سورة الأعلى مكية وآياتها تسع عشرة
في رواية للإمام أحمد عن الإمام علي - كرم الله وجهه - أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كان يحب هذه السورة : ( سبح اسم ربك الأعلى ) . . وفي صحيح مسلم أنه كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى ، و( هل أتاك حديث الغاشية ) . وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما . .
وحق لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يحب هذه السورة وهي تحيل له الكون كله معبدا تتجاوب أرجاؤه بتسبيح ربه الأعلى وتمجيده ، ومعرضا يحفل بموحيات التسبيح والتحميد : ( سبح اسم ربك الأعلى . الذي خلق فسوى . والذي قدر فهدى . والذي أخرج المرعى . فجعله غثاء أحوى ) . . وإيقاع السورة الرخي المديد يلقي ظلال التسبيح ذي الصدى البعيد . .
وحق له [ صلى الله عليه وسلم ] أن يحبها ، وهي تحمل له من البشريات أمرا عظيما . وربه يقول له ، وهو يكلفه التبليغ والتذكير : ( سنقرئك فلا تنسى - إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى - ونيسرك لليسرى . فذكر إن نفعت الذكرى ) . . وفيها يتكفل له ربه بحفظ قلبه لهذا القرآن ، ورفع هذه الكلفة عن عاتقه . ويعده أن ييسره لليسرى في كل أموره وأمور هذه الدعوة . وهو أمر عظيم جدا .
وحق له [ صلى الله عليه وسلم ] أن يحبها ، وهي تتضمن الثابت من قواعد التصور الإيماني : من توحيد الرب الخالق وإثبات الوحي الإلهي ، وتقرير الجزاء في الآخرة . وهي مقومات العقيدة الأولى . ثم تصل هذه العقيدة بأصولها البعيدة ، وجذورها الضاربة في شعاب الزمان : ( إن هذا لفي الصحف الأولى . صحف إبراهيم وموسى ) . . فوق ما تصوره من طبيعة هذه العقيدة ، وطبيعة الرسول الذي يبلغها والأمة التي تحملها . . طبيعة اليسر والسماحة . .
وكل واحدة من هذه تحتها موحيات شتى ؛ ووراءها مجالات بعيدة المدى . .
( سبح اسم ربك الأعلى . الذي خلق فسوى . والذي قدر فهدى . والذي أخرج المرعى . فجعله غثاء أحوى ) . .
إن هذا الافتتاح ، بهذا المطلع الرخي المديد ، ليطلق في الجو ابتداء أصداء التسبيح ، إلى جانب معنى التسبيح . وإن هذه الصفات التي تلي الأمر بالتسبيح : ( الأعلى الذي خلق فسوى . والذي قدر فهدى . والذي أخرج المرعى . فجعله غثاء أحوى ) . . لتحيل الوجود كله معبدا يتجاوب جنباته بتلك الأصداء ؛ ومعرضا تتجلى فيه آثار الصانع المبدع : ( الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ) . .
والتسبيح هو التمجيد والتنزيه واستحضار معاني الصفات الحسنى لله ، والحياة بين إشعاعاتها وفيوضاتها وإشراقاتها ومذاقاتها الوجدانية بالقلب والشعور . وليست هي مجرد ترديد لفظ : سبحان الله ! . . و( سبح اسم ربك الأعلى ) . . تطلق في الوجدان معنى وحالة يصعب تحديدها باللفظ ، ولكنها تتذوق بالوجدان . وتوحي بالحياة مع الإشراقات المنبثقة من استحضار معاني الصفات .
والصفة الأولى القريبة في هذا النص هي صفة الرب . وصفة الأعلى . . والرب : المربي والراعي ، وظلال هذه الصفة الحانية مما يتناسق مع جو السورة وبشرياتها وإيقاعاتها الرخية . . وصفة الأعلى تطلق التطلع إلى الآفاق التي لا تتناهى ؛ وتطلق الروح لتسبح وتسبح إلى غير مدى . . وتتناسق مع التمجيد والتنزيه ، وهو في صميمه الشعور بصفة الأعلى . .
