في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

وبعد الانتهاء من بيان حكم القذف يورد نموذجا من القذف ، يكشف عن شناعة الجرم وبشاعته ؛ وهو يتناول بيت النبوة الطاهرة الكريم ، وعرض رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أكرم إنسان على الله ، وعرض صديقه الصديق أبي بكر - رضي الله عنه - أكرم إنسان على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعرض رجل من الصحابة - صفوان بن المعطل رضي الله عنه - يشهد رسول الله أنه لم يعرف عليه إلا خيرا . . وهو يشغل المسلمين في المدينة شهرا من الزمان . .

ذلك هو حديث الإفك الذي تطاول إلى ذلك المرتقى السامي الرفيع :

إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم . لا تحسبوه شرا لكم ، بل هو خير لكم . لكل امرى ء منهم ما اكتسب من الإثم ، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم . لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ، وقالوا : هذا إفك مبين . لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ! فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم . إذ تلقونه بألسنتكم ، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ؛ وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم . ولولا إذ سمعتموه قلتم : ما يكونلنا أن نتكلم بهذا . سبحانك ! هذا بهتان عظيم . يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين . ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم . إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون . ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم . يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ؛ ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم . ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله . وليعفوا وليصفحوا . ألا تحبون أن يغفر الله لكم . والله غفور رحيم . إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ، ولهم عذاب عظيم . يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون . يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ، ويعلمون أن الله هو الحق المبين . الخبيثات للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات ، والطيبات للطيبين ، والطيبون للطيبات ، أولئك مبرأون مما يقولون ، لهم مغفرة ورزق كريم ) . .

هذا الحادث . حادث الإفك . قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلاما لا تطاق ؛ وكلف الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل ؛ وعلق قلب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقلب زوجة عائشة التي يحبها ، وقلب أبي بكر الصديق وزوجه ، وقلب صفوان بن المعطل . . شهرا كاملا . علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لا يطاق .

فلندع عائشة - رضي الله عنها - تروي قصة هذا الألم ، وتكشف عن سر هذه الآيات :

عن الزهري عن عروة وغيره عن عائشة - رضي الله عنها - قالت :

كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ؛ وإنه أقرع بيننا في غزاة فخرج سهمي ، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب ، وأنا أحمل في هودج ، وأنزل فيه . فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من غزوته تلك ، وقفل ، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل ؛ فقمت حين آذنوا بالرحيل ، حتى جاوزت الجيش . فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل ، فلمست صدري ، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع ، فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه ؛ وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني ، فاحتملوا هودجي ، فرحلوه على بعيري ، وهم يحسبون أني فيه ؛ وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم ؛ وإنما نأكل العلقة من الطعام ؛ فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج ، فحملوه ؛ وكنت جارية حديثة السن ؛ فبعثوا الجمل وساروا ، فوجدت عقدي ، بعدما استمر الجيش ، فجئت منزلهم ، وليس فيه أحد منهم ، فتيممت منزلي الذي كنت فيه ، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي ؛ فبينما أنا جالسة غلبتني عيناني فنمت . وكان صفوان بن المعطل السلمي . ثم الذكواني . قد عرس وراء الجيش ، فأدلج ، فأصبح عند منزلي ؛ فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني . وكان يراني قبل الحجاب . فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ؛ والله ما يكلمني بكلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ؛ وهوى حتى أناخ راحلته ، فوطى ء على يديها ، فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة ، حتى أتينا الجيش ، بعد ما نزلوا معرسين .

قالت : فهلك في شأني من هلك . وكان الذي تولى كبر الإثم عبد الله بن أبي بن سلول ؛ فقدمنا المدينة ، فاشتكيت بها شهرا ؛ والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر . وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ? ثم ينصرف . فذلك الذي يريبني منه ، ولا أشعر بالشر حتى نقهت ، فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف ، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط . فأقبلت أنا وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب - حين فرغنا من شأننا نمشي . فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح ! فقلت لها : بئسما قلت . أتسبين رجلا شهد بدرا ? فقالت : يا هنتاه ألم تسمعي ما قال ? فقلت : وما قال ? فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت مرضا إلى مرضي . فلما رجعت إلى بيتي دخل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : كيف تيكم ? فقلت : ائذن لي أن آتي أبوي . وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما . فأذن لي ، فأتيت أبوي ، فقلت لأمي : يا أمتاه ماذا يتحدث الناس به ? فقالت يا بنية هوني على نفسك الشأن ، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها . فقلت : سبحان الله ! ولقد تحدث الناس بهذا ? قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم . ثم أصبحت أبكي . فدعا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد - رضي الله عنهما - حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله . قالت : فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم في نفسه من الود لهم . فقال أسامة : هم أهلك يا رسول الله ، ولا نعلم والله إلا خيرا . وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تخبرك . قالت : فدعا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بريرة فقال لها : أي بريرة . هل رأيت فيها شيئا يريبك ? فقالت : لا والذي بعثك بالحق نبيا إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها ، فتأتي الداجن فتأكله . قالت : فقام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من يومه ، واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول . فقال وهو على المنبر : من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي ? فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا . ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي . قالت : فقام سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال : يا رسول الله أنا والله أعذرك منه . إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك . فقام سعد بن عبادة - رضي الله عنه - وهو سيد الخزرج ، وكان رجلا صالحا ولكن أخذته الحمية . فقال لسعد بن معاذ : كذبت لعمر الله ، لا تقتله ولا تقدر على ذلك . فقام أسيد بن حضير رضي الله عنه وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة : كذبت - لعمر الله - لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فثار الحيان – الأوس والخزرج - حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على المنبر ، فلم يزل يحفظهم حتى سكتوا ونزل .

وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم . ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم . فأصبح أبواي عندي ، وقد بكيت ليلتين ويوما ، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي . فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي . فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، ثم جلس ، ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها ، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء ، فتشهد حين جلس ، ثم قال : " أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا . فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله تعالى عليه " . فلما قضى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه بقطرة . فقلت لأبي : أجب عني رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فيما قال . قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فيما قال . قالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] . قالت : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن . فقلت : إني والله أعلم أنكم سمعتم حديثا تحدث الناس به ، واستقر في نفوسكم ، وصدقتم به . فلئن قلت لكم : إني بريئة لا تصدقوني بذلك . ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة ، لتصدقنني . فوالله مما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " . ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ، وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة ، وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي . ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل الله تعالى في شأني وحيا يتلى ؛ ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى في بأمر يتلى ؛ ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها . فوالله ما رام مجلسه ، ولا خرج أحد من أهل البيت ، حتى أنزل الله تعالى على نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، فسري عنه ، وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي : يا عائشة احمدي الله تعالى فإنه قد برأك . فقالت لي أمي : قومي إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله تعالى ، هو الذي أنزل براءتي . فأنزل الله تعالى : إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم . . . العشر الآيات فلما أنزل الله تعالى هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة - رضي الله عنها - فأنزل الله تعالى : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة . . إلى قوله ( والله غفور رحيم )فقال أبو بكر - رضي الله عنه - بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان يجري عليه ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا . قالت عائشة رضي الله عنها : وكان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] سأل زينب بنت جحش عن أمري ، فقال : " يا زينب . ما علمت وما رأيت ? " فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت عليها إلا خيرا . وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فعصمها الله تعالى بالورع . قالت : فطفقت أختها حمنة تحارب لها ، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك .

وهكذا عاش رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأهل بيته . وعاش أبو بكر - رضي الله عنه - وأهل بيته . وعاش صفوان بن المعطل . وعاش المسلمون جميعا هذا الشهر كله في مثل هذا الجو الخانق ، وفي ظل تلك الآلام الهائلة ، بسبب حديث الإفك الذي نزلت فيه تلك الآيات .

وإن الإنسان ليقف متململا أمام هذه الصورة الفظيعة لتلك الفترة الأليمة في حياة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وأمام تلك الآلام العميقة اللاذعة لعائشة زوجه المقربة . وهي فتاة صغيرة في نحو السادسة عشرة . تلك السن المليئة بالحساسية المرهفة والرفرفة الشفيقة .

فها هي ذي عائشة الطيبة الطاهرة . ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها ، ونظافة تصوراتها ، ها هي ذي ترمي في أعز ما تعتز به . ترمى في شرفها . وهي ابنة الصديق الناشئة في العش الطاهر الرفيع . وترمى في أمانتها . وهي زوج محمد بن عبد الله من ذروة بني هاشم . وترمى في وفائها . وهي الحبيبة المدللة القريبة من ذلك القرب الكبير . . ثم ترمى في إيمانها . وهي المسلمة الناشئة في حجر الإسلام ، من أول يوم تفتحت عيناها فيه على الحياة . وهي زوج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] .

ها هي ذي ترمى ، وهي بريئة غارة غافلة ، لا تحتاط لشيء ، ولا تتوقع شيئا ؛ فلا تجد ما يبرئها إلا أن ترجو في جناب الله ، وتترقب أن يرى رسول الله رؤيا ، تبرئها مما رميت به . ولكن الوحي يتلبث ، لحكمة يريدها الله ، شهرا كاملا ؛ وهي في مثل هذا العذاب .

