ثم يزيد في تفظيع الفعلة وتبشيعها ، فيقطع ما بين فاعليها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة :
( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك . وحرم ذلك على المؤمنين ) . .
وإذن فالذين يرتكبون هذه الفعلة لا يرتكبونها وهم مؤمنون . إنما يكونون في حالة نفسية بعيدة عن الإيمان وعن مشاعر الإيمان . وبعد ارتكابها لا ترتضي النفس المؤمنة أن ترتبط في نكاح مع نفس خرجت عن الإيمان بتلك الفعلة البشعة ؛ لأنها تنفر من هذا الرباط وتشمئز . حتى لقد ذهب الإمام أحمد إلى تحريم مثل هذا الرباط بين زان وعفيفة ، وبين عفيف وزانية ؛ إلا أن تقع التوبة التي تطهر من ذلك الدنس المنفر . وعلى أية حال فالآية تفيد نفور طبع المؤمن من نكاح الزانية ، ونفور طبع المؤمنة من نكاح الزاني ؛ واستبعاد وقوع هذا الرباط بلفظ التحريم الدال على شدة الاستبعاد : ( وحرم ذلك على المؤمنين ) . . وبذلك تقطع الوشائج التي تربط هذا الصنف المدنس من الناس بالجماعة المسلمة الطاهرة النظيفة .
ورد في سبب نزول هذه الآية أن رجلا يقال له : مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة . وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها : عناق . وكانت صديقة له . وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله . قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة . قال : فجاءت عناق ، فأبصرت سواد ظل تحت الحائط . فلما انتهت إلي عرفتني . فقالت : مرثد ? فقلت : مرثد ! فقالت : مرحبا وأهلا . هلم فبت عندنا الليلة : قال : فقلت : يا عناق حرم الله الزنا . فقالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم . قال : فتبعني ثمانية ، ودخلت الحديقة . فانتهيت إلى غار أو كهف ، فدخلت ، فجاءوا حتى قاموا على رأسي ، فبالوا ، فظل بولهم على رأسي ، فأعماهم الله عني . قال : ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته ؛ وكان رجلا ثقيلا ؛ حتى انتهيت إلى الإذخر ؛ ففككت عنه أحبله ، فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة ؛ فأتيت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقلت : يا رسول الله أنكح عناقا ? - مرتين - فأمسك رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فلم يرد علي شيئا حتى نزلت( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ، وحرم ذلك على المؤمنين )فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " يا مرثد . الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة . فلا تنكحها " .
فهذه الرواية تفيد تحريم نكاح المؤمن للزانية ما لم تتب ، ونكاح المؤمنة للزاني كذلك . وهو ما أخذ به الإمام أحمد . ورأى غيره غير رأيه . والمسألة خلافية تطلب في كتب الفقه . وعلى أية حال فهي فعلة تعزل فاعلها عن الجماعة المسلمة ؛ وتقطع ما بينه وبينها من روابط . وهذه وحدها عقوبة اجتماعية أليمة كعقوبة الجلد أو أشد وقعا !
والإسلام وهو يضع هذه العقوبات الصارمة الحاسمة لتلك الفعلة المستنكرة الشائنة لم يكن يغفل الدوافع الفطرية أو يحاربها . فالإسلام يقدر أنه لا حيلة للبشر في دفع هذه الميول ، ولا خير لهم في كبتها أو قتلها . ولم يكن يحاول أن يوقف الوظائف الطبيعية التي ركبها الله في كيانهم ، وجعلها جزءا من ناموس الحياة الأكبر ، يؤدي إلى غايته من امتداد الحياة ، وعمارة الأرض ، التي استخلف فيها هذا الإنسان .
إنما أراد الإسلام محاربة الحيوانية التي لا تفرق بين جسد وجسد ، أو لا تهدف إلى إقامة بيت ، وبناء عش ، وإنشاء حياة مشتركة ، لا تنتهي بانتهاء اللحظة الجسدية الغليظة ! وأن يقيم العلاقات الجنسية على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية ، التي تجعل من التقاء جسدين نفسين وقلبين وروحين ، وبتعبير شامل التقاء إنسانين ، تربط بينهما حياة مشتركة ، وآمال مشتركة ، وآلام مشتركة ، ومستقبل مشترك ، يلتقي في الذرية المرتقبة ، ويتقابل في الجيل الجديد الذي ينشأ في العش المشترك ، الذي يقوم عليه الوالدان حارسين لا يفترقان .