والخطاب هنا لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ابتداء . وهذا الأمر صادر إليه من ربه . بهذه الصيغة : ( سبح اسم ربك الأعلى ) . . وفيه من التلطف والإيناس ما يجل عن التعبير . وقد كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقرأ هذا الأمر ، ثم يعقب عليه بالاستجابة المباشرة ، قبل أن يمضي في آيات السورة ، يقول : " سبحان ربي الأعلى " . . فهو خطاب ورده . وأمر وطاعته . وإيناس ومجاوبته . . إنه في حضرة ربه ، يتلقى مباشرة ويستجيب . في أنس وفي اتصال قريب . . وحينما نزلت هذه الآية قال : " اجعلوها في سجودكم " . وحينما نزلت قبلها : ( فسبح باسم ربك العظيم ) . . قال : " اجعلوها في ركوعكم " . . فهذا التسبيح في الركوع والسجود كلمة حية ألحقت بالصلاة وهي دافئة بالحياة . لتكون استجابة مباشرة لأمر مباشر . أو بتعبير أدق . . لإذن مباشر . . فإذن الله لعباده بأن يحمدوه ويسبحوه إحدى نعمه عليهم وأفضاله . إنه إذن بالاتصال به - سبحانه - في صورة مقربة إلى مدارك البشر المحدودة . صورة تفضل الله عليهم بها ليعرفهم ذاته . في صفاته . في الحدود التي يملكون أن يتطلعوا إليها . وكل إذن للعباد بالاتصال بالله في أية صورة من صور الاتصال ، هو مكرمة له وفضل على العباد .
( سورة الأعلى مكية ، وآياتها 19 آية ، نزلت بعد سورة التكوير )
وهي أنشودة سماوية فيها تسبيح بحمد الله ، وبيان دلائل قدرته ، وإثبات الوحي الإلهي ، وتقرير الجزاء في الآخرة . وبيان الوحدة بين الرسالات السماوية ، واشتمال الرسالة المحمدية على اليسر والسماحة ، وكل واحدة من هذه تحتها موحيات شتى ووراءها مجالات بعيدة المدى .
وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح ربك الأعلى ، وهل أتاك حديث الغاشية ، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهماi .
وفي رواية للإمام أحمد ، عن الإمام علي رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب هذه السورة : سبّح اسم ربك الأعلىii .
1-5- سبّح اسم ربك الأعلى* الذي خلق فسوّى* والذي قدّر فهدى* والذي أخرج المرعى* فجعله غثاء أحوى .
التسبيح هو التمجيد والتنزيه ، واستحضار معاني الصفات الحسنى لله ، والحياة بين إشاعاتها وفيوضاتها ، وإشراقاتها ومذاقاتها الوجدانية بالقلب والشعور .
يقول الإمام محمد عبده : واسم الله هو ما يمكن لأذهاننا أن تتوجه إليه به ، والله يأمرنا بتسبيح هذا الإسم ، أي تنزيهه عن أن يكون فيه ما لا يليق به من شبه المخلوقات أو ظهوره في واحد منها بعينه ، أو اتخاذه شريكا أو ولدا أو ما ينحو هذا النحو ، فلا نوجه عقولنا إليه إلا بأنه خالق كل شيء ، المحيط علمه بدقائق الموجوداتiii .
والخطاب في السورة موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيه من التلطف والإيناس ما يجلّ عن التعبير ، وقد كان صلى الله عليه وسلم ينفذ هذا الأمر فور صدوره .
وحينما نزل قوله تعالى : فسبّح باسم ربك العظيم . ( الواقعة : 74 ) . قال صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوها في ركوعكم ) ، أي قولوا في الركوع : سبحان الله العظيم ، ولما نزل قوله تعالى : سبّح اسم ربك الأعلى . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوها في سجودكم )iv ، أي قولوا في السجود ، سبحان ربي الأعلى .
الذي خلق فسوّى . الذي خلق كل شيء فسواه وأكمل صنعته ، وبلغ به غاية الكمال الذي يناسبه بلا تفاوت ولا اضطراب ، كما تراه يظهر لك في خلق السماوات والأرض .
والذي قدّر فهدى . أي : قدر لكل حي ما يصلحه مدة بقائه ، وهداه إليه وعرّفه وجه الانتفاع بما فيه منفعة له ، ووجه الهرب مما يخشى غائلته .
( وكل شيء في الوجود سويّ في صنعته ، كامل في خلقته ، معه لأداء وظيفته ، مقدر له غاية وجوده ، وهو ميسر لتحقيق هذه الغاية من أيسر طريق ، وجميع الأشياء مجتمعة كاملة التنسيق ميسرة ، لكي تؤدي في تجمعها دورها الجماعي ، مثلما هي ميسرة فرادى لكي تؤدي دورها الفردي )v .
