وإذا كان الله هو الذي يبسط الرزق ويقبضه ؛ وهو الذي يعطي ويمنع وفق مشيئته ؛ فهو يبين للناس الطريق الذي تربو أموالهم فيه وتربح . لا كما يظنون هم ، بل كما يهديهم الله :
فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل . ذلك خير للذين يريدون وجه الله ؛ وأولئك هم المفلحون . وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ؛ و ما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون . .
وما دام المال مال الله ، أعطاه رزقا لبعض عباده ، فالله صاحب المال الأول قد قرر قسما منه لفئات من عباده ، يؤديها إليهم من يضع يده على ذلك المال . ومن ثم سماها حقا . ويذكر هنا من هذه الفئات ( ذا القربى والمسكين وابن السبيل ) . ولم تكن الزكاة بعد قد حددت ولا مستحقوها قد حصروا . ولكن المبدأ كان قد تقرر . مبدأ أن المال مال الله ، بما أنه هو الرازق به ، وأن لفئات من المحتاجين حقا فيه مقررا لهم من صاحب المال الحقيقي ، يصل إليهم عن طريق واضع اليد على هذا المال . . . وهذا هو أساس النظرية الإسلامية في المال . وإلى هذا الأساس ترجع جميع التفريعات في النظرية الاقتصادية للإسلام . فما دام المال مال الله ، فهو خاضع إذن لكل ما يقرره الله بشأنه بوصفه المالك الأول ، سواء في طريقة تملكه أو في طريقة تنميته ، أو في طريقة إنفاقه . وليس واضع اليد حرا في أن يفعل به ما يشاء .
وهو هنا يوجه أصحاب المال الذين اختارهم ليكونوا أمناء عليه إلى خير الطرق للتنمية والفلاح . وهي إيتاء ذي القربى والمسكين وابن السبيل ، والإنفاق بصفة عامة في سبيل الله : ( ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون ) . .
{ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون( 38 )وما ءاتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما ءاتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون( 39 )الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذالكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون( 40 ) }
والمسكين : المعدم الذي لا مال له أو له شيء لا يقوم بكفايته .
وابن السبيل : المسافر المحتاج على نفقة سفره .
يريدون وجه الله : يقصدونه بمعروفهم خالصا .
{ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون . }
أعط أيها النبي الكريم ومن تبعك من المؤمنين ، القرابة حقوقهم من الصلة والعطف عليهم ومساعدتهم وقد حكى عن أبي حنيفة أنه استدل بهذه الآية على وجوب النفقة على كل ذي رحم محرم .
والسورة مكية ، لكنها تحدثت عن وجوب الإنفاق على فئات من الفقراء والمحتاجين ثم فصلت الزكاة وحددت مصارفها في المدينة ، وقد بين القرآن أن المال مال الله وأن العبد مستخلف عن الله في هذا المال لذلك يجب أن يؤدي حقوق الله فيه ومن هذه الحقوق : الزكاة والصدقة وصلة الرحم ورعاية المسكين وابن السبيل وكفالة اليتيم وتمكين العاجز عن العمل من مهنة يتكسب منها .
قالت خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم ، عندما نزل عليه الوحي لأول مرة : إنك لتصل الرحم وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الزمان والله لا يخزيك الله أبدا . xii
تلك هي أخلاق الإسلام في المؤاخاة والتكافل والتراحم والتعاون .
{ فآت ذا القربى حقه . . . . } أي من البر والصلة واستدل به أبو حنيفة- رحمه الله على وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب لأن فآت أمر للوجوب .
والظاهر من «الحق » أنه مالي وهو استدلال متين .
{ والمسكين } وهو الذي لا شيء له ينفق عليه أو له شيء لا يقوم بكفايته .
{ وابن السبيل } : أي السائل في الطريق والذي انقطع به الطريق فلا يستطيع مواصلة السفر .
وحقهما هو نصيبهما من الصدقة والمواساة . xiii
واختلف في هذه الآية فقيل : إنها منسوخة بآية المواريث وقيل : لا نسخ بل للقريب حق لازم في البر على كل حال وهو الصحيح وقال مجاهد وقتادة : صلة الرحم فرض من الله عز وجل حتى قال مجاهد : لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاج . أه .
