لكل نبي نرسله إلى الخلق أعداء ، من شياطين الإنس والجن ، يقومون بضد ما جاءت به الرسل .
{ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } أي : يزين بعضهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل ، ويزخرفون له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة ، ليغتر به السفهاء ، وينقاد له الأغبياء ، الذين لا يفهمون الحقائق ، ولا يفقهون المعاني ، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة ، والعبارات المموهة ، فيعتقدون الحق باطلا والباطل حقا ، ولهذا قال تعالى :
قوله تعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ( 112 ) ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالأخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } .
الكاف في اسم الإشارة ، في محل نصب نعت لمصدر مؤكد لما بعده . أي مثل ذلك الجعل جعلنا لك أعداء . شياطين ، منصوب على البدل من قوله : { عدوا } وقيل : منصوب على أنه مفعول ثان للفعل جعلنا . وغرورا منصوب على المصدر في موضع الحال . وقيل : منصوب على البدل من قوله : { زخرف } وقيل : منصوب ، لأنه مفعول لأجله . أي لغروره{[1249]} . هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يشاهده من عداوة قريش وما افتروه من الأقاويل والأباطيل وما كادوه للإسلام ونبيه .
قوله : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس والجن } وشياطين الإنس والجن ، هم العتاة المردة من النوعين . وهم الذين يحفزون الناس ليجنحوا عن صراط الله ، ويسولون لهم الجحود والعصيان والتمرد على الله بكل صور العصيان والتمرد . لا جرم أن شياطين الإنسان والجن خلف كل الخطايا التي يقرفها بنو البشر في هذه الأرض . وهم وراء كل ظواهر الكفر أو الفسق أو الإلحاد الذي سقط فيه الأشقياء والتعساء من بني آدم . أما شياطين الجن فهم صنف من الخليقة غير منظورة ولا محسة ، ترى من حولها من حيث لا يراها الناس . وليس لها من وظيفة ولا شاغل إلا إفساد الإنسان بكل ظواهر الإيحاء من إغراء وإغواء ، أو ترغيب وترهيب . وغير ذلك من الأساليب النفسية والباطنية التي يتدسس من خلالها الشيطان العاتي إلى العميق من دخائل الإنسان لينفره من فعل الخيرات ، ويسول له فعل المعاصي والمنكرات ، فضلا عن تحريضه على السقوط في جحيم الباطل بكل ضروبه من كفر وإلحاد وإيذاء للمسلمين وكيد للإسلام .
أما شياطين البشر فهم صنف آخر من الجنس المنظور من ذرية آدم . وهؤلاء مغايرون لشياطين الجن ، في أمر أساسي واحد . وهو أن الأولين مخلوقون أشقياء في الأصل . فهم قد فطروا على الكفر والتمرد والرغبة اللحاحة في الإفساد منذ جيئتهم إلى هذه الدنيا . لكن الآخرين – وهم شياطين البشر- لم يخلقوا كافرين ولا عتاة فاسقين ، لكنهم قد خالطهم الفساد بعد حين من البراءة التي جبلوا عليها وهم صغار . فما لبثوا بعد ذلك أن أشربت أذهانهم وقلوبهم وطبائعهم الكفر والفساد . وذلك لما لامست عقولهم ونفوسهم أساليب الشياطين الشريرة بمختلف الوسائل التربوية والفكرية والثقافية فانقلبوا مردة شياطين كإخوانهم من شياطين الجن أو أعتى وأشد . وفي هذا روى عن أبي ذر قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس قد أطال فيه الجلوس . فقال : " يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن " قلت : يا رسول الله ! وهل للإنس من شياطين ؟ قال : " نعم شر من شياطين الجن " .
قوله : { يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } الجملة في محل نصب حال من شياطين . أو صفة لعدو ؟ وقيل : الكلام مستأنف سيق لبيان عداوة الكافرين من شياطين الإنس والجن . ويوحي ، من الوحي وهو الإشارة السريعة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي{[1250]} وسمي وحيا لحصوله خفية . والمراد بقوله { يوحى } يلقي أو يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس . وقيل كذلك يوسوس بعض كل فريق من الفريقين للآخر . وقيل أيضا : إن مع كل جني شيطانا ، ومع كل إنسي شيطانا فيوحي الشيطان لصاحبه بزخرف القول . ويدل على ذلك من السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن " قيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير " .
أما زخرف القول ، فهو الكلام المزين المحسن خداعا . والزخرف معناه الزينة والتمويه . والغرور ، ما غر الإنسان وخدعه فصده عن الحق إلى الباطل . والمقصود أن شياطين الجن يغرون ويوسوسون لشياطين الإنسان بالمزين من الكلام اللامع المخادع ليغروهم فيجانبوا الحق مجانبة وليسدروا في الأرض عتاة مفسدين ، يحرضون الناس على المعاصي وفعل المنكرات ويخوفوهم من الإذعان لأوامر الله والامتثال لدينه وشرعه . ومثلما يوحي شياطين الجن إلى البشر فإنه لا يفوتنا أن نؤكد على أن شياطين البشر أشد إيحاء وإغراء وتمويها ، وأقدر على إفساد الإنسان وإغوائه وإغراقه في الموبقات والآثام ، بل أجدر أن يحاذرهم المؤمنون ويحرصوا على اجتنابهم والتعوذ بالله منهم ومن كيدهم ومكرهم وتمالئهم على الإسلام والمسلمين في كل الأحوال ، بل في كل زمان ومكان .
ولَعمرُ الحق ما فسد المسلمون ولا انثنوا عن دينهم الإسلام ولا غاروا في الهوان والضياع والذلة ، ولا ارتكسوا في المفاسد والفواحش وأوضار المحرمات والمحظورات ، إلا بالجهود الهائلة الكثاف التي بذلها شياطين الإنسان وما فتئوا يبذلونها لتحطيم العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين ولتشويه الصورة عن حقيقة الإسلام فكرا وفقها وأخلاقا ومنهاجا ونظاما للحياة .
أجل ! ما ضل المسلمون ولا وهنوا ولا مالوا عن دينهم وارتاب كثير منهم في صلاح الإسلام للحياة البشرية إلا بفعل الأفاعيل المذهلة التي خطط لها الشياطين الإنسيون العتاة من دهاقنة الإفساد والتدمير والتشويه والتشكيك ، من استعماريين وصليبيين وشيوعيين وصهيونيين وغيرهم من الناعقين الأتباع المتواطئين من أبناء المسلمين .
قوله : { ولو شاء ربك ما فعلوه } الضمير في { فعلوه } عائد إلى عداوة الشياطين وإيحاءاتهم الخبيثة بزخرف القول . وتأويل الآية أن الله قادر على هداية الناس ليكونوا جميعا مؤمنين . ولو شاء أن يجعلهم مؤمنين لفعل ، لكنه ابتلى بعض الناس لينال كل فريق منهم جزاءه الذي يستحقه مما هو مسطور في الكتاب الرباني أن يفنى هذا الزمان .
قوله : { فذرهم وما يفترون } أي دع هؤلاء الشياطين من البشر الذين يجادلونك بالباطل ويخاصمونك بما يوحي إليهم أولياؤهم من شياطين الإنس والجن . دعهم { وما يفترون } أي وما يختلقون من الزور والأباطيل . وذلك هو شأن المسلمين الذين يدعون الناس إلى منهج الإسلام ويبلغون الناس دعوة الحق . فإنه خليق بهم أن يبينوا للناس كلمة الإسلام بالتي هي أحسن وفي أسلوب علمي كريم ومحبوب كيما يطلع الناس على روعة الإسلام ، وأن هذا الدين لهو الأمثل الذي يصلح عليه حال البشرية في هذه الدنيا . ولا مناص بعد ذلك من الاصطراع مع فريق الباطل وهم شياطين البشر الذين يكذبون على الله وأنبيائه ورسله ويزيفون الحق والتاريخ ويثيرون الشبهات والافتراءات من حول الإسلام !
وما على الداعين إلى دين الإسلام في مثل هذه الحال إلا أن يصطبروا ويحتملوا الأذى وقول الزور والإرجاف ، وأن يتركوا الشياطين وما يكيدون ويأتفكون إلى أن يحكم الله بالحق وهو خير الحاكمين .