جاء في كتاب ( العلم يدعو إلى الإيمان ) ما يأتي :
إن الطيور لها غريزة العودة إلى الوطن ، فعصفور الهزار الذي عشش ببابك جنوبا في الخريف ، ولكنه يعود إلى عشه في الربيع التالي ، وفي شهر سبتمبر تطير أسراب من معظم الطيور إلى الجنوب ، وقد تقطع في الغالب نحو ألف ميل فوق أرض البحار ، ولكنها لا تضل طريقها ، والنحلة تجد خليتها مهما طمست الريح في هبوبها على الأعشاب والأشجار كل دليل يرى ، وأنت إذا تركت حصانك العجوز وحده فإنه يلزم الطريق مهما اشتدت ظلمة الليل ، وهو يقدر أن يرى ولو في غير وضوح ، والبومة تستطيع أن ترى الفأر الدافئ اللطيف وهو يجري على العشب البارد مهما كانت ظلمة الليل ، ونحن نقلب الليل نهارا بإحداث إشعاع في تلك المجموعة التي نسميها الضوء .
( والكلب بما أوتي من أنف فضولي ، يستطيع أن يحس الحيوان الذي مر ) . vi .
وسمك ( السلمون ) يمضي سنوات في البحر ، ثم يعود إلى نهره الخاص به ، والأكثر من ذلك أنه يصعد إلى جانب النهر الذي يصب عنده النهير الذي ولد فيه . . فما الذي يجعل السمك يرجع إلى مكان مولده بهذا التحديد ؟
إنه الله : الذي خلق فسوّى* والذي قدّر فهدى .
وقد سجل البشر كثيرا من إبداع الخلقة ، في عوالم النبات والحشرات والطيور والحيوان ، في هذا الوجود المشهود الذي لا نعرف عنه إلا أقل القليل ، ووراءه عالم الغيب بما فيه من كمال وجلال ، فسبحان الله الخلاّق العظيم .
والذي أخرج المرعى . والمرعى كل نبات ، وما من نبات إلا وهو صالح لخلق من خلق الله ، فهو هنا أشمل مما نعهده من مرعى أنعامنا ، فالله خلق هذه الأرض ، وقدّر فيها أقواتها لكل حيّ يدب فوق ظهرها أو يختبئ في جوفها ، أو يطير في جوها ، والنبات يتحايل على استخدام وكلاء لمواصلة وجوده ، دون رغبة من جانبهم ، كالحشرات التي تحمل اللقح من زهرة إلى أخرى ، والرياح ، وكل شيء يطير أو يمشي ، ليوزع بدوره .
فجعله غثاء أحوى . والغثاء : الهشيم ، أو الهالك البالي ، والأحوى : الذي يميل لونه إلى السواد ، فهو سبحانه قد أحكم كل شيء خلقه ، ما يبقى وما يفنى .
( فنحن مأمورون أن نعرف الله جل شأنه ، بأنه القادر العالم الحكيم ، الذي شهدت بصفاته هذه آثاره في خلقه ، التي ذكرها في وصف نفسه في قوله : الذي خلق فسوّى . . . إلخ . وألا ندخل في هذه الصفات معنى مما لا يليق به ، كما أدخل الملحدون الذين اتخذوا من دونه شكاء أو عرّفوه بما يشبه خلقه ، وإنما توجه إلينا الأمر بتسبيح الاسم دون تسبيح الذات ، ليرشدنا إلى أن مبلغ جهدنا ، ومنتهى ما تصل إليه عقولنا ، أن نعرف الصفات بما يدل عليها ، أما الذات فهي أعلى وأرفع من أن تتوجه عقولنا إليها إلا بما نلحظ من هذه الصفات التي تقوم عليها الدلائل ، وترشد إليها الآيات ، لهذه أمرنا ، بتسبيح اسمه تكليفا لنا بما يسعه طوقنا ، والله أعلم )vii .
6 ، 7- سنقرئك فلا تنسى* إلا ما شاء الله . . .
سننزل عليك كتابا تقرؤه ، ولا تنسى منه شيئا بعد نزوله عليك .
وهي بشرى للنبي صلى الله عليه وسلم ، تريحه وتطمئنه على هذا القرآن العظيم الجميل الحبيب إلى قلبه ، الذي كان يندفع بعاطفة الحب له ، وبشعور الحرص عليه ، وبإحساس التبعة العظمى فيه ، إلى ترديده آية آية وراء جبريل ، وتحريك لسانه به خيفة أن ينسى حرفا منه ، حتى جاءته هذه البشائر المطمئنة بأن ربه سيتكفل بهذا الأمر عنه .
إلا ما شاء الله . . . أن تنساه بنسخ تلاوته وحكمه ، أما ما لا ينسخ فإنه محفوظ في قلبك .