ويا لله لها وهي تفاجأ بالنبأ من أم مسطح . وهي مهدودة من المرض . فتعاودها الحمى ؛ وهي تقول لأمها في أسى : سبحان الله ! وقد تحدث الناس بهذا ? وفي رواية أخرى تسأل : وقد علم به أبي ? فتجيب أمها : نعم ! فتقول : ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ? - فتجيبها أمها كذلك : نعم !

ويا لله لها ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] نبيها الذي تؤمن به ورجلها الذي تحبه ، يقول لها : " أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا ؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه " . . فتعلم أنه شاك فيها ، لا يستيقن من طهارتها ، ولا يقضي في تهمتها . وربه لم يخبره بعد ، ولم يكشف له عن براءتها التي تعلمها ولكن لا تملك إثباتها ؛ فتمسي وتصبح وهي متهمة في ذلك القلب الكبير الذي أحبها ، وأحلها في سويدائه !

وها هو ذا أبو بكر الصديق - في وقاره وحساسيته وطيب نفسه - يلذعه الألم ، وهو يرمى في عرضه . في ابنته زوج محمد - صاحبه الذي يحبه ويطمئن إليه ، ونبيه الذي يؤمن به ويصدقه تصديق القلب المتصل ، لا يطلب دليلا من خارجه . . وإذا الألم يفيض على لسانه ، وهو الصابر المحتسب القوي على الألم ، فيقول : والله ما رمينا بهذا في جاهلية . أفنرضى به في الإسلام ? وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل . حتى إذا قالت له ابنته المريضة المعذبة : أجب عني رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال في مرارة هامدة : والله ما أدري ما أقول لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] !

وأم رومان - زوج الصديق رضي الله عنهما - وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء . المريضة التي تبكي حتى تظن أن البكاء فالق كبدها . فتقول لها : يا بنية هوني على نفسك الشأن ، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها . . ولكن هذا التماسك بتزايل وعائشة تقول لها : أجيبي عني رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فتقول كما قال زوجها من قبل : والله ما أدري ما أقول لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] !

والرجل المسلم الطيب الطاهر المجاهد في سبيل الله صفوان بن المعطل . وهو يرمي بخيانة نبيه في زوجه . فيرمي بذلك في إسلامه ، وفي أمانته ، وفي شرفه ، وفي حميته . وفي كل ما يعتز به صحابي ، وهو من ذلك كله برى ء . وهو يفاجأ بالاتهام الظالم وقلبه بريء من تصوره ، فيقول : سبحان الله ! والله ما كشفت كتف أنثى قط . ويعلم أن حسان بن ثابت يروج لهذا الإفك عنه ، فلا يملك نفسه أن يضربه بالسيف على رأسه ضربة تكاد تودي به . ودافعه إلى رفع سيفه على امرى ء مسلم ، وهو منهى عنه ، أن الألم قد تجاوز طاقته ، فلم يملك زمام نفسه الجريح !

ثم ها هو ذا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو رسول الله ، وهو في الذروة من بني هاشم . . ها هو ذا يرمى في بيته . وفي من ? في عائشة التي حلت من قلبه في مكان الابنة والزوجه والحبيبة . وها هو ذا يرمى في طهارة فراشه ، وهو الطاهر الذي تفيض منه الطهارة . وها هو ذا يرمي في صيانة حرمته ، وهو القائم على الحرمات في أمته . وها هو ذا يرمى في حياطة ربه له ، وهو الرسول المعصوم من كل سوء .

ها هو ذا [ صلى الله عليه وسلم ] يرمى في كل شيء حين يرمى في عائشة - رضي الله عنها - يرمى في فراشه وعرضه ، وقلبه ورسالته . يرمى في كل ما يعتز به عربي ، وكل ما يعتز به نبي . . ها هو ذا يرمى في هذا كله ؛ ويتحدث الناس به في المدينة شهرا كاملا ، فلا يملك أن يضع لهذا كله حدا . والله يريد لحكمة يراها أن يدع هذا الأمر شهرا كاملا لا يبين فيه بيانا . ومحمد الإنسان يعاني ما يعانيه الإنسان في هذا الموقف الأليم . يعاني من العار ، ويعاني فجيعة القلب ؛ ويعاني فوق ذلك الوحشة المؤرقة . الوحشة من نور الله الذي اعتاد أن ينير له الطريق . . والشك يعمل في قلبه - مع وجود القرائن الكثيرة على براءة أهله ، ولكنه لا يطمئن نهائيا إلى هذه القرائن - والفرية تفوح في المدينة ، وقلبه الإنساني المحب لزوجه الصغيرة يتعذب بالشك ؛ فلا يملك أن يطرد الشك . لأنه في النهاية بشر ، ينفعل في هذا انفعالات البشر . وزوج لا يطيق أن يمس فراشه . ورجل تتضخم بذرة الشك في قلبه متى استقرت ، ويصعب عليه اقتلاعها دون دليل حاسم .