من هنا شدد الإسلام في عقوبة الزنا بوصفه نكسة حيوانية ، تذهب بكل هذه المعاني ، وتطيح بكل هذه الأهداف ؛ وترد الكائن الإنساني مسخا حيوانيا ، لا يفرق بين أنثى وأنثى ، ولا بين ذكر وذكر . مسخا كل همه إرواء جوعة اللحم والدم في لحظة عابرة . فإن فرق وميز فليس وراء اللذة بناء في الحياة ، وليس وراءها عمارة في الأرض ، وليس وراءها نتاج ولا إرادة نتاج ! بل ليس وراءها عاطفة حقيقية راقية ، لأن العاطفة تحمل طابع الاستمرار . وهذا ما يفرقها من الانفعال المنفرد المتقطع ، الذي يحسبه الكثيرون عاطفة يتغنون بها ، وإنما هي انفعال حيواني يتزيا بزي العاطفة الإنسانية في بعض الأحيان !
إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها ؛ إنما ينظمها ويطهرها ، ويرفعها عن المستوى الحيواني ، ويرقيها حتى تصبح المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية . فأما الزنا - وبخاصة البغاء - فيجرد هذا الميل الفطري من كل الرفرفات الروحية ، والأشواق العلوية ؛ ومن كل الآداب التي تجمعت حول الجنس في تاريخ البشرية الطويل ؛ ويبديه عاريا غليظا قذرا كما هو في الحيوان ، بل أشد غلظا من الحيوان . ذلك أن كثيرا من أزواج الحيوان والطير تعيش متلازمة ، في حياة زوجية منظمة ، بعيدة عن الفوضى الجنسية التي يشيعها الزنا - وبخاصة البغاء - في بعض بيئات الإنسان !
دفع هذه النكسة عن الإنسان هو الذي جعل الإسلام يشدد ذلك التشديد في عقوبة الزنا . . ذلك إلى الأضرار الاجتماعية التي تعارف الناس على أن يذكروها عند الكلام عن هذه الجريمة ، من اختلاط الأنساب ، وإثارة الأحقاد ، وتهديد البيوت الآمنة المطمئنة . . . وكل واحد من هذه الأسباب يكفي لتشديد العقوبة . ولكن السبب الأول وهو دفع النكسة الحيوانية عن الفطرة البشرية ، ووقاية الآداب الإنسانية التي تجمعت حول الجنس ، والمحافظة على أهداف الحياة العليا من الحياة الزوجية المشتركة القائمة على أساس الدوام والامتداد . . هذا السبب هو الأهم في اعتقادي . وهو الجامع لكل الأسباب الفرعية الأخرى .
على أن الإسلام لا يشدد في العقوبة هذا التشديد إلا بعد تحقيق الضمانات الوقائية المانعة من وقوع الفعل ، ومن توقيع العقوبة إلا في الحالات الثابتة التي لا شبهة فيها . فالإسلام منهج حياة متكامل ، لا يقوم على العقوبة ؛ إنما يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة . ثم يعاقب بعد ذلك من يدع الأخذ بهذه الأسباب الميسرة ويتمرغ في الوحل طائعا غير مضطر .
وفي هذه السورة نماذج من هذه الضمانات الوقائية الكثيرة ستأتي في موضعها من السياق . .
فإذا وقعت الجريمة بعد هذا كله فهو يدرأ الحد ما كان هناك مخرج منه لقوله [ صلى الله عليه وسلم ] : ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطى ء في العفو خير من أن يخطى ء في العقوبة لذلك يطلب شهادة أربعة عدول يقرون برؤية الفعل . أو اعترافا لا شبهة في صحته .