إنه يعلم الجهر وما يخفى . وكأن هذا تعليل لما مرّ في هذا المقطع من الإقرار والحفظ والاستثناء ، فكلها ترجع إلى حكمة يعلمها من يعلم الجهر وما يخفى ، ويطلع على الأمر من جوانبه جميعا ، فيقرر فيه ما تقتضيه حكمته المستندة على علمه بأطراف الأمر جميعا .
8- ونيسّرك لليسرى . أي نوافقك للشريعة السمحة التي يسهل على النفوس قبولها ، ولا يصعب على العقول فهمها .
يسّر الله القرآن للقراءة وللعمل بأحكامه ، ويسّر الشريعة ، ويسّر الأحكام وجعلها في طاقة الناس ، ولا حرج فيها ولا عنت ، قال تعالى : ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل من مدّكر . ( القمر : 22 ) .
وقال سبحانه : وما جعل عليكم في الدّين من حرج . . . ( الحج : 78 ) .
وقال تعالى : ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم . . . ( المائدة : 6 ) .
وقال تعالى : لا يكلّف الله نفسا إلا وسعها . . . ( البقرة : 286 ) .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم سهلا سمحا مؤلّفا محببا ، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فكان أبعد الناس عنه ، وكان سلوك النبي صلى الله عليه وسلم وهديه يعبر عن اختيار اليسر ، وقلة التكلف في اللباس والطعام والفراش وكل أمور الحياة ، فكان يلبس لكل موطن ما يناسبه ، فلبس العمامة والقلنسوة في السلم ، ولبس المغفر وغطى رأسه ووجهه بحلقات الحديد في الحرب .
جاء في ( زاد المعاد ) لشمس الدين أبى عبد الله محمد بن قيم الجوزية عن هديه صلى الله عليه وسلم في ملابسه والصواب أن أفضل الطرق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سنّها وأمر بها ورغ فيها وداوم عليها ، وهي أن هديه في اللباس أن يلبس ما تيسر من اللباس من الصوف تارة ، والقطن تارة ، والكتان تارة ، ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر ، ولبس الجبة والقباء ، والقميص والسراويل ، والإزار والرداء ، والخف والنعل ، وأرخى الذؤابة من خلفه تارة وتركها تارة . . .
وقال عن هديه في نومه وانتباهه : كان ينام على فراشه تارة ، وعلى النطع تارة ، وعلى الحصير تارة ، وعلى الأرض تارة ، وعلى السرير تارة بين رماله ، وتارة على كساء أسود .
وقال في هديه في الطعام : وكذلك كان هديه صلى الله عليه وسلم وسيرته في الطعام ، لا يردّ موجودا ، ولا يتكلف مفقودا ، فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله ، وما عاب طعاما قط ، إن اشتهاه أكله وإلا تركه .
فقد أكل الحلوى والعسل –وكان يحبهما- وأكل الرطب والتمر ، وأكل الثريد بالسمن ، وأكل الجبن ، وأكل الخبز بالزيت ، وأكل البطيخ بالرطب ، وأكل التمر بالزبد -وكان يحبه- ولم يكن يردّ طيبا ولا يتكلفه ، بل كان هديه أكل ما تيسر ، فإن أعوزه صبر . . .
والأحاديث النبوية التي تحض على اليسر والسماحة ، والرفق في تناول الأمور كثيرة جدا يصعب تقصيها ، منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه )viii . أخرجه البخاري .
( لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم ، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم )ix . أخرجه أبو داود .
( إذ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، فإن المنبتx لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى )xi . أخرجه البخاري .
وفي التعامل يقول صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله رجلا سمحا إذا باع ، وإذا اشترى ، وإذا اقتضى )xii . أخرجه البخاري .
( المؤمن يألف ويؤلف )xiii . أخرجه الدارقطني .
( إن أبغض الرجال إلى الله الألدxiv الخصمxv . أخرجه الشيخان .
وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها صفحات من السماحة واليسر ، والهوادة واللين ، والتوفيق إلى اليسر في تناول الأمور جميعا .
اختلف معه أعرابي ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي إلى بيته وزاده في العطاء حتى رضى ، وأعلن عن رضاه أمام الصحابة أجمعين .
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كريم النفس ، ميسرا لحمل الرسالة في أمانة ويسر ، ومودة ورحمة ، وعطف على الناس وحكمة .
قال تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين . ( الأنبياء : 107 ) .
قوال سبحانه : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم . ( التوبة : 128 ) .
وكان صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة ، فقد حارب لصد العدوان ، وتبليغ الدعوة ، ومنع الاضطهاد والفتنة عن الضعفاء والمستضعفين ، ومع ذلك كان آية في الإنسانية فكان ينهى عن قتل النساء والأطفال ، وينهى عن الغدر والخيانة ، ويحث على الوفاء بالعهد في السلم والحرب ، ولا عجب فقد جمع المكارم والمحامد ، وصدق الله العظيم : وإنك لعلى خلق عظيم . ( القلم : 4 ) .