{ ذلك خير للذين يريدون وجه الله . . . . } أي : هذه النفقة والرعاية والعطف والمواساة ، خير وفضل لمن أنفق عليهم وأعطاهم المال والرعاية ابتغاء ثواب الله وفضله ، أو أملا في النظر إليه يوم القيامة .
{ وأولئك هم المفلحون } الفائزون في الدنيا والآخرة .
وكون هذا الإعطاء خيرا لأنه سبب التكافل والتعاون بين المسلمين ، وفي التعاون والتكافل قوة وتوادد وتراحم وتآزر وتخلص من أمراض الفقر والتمزق والحقد والحسد .
{ فَئَاتِ ذَا القربى حَقَّهُ } من الصلة والصدقة وسائر المبرات { والمساكين وابن السبيل } ما يستحقانه ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على أنه عليه الصلاة والسلام المقصود أصالة وغيره من المؤمنين تبعاً ، وقال الحسن هو خطاب لكل سامع ، وجوز غير واحد أن يكون لمن بسط له الرزق ، ووجه تعلق هذا الأمر بما قبله واقترانه بالفاء على ما ذكره الزمخشري أنه تعالى لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك ، وحاصله على ما في الكشف أن امتثال أوامره تعالى مجلبة رضاه والحياة الطيبة تتبعه كما أن عصيانه سبحانه مجلبة سخطه والجدب والضيقة من روادفه فإذا استبان ذلك فآت يا محمد ومن تبعه أو فآت يا من بسط له الرزق ذا القربى حقه الخ ، وذكر الإمام وجهاً آخر مبنياً على أن الأمر متفرع على حديث البسط والقدر وهو أنه تعالى لما بين أنه سبحانه يبسط ويقدر أمر جل وعلا بالاتفاق إيذاناً بأنه لا ينبغي أن يتوقف الإنسان في الإحسان فإن الله تعالى إذا بسط الرزق لا ينقص بالإنفاق وإذا قدر لا يزداد بالإمساك كما قيل :
إذ جادت الدنيا عليك فجد بها *** على الناس طرا إنها تتقلب
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت *** ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب
قال صاحب الكشف روح الله تعالى روحه : إن ما ذكره الزمخشري أوفق لتأليف النظم الجليل فإن قوله تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق } [ الروم : 7 3 ] لتتميم الإنكار على فرح بالنعمة عن شكر المنعم ويئس عند زوالها عنه ، والظاهر على ما ذكره الإمام أن المراد بالحق الحق المالي وكذا المراد به في جانب المسكين وابن السبيل ، وحمل ذلك بعضهم على الزكاة المفروضة . وتعقب بأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت بالمدينة واستثناء هذه الآية ودعوى أنها مدنية يحتاج إلى نقل صحيح ، وسبق النزول على الحكم بعيد ولذا لم يذكر هنا بقية الأصناف ، وحكى أن أبا حنيفة استدل بالآية على وجوب النفقة لكل ذي رحم محرم ذكراً كان أو أنثى إذا كان فقيراً أو عاجزاً عن الكسب ، ووجه بأن { آت } أمر للوجوب ، والظاهر من الحق بقرينة ما قبله انه مالي ولو كان المراد الزكاة لم يقدم حق القربى إذ الظاهر من تقديمه المغايرة ، والشافعية أنكروا وجوب النفقة على من ذكر وقالوا : لا نفقة بالقرابة إلا على الولد والوالدين على ما بين في الفقه ، والمراد بالحق المصرح به في ذي القربي صلة الرحم بأنواعها وبالحق المعتبر في جانب المسكين وابن السبيل صدقة كانت مفروضة قبل فرض الزكاة أو الزكاة المفروضة والآية مدنية أو مكية والنزول سابق على الحكم .
واعترض على هذا بأنه إذا فسر حق الآخرين بالزكاة وجب تفسير الأول بالنفقة الواجبة لئلا يكون لفظ الأمر للوجوب والندب ، ولذا استدل أبو حنيفة عليه الرحمة بالآية على ما تقدم ، وفيه بحث .