وها هو ذا يثقل عليه العبء وحده ، فيبعث إلى أسامة بن زيد . حبه القريب إلى قلبه . . ويبعث إلى علي ابن أبي طالب . ابن عمه وسنده . يستشيرهما في خاصة أمره . فأما علي فهو من عصب محمد ، وهو شديد الحساسية بالموقف لهذا السبب . ثم هو شديد الحساسية بالألم والقلق اللذين يعتصران قلب محمد ، ابن عمه وكافله . فهو يشير بأن الله لم يضيق عليه . ويشير مع هذا بالتثبت من الجارية ليطمئن قلب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويستقر على قرار . وأما أسامة فيدرك ما بقلب رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الود لأهله ، والتعب لخاطر الفراق ، فيشير بما يعلمه من طهارة أم المؤمنين ، وكذب المفترين الأفاكين .

ورسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في لهفة الإنسان ، وفي قلق الإنسان ، يستمد من حديث أسامة ، ومن شهادة الجارية مددا وقوة يواجه بهما القوم في المسجد ، فيستعذر ممن نالوا عرضه ، ورموا أهله ، ورموا رجلا من فضلاء المسلمين لا يعلم أحد عليه من سوء . . فيقع بين الأوس والخزرج ما يقع من تناور - وهم في مسجد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وفي حضرة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويدل هذا على الجو الذي كان يظلل الجماعة المسلمة في هذه الفترة الغريبة ، وقد خدشت قداسة القيادة ، ويحز هذا في نفس الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] والنور الذي اعتاد أن يسعفه لا ينير له الطريق ! فإذا هو يذهب إلى عائشة نفسها يصارحها بما يقول الناس ؛ ويطلب منها هي البيان الشافي المريح !

وعندما تصل الآلام إلى ذروتها على هذا النحو يتعطف عليه ربه ، فيتنزل القرآن ببراءة عائشة الصديقةالطاهرة ؛ وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع ؛ ويكشف المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك ، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم .

ولقد قالت عائشة عن هذا القرآن الذي تنزل : " وأنا والله أعلم حينئذ أني بريئة ، وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي . ولكني والله ما كنت أظن أن ينزل الله تعالى في شأني وحيا يتلى . ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى . ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها " . .

ولكن الأمر - كما يبدو من ذلك الاستعراض - لم يكن أمر عائشة - رضي الله عنها - ولا قاصرا على شخصها . فلقد تجاوزها إلى شخص الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ووظيفته في الجماعة يومها . بل تجاوزه إلى صلته بربه ورسالته كلها . وما كان حديث الإفك رمية لعائشة وحدها ، إنما كان رمية للعقيدة في شخص نبيها وبانيها . . من أجل ذلك أنزل الله القرآن ليفصل في القضية المبتدعة ، ويرد المكيدة المدبرة ، ويتولى المعركة الدائرة ضد الإسلام ورسول الإسلام ؛ ويكشف عن الحكمة العليا وراء ذلك كله ؛ وما يعلمها إلا الله :

إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم . لا تحسبوه شرا لكم ، بل هو خير لكم . لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم . والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم .

فهم ليسوا فردا ولا أفرادا ؛ إنما هم( عصبة ) متجمعة ذات هدف واحد . ولم يكن عبد الله بن أبي بن سلول وحده هو الذي أطلق ذلك الإفك . إنما هو الذي تولى معظمه . وهو يمثل عصبة اليهود أو المنافقين ، الذين عجزوا عن حرب الإسلام جهرة ؛ فتواروا وراء ستار الإسلام ليكيدوا للإسلام خفية . وكان حديث الإفك إحدى مكائدهم القاتلة . ثم خدع فيها المسلمون فخاض منهم من خاض في حديث الإفك كحمنة بنت جحش ؛ وحسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة . أما أصل التدبير فكان عند تلك العصبة ، وعلى رأسها ابن سلول ، الحذر الماكر ، الذي لم يظهر بشخصه في المعركة . ولم يقل علانية ما يؤخذ به ، فيقاد إلى الحد . إنما كان يهمس به بين ملئه الذين يطمئن إليهم ، ولا يشهدون عليه . وكان التدبير من المهارة والخبث بحيث أمكن أن ترجف به المدينة شهرا كاملا ، وأن تتداوله الألسنة في أطهر بيئة وأتقاها !