وقد يظن أن العقوبة إذن وهمية لا تردع أحدا ، لأنها غير قابلة للتطبيق . ولكن الإسلام - كما ذكرنا - لا يقيم بناءه على العقوبة ، بل على الوقاية من الأسباب الدافعة إلى الجريمة ؛ وعلى تهذيب النفوس ، وتطهير الضمائر ؛ وعلى الحساسية التي يثيرها في القلوب ، فتتحرج من الإقدام على جريمة تقطع ما بين فاعلها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة . ولا يعاقب إلا المتبجحين بالجريمة ، الذين يرتكبونها بطريقة فاضحة مستهترة فيراها الشهود . أو الذين يرغبون في التطهر بإقامة الحد عليهم كما وقع لماعز ولصاحبته الغامدية . وقد جاء كل منهما يطلب من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أن يطهره بالحد ، ويلح في ذلك ، على الرغم من إعراض النبي مرارا ؛ حتى بلغ الإقرار أربع مرات . ولم يعد بد من إقامة الحد ، لأنه بلغ إلى الرسول بصفة مستيقنة لا شبهة فيها . والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : " تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب "
فإذا وقع اليقين ، وبلغ الأمر إلى الحاكم ، فقد وجب الحد ولا هوادة ، ولا رأفة في دين الله . فالرأفة بالزناة الجناة حينئذ هي قسوة على الجماعة ، وعلى الآداب الإنسانية ، وعلى الضمير البشري . وهي رأفة مصطنعة . فالله أرأف بعباده . وقد اختار لهم . وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم . والله أعلم بمصالح العباد ، وأعرف بطبائعهم ، فليس لمتشدق أن يتحدث عن قسوة العقوبة الظاهرية ؛ فهي أرأف مما ينتظر الجماعة التي يشيع فيها الزنا ، وتفسد فيها الفطرة ، وترتكس في الحمأة ، وتنتكس إلى درك البهيمة الأولى . .
والتشديد في عقوبة الزنا لا يغني وحده في صيانة حياة الجماعة ، وتطهير الجو الذي تعيش فيه . والإسلام لا يعتمد على العقوبة في إنشاء الحياة النظيفة - كما قلنا - إنما يعتمد على الضمانات الوقائية وعلى تطهير جو الحياة كلها من رائحة الجريمة .
هذا بيان لرذيلة الزنا ، وأنه يدنس عرض صاحبه ، وعرض من قارنه ومازجه ، ما لا يفعله بقية الذنوب ، فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء ، إلا أنثى زانية ، تناسب حاله حالها ، أو مشركة بالله ، لا تؤمن ببعث ولا جزاء ، ولا تلتزم أمر الله ، والزانية كذلك ، لا ينكحها إلا زان أو مشرك { وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ْ } أي : حرم عليهم أن ينكحوا زانيا ، أو ينكحوا زانية .
ومعنى الآية : أن من اتصف بالزنا ، من رجل أو امرأة ، ولم يتب من ذلك ، أن المقدم على نكاحه ، مع تحريم الله لذلك ، لا يخلو إما أن لا يكون ملتزما لحكم الله ورسوله ، فذاك لا يكون إلا مشركا ، وإما أن يكون ملتزما لحكم الله ورسوله ، فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه ، فإن هذا النكاح زنا ، والناكح زان مسافح ، فلو كان مؤمنا بالله حقا ، لم يقدم على ذلك ، وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب ، وكذلك إنكاح الزاني حتى يتوب ، فإن مقارنة الزوج لزوجته ، والزوجة لزوجها ، أشد الاقترانات والازدواجات ، وقد قال تعالى : { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ْ } أي : قرناءهم ، فحرم الله ذلك ، لما فيه من الشر العظيم ، وفيه من قلة الغيرة ، وإلحاق الأولاد ، الذين ليسوا من الزوج ، وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها ، مما بعضه كاف للتحريم{[556]} وفي هذا دليل أن الزاني ليس مؤمنا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فهو وإن لم يكن مشركا ، فلا يطلق عليه اسم المدح ، الذي هو الإيمان المطلق .