وقال بعض أجلة الشافعية راداً على الاستدلال : إنه كيف يتم مع احتمال أن يكون الأمر بإيتاء الصدقة أيضاً بدليل ما تلاه ، ثم إن { وَءاتِ ذَا القربى } مجمل عند المستدل ومن أين له أنه بين بذي الرحم المحرم ، وكذلك قوله تعالى : { حَقَّهُ } ثم قال : والحق أنه أمر بتوفير حقه من الصلة لا خصوص النفقة وصلة الرحمن من الواجبات المؤكدة انتهى ، والحق أحق بالاتباع ، ودليل الإمام عليه الرحمة ليس هذا وحده كما لا يخفى على علماء مذهبه .
وخص بعض الخطاب به صلى الله عليه وسلم وقال : المراد بذي القربى بنو هاشم وبنو المطلب أمر صلى الله عليه وسلم أن يؤتيهم حقهم من الغنيمة والفيء ، وفي مجمع البيان للطبرسي من الشيعة المعنى وآت يا محمد ذوي قرابتك حقوقهم التي جعلها الله تعالى لهم من الأخماس . وروي أبو سعيد الخدري . وغيره أنه لما نزلت هذه الآية أعطى عليه الصلاة والسلام فاطمة رضي الله تعالى عنها فدكا وسلمه إليها ، وهو المروى عن أبي جعفر . وأبي عبد الله انتهى ، وفيه أن هذا ينافي ما اشتهر عند الطائفتين من أنها رضي الله تعالى عنها ادعت فدكا بطريق الارث ، وزعم بعضهم أنها ادعت الهبة وأتت على ذلك بعلي والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم وبأم أيمن رضي الله تعالى عنها فلم يقبل منها لمكان الزوجية والبنوة وعدم كفاية المرأة الواحدة في الشهادة في هذا الباب فادعت الارث فكان ما كان وهذا البحث مذكور على أتم وجه في التحفة ان أردته فارجع إليه ، وخص بعضهم { ابن السبيل } بالضيف وحقه بالإحسان إليه إلى أن يرتحل والمشهور أنه المنقطع عن ماله وبين المعنيين عموم من وجه ، وقدم ذو القربى اعتناء بشأنه وهو السر في تقديم المفعول الثاني على العطف والعدول عن وآت ذا القربى والمسكين وابن السبيل حقهم ، وعبر عن القريب بذي القربى في جميع المواضع ولم يعبر عن المسكين بذي المسكنة لأن القرابة ثابتة لا تتجدد وذو كذا لا يقال في الأغلب إلا في الثابت ألا ترى أنهم يقولون لمن تكرر منه الرأي الصائب فلان ذو رأي ويكاد لا تسمعهم يقولون لمن أصاب مرة في رأيه كذلك وكذا نظائر ذلك من قولهم : فلان ذو جاه . وفلان ذو إقدام ، والمسكنة لكونها مما تطرأ وتزول لم يقل في المسكين ذو مسكنة كذا قال الإمام : { ذلك } أي الإيتاء المفهوم من الأمر { خَيْرٌ } في نفسه أو خير من غيره { لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله } أي ذاته سبحانه أي يقصدونه عز وجل بمعروفهم خالصاً أو جهته تعالى أي يقصدون جهة التقرب إليه سبحانه لا جهة أخرى والمعنيان كما في الكشف متقاربان ولكن الطريقة مختلفة .
{ وَأُوْلئِكَ } المتصفون بالإيتاء { هُمُ المفلحون } حيث حصلوا بإنفاق ما يفنى النعيم المقيم ، والحصر إضافي على ما قيل : أي أولئك هم المفلحون لا الذين بخلوا بما لهم ولم ينفقوا منه شيئاً .
وقيل : هو حقيقي على أن المتصفين بالإيتاء المذكور هم الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وأنابوا إليه تعالى واتقوه عز وجل فلا منافاة بين هذا الحصر والحصر المذكور في أول سورة البقرة فتأمل .