وقد بدأ السياق ببيان تلك الحقيقة ليكشف عن ضخامة الحادث ، وعمق جذوره ، وما وراءه من عصبة تكيد للإسلام والمسلمين هذا الكيد الدقيق العميق اللئيم .

ثم سارع بتطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد :

( لا تحسبوه شرا لكم ؛ بل هو خير لكم ) . .

خير . فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأهل بيته . وهو يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله ؛ ويبين مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات . فهي عندئذ لا تقف عند حد . إنما تمضي صعدا إلى أشرف المقامات ، وتتطاول إلى أعلى الهامات ، وتعدم الجماعة كل وقاية وكل تحرج وكل حياء .

وهو خير أن يكشف الله للجماعة المسلمة - بهذه المناسبة - عن المنهج القويم في مواجهة مثل هذا الأمر العظيم .

أما الآلام التي عاناها رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأهل بيته ، والجماعة المسلمة كلها ، فهي ثمنالتجربة ، وضريبة الابتلاء ، الواجبة الأداء !

أما الذين خاضوا في الإفك ، فلكل منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة : ( لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) . . ولكل منهم نصيبه من سوء العاقبة عند الله . وبئس ما اكتسبوه ، فهو إثم يعاقبون عليه في حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى : ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم )يناسب نصيبه من ذلك الجرم العظيم .

والذي تولى كبره ، وقاد حملته ، واضطلع منه بالنصيب الأوفى ، كان هو عبد الله بن أبي بن سلول . رأس النفاق ، وحامل لواء الكيد . ولقد عرف كيف يختار مقتلا ، لولا أن الله كان من ورائه محيطا ، وكان لدينه حافظا ، ولرسوله عاصما ، وللجماعة المسلمة راعيا . . ولقد روي أنه لما مر صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين وابن سلول في ملأ من قومه قال : من هذه ? فقالوا : عائشة رضي الله عنها . . فقال : والله ما نجت منه ولا نجا منها . وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ؛ ثم جاء يقودها !

وهي قولة خبيثة راح يذيعها - عن طريق عصبة النفاق - بوسائل ملتوية . بلغ من خبثها أن تموج المدينة بالفرية التي لا تصدق ، والتي تكذبها القرائن كلها . وأن تلوكها ألسنة المسلمين غير متحرجين . وأن تصبح موضوع أحاديثهم شهرا كاملا . وهي الفرية الجديرة بأن تنفى وتستبعد للوهلة الأولى .

وإن الإنسان ليدهش - حتى اليوم - كيف أمكن أن تروج فرية ساقطة كهذه في جو الجماعة المسلمة حينذاك . وأن تحدث هذه الآثار الضخمة في جسم الجماعة ، وتسبب هذه الآلام القاسية لأطهر النفوس وأكبرها على الإطلاق .

لقد كانت معركة خاضها رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك . وخاضها الإسلام . معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وخرج منها منتصرا كاظما لآلامه الكبار ، محتفظا بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره . فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله . والآلام التي تناوشه لعلها أعظم الآلام التي مرت به في حياته . والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها في تاريخه .

ولو استشار كل مسلم قلبه يومها لأفتاه ؛ ولو عاد إلى منطق الفطرة لهداه . والقرآن الكريم يوجه المسلمين إلى هذا المنهج في مواجهة الأمور ، بوصفه أول خطوة في الحكم عليها :

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

{ 11 - 26 } { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُم } إلى آخر الآيات

وهو قوله : { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } لما ذكر فيما تقدم ، تعظيم الرمي بالزنا عموما ، صار ذلك كأنه مقدمة لهذه القصة ، التي وقعت على أشرف النساء ، أم المؤمنين رضي الله عنها ، وهذه الآيات ، نزلت في قصة الإفك المشهورة ، الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد .

وحاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلم ، في بعض غزواته ، ومعه زوجته عائشة الصديقة بنت الصديق ، فانقطع عقدها فانحبست في طلبه ورحلوا جملها وهودجها ، فلم يفقدوها ، ثم استقل الجيش راحلا ، وجاءت مكانهم ، وعلمت أنهم إذا فقدوها ، رجعوا إليها فاستمروا في مسيرهم ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ، من أفاضل الصحابة رضي الله عنه ، قد عرس في أخريات القوم ونام ، فرأى عائشة رضي الله عنها فعرفها ، فأناخ راحلته ، فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه ، ثم جاء يقود بها بعد ما نزل الجيش في الظهيرة ، فلما رأى بعض المنافقين الذين في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه الحال ، أشاع ما أشاع ، ووشى الحديث ، وتلقفته الألسن ، حتى اغتر بذلك بعض المؤمنين ، وصاروا يتناقلون هذا الكلام ، وانحبس الوحي مدة طويلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم . وبلغ الخبر عائشة بعد ذلك بمدة ، فحزنت حزنا شديدا ، فأنزل الله تعالى براءتها في هذه الآيات ، ووعظ الله المؤمنين ، وأعظم ذلك ، ووصاهم بالوصايا النافعة . فقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ } أي : الكذب الشنيع ، وهو رمي أم المؤمنين { عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } أي : جماعة منتسبون إليكم يا معشر المؤمنين ، منهم المؤمن الصادق [ في إيمانه ولكنه اغتر بترويج المنافقين ]{[559]}  ومنهم المنافق .

{ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } لما تضمن ذلك تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها ، والتنويه بذكرها ، حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها العباد ، التي ما زال العمل بها إلى يوم القيامة ، فكل هذا خير عظيم ، لولا مقالة أهل الإفك لم يحصل ذلك ، وإذا أراد الله أمرا جعل له سببا ، ولذلك جعل الخطاب عاما مع المؤمنين كلهم ، وأخبر أن قدح بعضهم ببعض كقدح في أنفسهم ، ففيه أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، واجتماعهم على مصالحهم ، كالجسد الواحد ، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، فكما أنه يكره أن يقدح أحد في عرضه ، فليكره من كل أحد ، أن يقدح في أخيه المؤمن ، الذي بمنزلة نفسه ، وما لم يصل العبد إلى هذه الحالة ، فإنه من نقص إيمانه وعدم نصحه .

{ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ } وهذا وعيد للذين جاءوا بالإفك ، وأنهم سيعاقبون على ما قالوا من ذلك ، وقد حد النبي صلى الله عليه وسلم منهم جماعة ، { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ } أي : معظم الإفك ، وهو المنافق الخبيث ، عبد الله بن أبي بن سلول -لعنه الله- { لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ألا وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار .


[559]:- زيادة من هامش: ب.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

فيه ثمان وعشرون مسألة{[11815]} :

الأولى-قوله تعالى : " إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم " " عصبة " خبر " إن " . ويجوز نصبها على الحال ، ويكون الخبر " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم " . وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة رضوان الله عليها ، وهو خبر صحيح مشهور ، أغنى اشتهاره عن ذكره ، وسيأتي مختصرا . وأخرجه البخاري تعليقا ، وحديثه أتم . قال : وقال أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، وأخرجه أيضا عن محمد بن كثير عن أخيه سليمان من حديث مسروق عن أم رومان أم عائشة أنها قالت : لما رميت عائشة خرت مغشيا عليها . وعن موسى بن إسماعيل من حديث أبي وائل قال : حدثني مسروق بن الأجدع قال حدثتني أم رومان وهي أم عائشة قالت : بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار فقالت : فعل الله بفلان وفعل بفلان فقالت أم رومان : وما ذاك ؟ قالت ابني فيمن حدّث الحديث قالت : وما ذاك ؟ قالت كذا وكذا . قالت عائشة : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت نعم . قالت : وأبو بكر ؟ قالت نعم فخرت مغشيا عليها ، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض{[11816]} فطرحت عليها ثيابها فغطيتها فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما شأن هذه ؟ ) فقلت : يا رسول الله ، أخذتها الحمى بنافض . قال : ( فلعل في حديث تُحُدِّث به ) قالت : نعم . فقعدت عائشة فقالت : والله ، لئن حلفت لا تصدقوني ولئن قلت لا تعذروني مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه{[11817]} والله المستعان على ما تصفون . قالت : وانصرف ولم يقل شيئا فأنزل الله عذرها . قالت : بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك . قال أبو عبد الله الحميدي : كان بعض من لقينا من الحفاظ البغداديين يقول الإرسال في هذا الحديث أبين ، واستدل على ذلك بأن أم رومان توفيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسروق لم يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف . وللبخاري من حديث عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة كانت تقرأ " إذ تلقونه بألسنتكم " وتقول : الولق الكذب . قال ابن أبي مليكة : وكانت أعلم بذلك{[11818]} من غيرها لأنه نزل فيها . قال البخاري : وقال معمر{[11819]} بن راشد عن الزهري : كان حديث الإفك في غزوة المريسيع . قال ابن إسحاق : وذلك سنة ست . وقال موسى بن عقبة : سنة أربع . وأخرج البخاري من حديث معمر عن الزهري قال : قال لي الوليد بن عبد الملك : أبلغك أن عليا كان فيمن قذف ؟ قال : قلت : لا ، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبدالرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عائشة قالت لهما : كان عليٌّ مُسَلَِّمًا{[11820]} في شأنها . وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في كتابه المخرج على الصحيح من وجه آخر من حديث معمر عن الزهري ، وفيه : قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال : الذي تولى كبره منهم علي بن أبي طالب ؟ فقلت : لا ، حدثني سعيد بن المسيب وعروة وعلقمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلهم يقول سمعت عائشة تقول : والذي تولى كبره : عبدالله بن أبي[ بن سلول ]{[11821]} . وأخرج{[11822]} البخاري أيضا من حديث الزهري عن عروة عن عائشة : والذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي .

الثانية-قوله تعالى : " بالإفك " الإفك الكذب . والعصبة ثلاثة رجال ، قاله ابن عباس . وعنه أيضا من الثلاثة إلى العشرة . ابن عيينة : أربعون رجلا . مجاهد : من عشرة إلى خمسة عشر . وأصلها في اللغة وكلام العرب الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض . والخير حقيقته ما زاد نفعه على ضره . والشر ما زاد ضره على نفعه . وإن خيرا لا شر فيه هو الجنة . وشرا لا خير فيه هو جهنم . فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير ؛ لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا ، وخيره هو الثواب الكثير في الأخرى . فنبه الله تعالى عائشة وأهلها وصفوان ، إذ الخطاب لهم في قوله " لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم " ؛ لرجحان النفع والخير على جانب الشر .

الثالثة-لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة معه في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع ، وقفل ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل قامت حين آذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش ، فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرحل فلمست صدرها ، فإذا عقد من جزع ظفار{[11823]} قد انقطع ، فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه ، فوجدته وانصرفت فلما لم تجد أحدا ، وكانت شابة قليلة اللحم ، فرفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه ، فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع إليها ، فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة . وقيل : إنها استيقظت لاسترجاعه ، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة ، وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة ، فوقع أهل الإفك في مقالتهم ، وكان الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه{[11824]} ويشعله عبد الله بن أبي بن سلول المنافق ، وهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة فقال : والله ما نجت منه ولا نجا منها ، وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل . وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش . هذا اختصار الحديث ، وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم ، وهو في مسلم أكمل . ولما بلغ صفوان قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال :

تلقَّ ذُبَابَ السيف عني فإنني *** غلامٌ إذا هُوجِيت ليس بشاعر

فأخذ جماعة حسان ولبَّبُوه{[11825]} وجاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح حسان واستوهبه إياه . وهذا يدل على أن حسان ممن تولى الكبر ، على ما يأتي والله أعلم . وكان صفوان هذا صاحبَ ساقَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته ، وكان من خيار الصحابة[ رضي الله عنهم ]{[11826]} . وقيل : كان حصورا لا يأتي النساء ، ذكره ابن إسحاق من طريق عائشة . وقيل : كان له ابنان ، يدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ابنيه : ( لهما أشبه به من الغراب بالغراب ) . وقوله في الحديث : والله ما كشف كنف أنثى قط ، يريد بزنى . وقتل شهيدا رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر ، وقيل : ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمان معاوية .

الرابعة-قوله تعالى : " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم " يعني ممن تكلم بالإفك . ولم يسم من أهل الإفك إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله ، وجهل الغير ، قاله عروة بن الزبير ، وقد سأله عن ذلك عبدالملك بن مروان ، وقال : إلا أنهم كانوا عصبة ، كما قال الله تعالى . وفي مصحف حفصة " عصبة{[11827]} أربعة " .

الخامسة-قوله تعالى : " والذي تولى كبره منهم " وقرأ حميد الأعرج ويعقوب " كُبره " بضم الكاف . قال الفراء : وهو وجه جيد ؛ لأن العرب تقول : فلان تولى عظم كذا وكذا ؛ أي أكبره . روي عن عائشة أنه حسان ، وأنها قالت حين عمي : لعل العذاب العظيم الذي أوعده الله به ذهاب بصره ، رواه عنها مسروق . وروي عنها أنه عبد الله بن أبي ، وهو الصحيح ، وقال ابن عباس . وحكى أبو عمر بن عبدالبر أن عائشة برأت حسان من الفرية ، وقالت : إنه لم يقل شيئا . وقد أنكر حسان أن يكون قال شيئا من ذلك في قوله :

حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ *** وتصبحُ غَرْثَى من لحومِ الغَوَافِلِ{[11828]}

حليلةُ خير الناس ديناً ومنصباً *** نبيِّ الهدى والمكرمات الفواضلِ

عقيلةُ حيٍّ من لؤيِّ بن غالب *** كرام المساعي مجدُها غيرُ زائل

مهذبةٌ قد طيب الله خِيمَها{[11829]} *** وطهَّرَهَا من كل شَيْنٍ وباطل

فإن كان ما بلغت أني قلته *** فلا رفعت سوطي إلي أناملي

فكيف ووُدِّي ما حييت ونصرتي *** لآل رسول الله زينِ المحافلِ

له رُتَبٌ عالٍ على الناس فضلها *** تَقَاصَرُ عنها سَوْرَةُ المتطاولِ

وقد روي أنه لما أنشدها : حصان رزان ، قالت له : لست كذلك ، تريد أنك وقعت في الغوافل . وهذا تعارض ، ويمكن الجمع بأن يقال : إن حسانا لم يقل ذلك نصا وتصريحا ، ويكون عرض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه ، والله أعلم .

وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا ؟ وهل جلد الحد أم لا ؟ فالله أعلم أي ذلك كان ، وهي المسألة :

السادسة- فروى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة : مسطحا وحسان وحمنة ، وذكره الترمذي وذكر القشيري عن ابن عباس قال : جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي ثمانين جلدة ، وله في الآخرة عذاب النار . قال القشيري : والذي ثبت في الأخبار أنه ضرب ابن أبي وضرب حسان وحمنة ، وأما مسطح فلم يثبت عنه قذف صريح ، ولكنه كان يسمع ويشيع من غير تصريح . قال الماوردي{[11830]} وغيره : اختلفوا هل حد النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الإفك ، على قولين : أحدهما أنه لم يحد أحدا من أصحاب الإفك ؛ لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو ببينة ، ولم يتعبده الله أن يقيمها بإخباره عنها ، كما لم يتعبده بقتل المنافقين ، وقد أخبره بكفرهم .

قلت : وهذا فاسد مخالف لنص القرآن ، فإن الله عز وجل يقول : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " أي على صدق قولهم : " فاجلدوهم ثمانين جلدة " . والقول الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم حد أهل الإفك عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ، وفي ذلك قال شاعر من المسلمين :

لقد ذاق حسان الذي كان أهلَه *** وحَمْنَة إذ قالوا هجيراً ومسطحُ

وابن سلول ذاق في الحد خِزْيَةً *** كما خاض في إفك من القول يفصح

تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم *** وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا{[11831]}

وآذوا رسول الله فيها فجلدوا *** مخازي تبقى عمموها وفضحوا

فصب عليهم مُحْصَدَات كأنها *** شآبيبُ قطر من ذُرَى المُزْنِ تسفحُ

قلت : المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حد حسان ومسطح وحمنة ، ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي . روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزل عذري قام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك ، وتلا القرآن ، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم ، وسماهم : حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش . وفي كتاب الطحاوي " ثمانين ثمانين " . قال علماؤنا . وإنما لم يحد عبد{[11832]}الله بن أبي ؛ لأن الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما ، فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة رضي الله عنها وبكذب كل من رماها ، فقد حصلت فائدة الحد ؛ إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف ، كما قال الله تعالى : " فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون " . وإنما حد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحدود ( إنها كفارة لمن أقيمت عليه ) ، كما في حديث عبادة بن الصامت . ويحتمل أن يقال : إنما ترك حد ابن أبي استئلافا لقومه واحتراما لابنه ، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك ، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه ، كما في صحيح مسلم . والله أعلم .


[11815]:يلاحظ أن المسائل سبع وعشرون في جميع الأصول.
[11816]:أي برعشة.
[11817]:إذ قال في محنته: والله المستعان...إلخ.
[11818]:أي بالذي قرأت به.
[11819]:الذي في لبخاري "النعمان بن راشد".
[11820]:قوله "مسلما" بكسر اللام المشددة من التسليم؛ أي ساكتا في شأنها. وقيل: بفتح اللام، من السلامة من الخوض فيه.
[11821]:من ك.
[11822]:في ك: وأخرجه.
[11823]:الجزع (بفتح الجيم وسكون الزاي): خرز معروف في سواده بياض كالعروق. وظفار (كخضار): مدينة باليمن.
[11824]:يستوشيه: يستخرجه بالبحث والمسألة ثم يفشيه ويشيعه ويحركه.
[11825]:لبب فلان فلانا: أخذ بتلبيبه، أي: جمع ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ثم جره.
[11826]:من ك.
[11827]:في ك: عصيبة بالتصغير.
[11828]:الحصان: العفيفة. ورزان: ذات ثياب ووقار وعفاف. وغرثى: جائعة. ما تزن: ما تتهم. الغوافل: جمع غافلة؛ أي: لا ترتع في أعراض الناس.
[11829]:الخيم(بالكسر): الشيمة والطبيعة والخلق والأصل.
[11830]:في ك و ط: السابعة قال الماوردي....إلخ.
[11831]:أي جاءوا بأمر مفرط في الإثم.
[11832]:في ك: عدو الله.