ولما كان في ذلك من الغلظة على الزاني لما ارتكب من الحرام المتصف بالعار ما يفهم مجانبته ، صرح به ، مانعاً من نكاح المتصف بالزنا من ذكر وأنثى ، إعلاماً بأن وطء من اتصف به من رجل أو امرأة لا يكون إلا زنا وإن كان بعقد ، فقال واصلاً له بما قبله : { الزاني لا ينكح } أي لا يتزوج { إلا زانية أو مشركة } أي المعلوم اتصافه بالزنا مقصور نكاحه على زانية أو مشركة ، وذلك محرم ، فهذا تنفير للمسلمة عن نكاح المتصف بالزنا حيث سويت بالمشركة إن عاشرته ، وذلك يرجع إلى أن من نكحت زانياً فهي زانية أو مشركة ، أي فهي مثله أو شر منه ، ولو اقتصر على ذلك لم يكن منع من أن ينكح العفيف الزانية ، فقال تعالى مانعاً من ذلك : { والزانية لا ينكحها } أي لا يتزوجها { إلا زان أو مشرك } أي والمعلوم اتصافها بالزنا مقصور نكاحها على زان أو مشرك ، وذلك محرم فهو تنفير للمسلم أن يتزوج من اتصفت بالزنا حيث سوى في ذلك بالمشرك ، وهو يرجع إلى أن من نكح زانية فهو زان أو مشرك ، أي فهو مثلها أو شر منها ، وأسند النكاح في الموضعين إلى الرجل تنبيهاً إلى أن النساء لا حق لهن في مباشرة العقد ؛ ثم صرح بما أفهمه صدر الاية بقوله مبنياً للمفعول لأن ذلك يكفي المؤمن الذي الخطاب معه : { وحرم ذلك } أي نكاح الزاني والزانية تحريماً لا مثنوية فيه { على المؤمنين* } وعلم من هذا أن ذكر المشرك والمشركة لزيادة التنفير ، ثم إن هذا الحكم فسخ كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله موافقة لابن المسيب بقوله تعالى{ وأنكحوا الأيامى منكم }[ النور : 32 ] وهو جمع أيم وهو من لا زوج له من الذكور والإناث ، فأحل للزاني أن ينكح من شاء ، وللزانية أن تنكح من شاءت ، وقراءة من قرأ { لا ينكح } بالنهي راجعة إلى هذا ، لأن الطلب قد يجيء للخبر كما يجيء الخبر للطلب - والله أعلم ؛ قال الشافعي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه في الأم في جزء مترجم بأحكام القرآن وفي جزء بعد كتاب الحج الكبير والصغير والضحايا : ما جاء في نكاح المحدثين ، فذكر الآية وقال : اختلف أهل التفسير في هذه الاية اختلافاً متبايناً ، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في بغايا من بغايا الجاهلية كانت على منازلهن رايات ، قال في الجزء الآخر : وكن غير محصنات ، فأراد بعض المسلمين نكاحهن فنزلت الآية بتحريم أن ينكحن إلا من أعلن بمثل ما أعلن به أو مشركاً ، وقيل كن زواني مشركات فنزلت لا ينكحهن إلا زان مثلهن مشرك ، أو مشرك وإن لم يكن زانياً ، وحرم ذلك على المؤمنين ، وقيل : هي عامة ولكنها نسخت ، أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال : هي منسوخة نسختها وانكحوا الأيامى منكم }[ النور : 32 ] فهي من أيامي المسلمين ، فهذا كما قال ابن المسيب إن شاء الله تعالى ، وعليه دلائل من الكتاب والسنة ، ثم استدل على فساد غير هذا القول بأن الزانية إن كانت مشركة فهي محرمة على زناة المسلمين وغير زناتهم بقوله تعالى{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن }[ البقرة : 221 ] ولا خلاف في ذلك ، وإن كانت مسلمة فهي بالإسلام محرمة على جميع المشركين بكل نكاح بقوله تعالى{ فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن }[ الممتحنة : 10 ] ولا خلاف في ذلك أيضاً ، وبأنه لا اختلاف بين أحد من أهل العلم أيضاً في تحريم الوثنيات عفائف كن أو زواني على من آمن زانياً كان أو عفيفاً ، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد بكراً في الزنا وجلد امرأة ولم نعلمه قال للزاني : هل لك زوجة فتحرم عليك إذا زنيت ، ولا يتزوج هذا الزاني ولا الزانية إلا زانية أو زانياً ، بل قد يروى أن رجلاً شكا من امرأته فجوراً فقال : طلقها ، قال : إني أحبها ، قال : استمتع بها - يشير إلى ما رواه ابو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن امرأتي لا تمنع يد لامس ، قال : طلقها ، قال : إني لا أصبر عنها ، قال : فأمسكها " ورواه البيهقي والطبراني من حديث جابر رضي الله عنه ، وقال شيخنا ابن حجر : إنه حديث حسن صحيح - انتهى . قال الشافعي : وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لرجل اراد أن ينكح امرأة أحدثت : أنكحها نكاح العفيفة المسلمة - انتهى بالمعنى . وقال في الجزء الذي بعد الحج : فوجدنا الدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في زانية وزان من المسلمين لم نعلمه حرم على واحد منهما أن ينكح غير زانية ولا زان ، ولا حرم واحداً منهما على زوجه ؛ ثم قال : فالاختيار للرجل أن لا ينكح زانية وللمرأة أن لا تنكح زانياً ، فإن فعلا فليس ذلك بحرام على واحد منهما ، ليست معصية واحد منهما في نفسه تحرم عليه الحلال إذا أتاه ، ثم قال : وسواء حد الزاني منهما أو لم يحد ، أو قامت عليه بينة أو اعترف ، لا يحرم زنا واحد منهما ولا زناهما ولا معصية من المعاصي الحلال إلا أن يختلف ديناهما بشرك وإيمان - انتهى . وقد علم أنه لم يرد أن هذا الحكم نسخ بآية الأيامى فقط ، بل بما انضم إليها من الإجماع وغيره من الآيات والأحاديث بحيث صير ذلك دلالتها على ما تناولته متيقناً كدلالة الخاص على ما تناوله ، فلا يقال : إن الشافعي رحمه الله خالف أصله في أن الخاص لا ينسخ بالعام ، لأن ما تناوله الخاص متيقن ، وما تناوله العام ظاهر مظنون ، وكان هذا الحكم - وهو الحرمة في أول الإسلام بعد الهجرة - لئلا يغلب حال المفسد على المصلح فيختل بعض الأمر كما أشير إليه في البقرة ولا تنكحوا المشركات }[ البقرة : 221 ] وفي المائدة عند{ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله }[ المائدة : 5 ] وهو من وادي قوله :عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل خليل بالمخالل يقتدي
والجنسية علة الضم ، والمشاكلة سبب المواصلة ، والمخالفة توجب المباعدة وتحرم المؤالفة ، وقد روى أبو داود في الأدب والترمذي في الزهد - وقال : حسن غريب - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " وروى الإمام أبو يعلى الموصلي في مسنده قال : حدثنا يحيى بن معين حدثنا سعيد بن الحكم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت : كانت امرأة بمكة مزاحة ، يعني فهاجرت إلى المدينة الشريفة ، فنزلت على امرأة شبه لها ، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت صدق حبي ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " قال : ولا أعلم إلا قال في الحديث : ولا نعرف تلك المرأة ، وسيأتي عند { والطيبات للطيبين } تخريج " الأرواح جنود مجندة " وقال الإمام أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري في كتاب المجالسة : حدثنا أحمد بن علي الخزاز حدثنا مصعب بن عبدالله عن أبي غزية الأنصاري قال : قال الشعبي : يقال : إن لله ملكاً موكلاً بجمع الأشكال بعضها إلى بعض - انتهى . وعزاه شيخنا الحافظ أبو الفضل ابن حجر في تخريج أحاديث مسند الفردوس إلى أنس رضي الله عنه وقال : بتأليف الأشكال . ويروى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم فقال : يا أهل الكوفة ، قد علمنا شراركم من خياركم ، فقالوا : كيف وما لك إلا ثلاثة أيام ؟ فقال : كان معنا شرار وخيار ، فانضم خيارنا إلى خياركم ، وشرارنا إلى شراركم ، فلما تقررت الأحكام ، وأذعن الخاص والعام ، وضرب الدين بجرانه ، ولم يخش وهي شيء من بنيانه ، نسخت الحرمة ، وبقيت الكراهة أو خلاف الأولى - والله الموفق . وهذا كله توطئة لبراءة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كما يأتي إيضاحه عنه { والطيبات للطيبين } لأنها قرينة خير العالمين وأتقاهم وأعفهم ، ولأن كلاًّ منها ومن صفوان رضي الله عنهما بعيد عما رمى به شهير بضده ، وإليه الإشارة
" بقول النبي صلى الله عليه وسلم : من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً " وفي رواية " ما علمت عليه من سوء قط ، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر " وبقول عائشة رضي الله عنها عن صفوان رضي الله عنه : إنه قتل شهيداً في سبيل الله . وهذا سوى الآيات المصرحة والأعلام المفصحة ، فهو { والطيبون } تلويح قبل بيان ، وتصريح وإشارة بعد عبارة وتوضيح ، ليجتمع في براءة الصديقة رضي الله عنها دليلان عقليان شهوديان اكتنفا الدليل النقلي فكانا سوراً عليه ، وحفظاً من تصويب طعن إليه ، وفي ذلك من فخامة أمرها وعظيم قدرها ما لا يقدره حق قدره إلا الذي خصها به .