9- فذكّر إن نفعت الذكرى . لقد يسره الله لليسرى ، لينهض بالأمانة الكبرى ، وليذكر الناس ، فلهذا أعد ولهذا بشر ، فذكّر حيثما وجدت فرصة للتذكير ، ومنفذا للقلوب ، ووسيلة للبلاغ .
قال النيسابوري في تفسير الآية :
إن تذكير العالم واجب في أول الأمر ، وأما التكرير فالضابط فيه هو العرف ، فلعله إنما يجب عند رجاء حصول المقصود ، فلهذا أردفه بالشرط حيث قال : فذكّر إن نفعت الذكرى . xvi .
وقال الإمام محمد عبده : وليس الشرط قيدا في الأمر ، فقد أجمع أهل الدين –سلفهم وخلفهم- على أن الأمر بالتذكير عام ، نفعت الذكرى ، أم لم تنفع ، وعمله صلى الله عليه وسلم شاهد على ذلكxvii .
10- سيذّكّر من يخشى . ذلك الذي يستشعر قلبه التقوى فيخشى غضب الله وعذابه ، فإذا ذكّر ذكر ، وإذا بصّر أبصر ، وإذا وعظ اعتبر .
11 ، 13- ويتجنّبها الأشقى* الذي يصلى النار الكبرى* ثم لا يموت فيها ولا يحيى .
أي : ويبتعد عن هذه التذكرة المعاند المصر على الجحود عنادا واستكبارا ، حتى مات قلبه وشقيت روحه ، فسيلقى النار الكبرى ، وهي نار جهنم ، وهي كبرى بالنسبة إلى نار الدنيا ، أي هي كبرى لشدتها ومدتها وضخامتها ، حيث يمتد بقاؤه فيها ، فلا هو ميت يجد طعم الراحة ، ولا هو حي فيحيا حياة السعادة ، تقول العرب لمن ابتلى بمرض أقعده : ( لا هو حي فيرجى ، ولا ميت فينعى ) .
14 ، 15- قد أفلح من تزكّى* وذكر اسم ربه فصلّى . قد أدرك الفلاح من تطهر من كل رجس ودنس ، وأيقن بالحق وسعد بالإيمان ، فهو في فلاح وسعادة بذكره اسم الله ، وبصلاته وخشوعه لله ، واعتماده عليه ، فهو في فلاح في الدنيا لأنه عاش موصولا بالله ، مؤديا للصلاة ، مراقبا مولاه ، وهو في فلاح في الآخرة بنجاته من النار الكبرى ، وفوزه بالنعيم والرضا .
16 ، 17- بل تؤثرون الحياة الدنيا* والآخرة خير وأبقى . بل أنتم –لقصر أنظاركم- تؤثرون الفانية على الباقية ، والحال أن الآخرة أفضل من الدنيا في نوعها ، وأبقى في أمدها ، ولو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى ، لوجب إيثار ما يبقى على ما يفنى ، فكيف الحال والدنيا من خزف يفنى ، والآخرة من ذهب يبقى ؟ !
18 ، 19- إن هذا لفي الصّحف الأولى* صحف إبراهيم وموسى . أصول هذه الشريعة العادلة ، وقواعد المؤاخذة والحساب ، وما ورد في هذه السورة من أصول العقيدة الكبرى ، هو الذي في الصحف الأولى ، صحف إبراهيم وموسى ، فدين الله واحد ، وإنما تتعدد صوره ومظاهره .
وقصارى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما جاء إلا مذكرا بما نسيته الأجيال من شرائع المرسلين ، وداعيا إلى وجهها الصحيح ، الذي أفسده كر الغداة ومر العشى ، كما طمس معالمه اتباع الأهواء ، واقتفاء سنن الآباء والأجداد .
1- تسبيح الله وتنزيهه وبيان قدرته .
2- وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بحفظ القرآن وعدم نسيانه .
3- وعده صلى الله عليه وسلم بالتوفيق إلى الطريقة السهلة الميسرة في الدعوة .
4- تكليفه صلى الله عليه وسلم أن يذكر الناس .
( أ ) مستجيب ناج . *** ( ب ) معرض هالك .
6- قواعد العدل وأصول الشريعة متشابهة في القرآن وفي الكتب السماوية السابقة .
{ سبّح اسم ربك الأعلى 1 الذي خلق فسوّى 2 والذي قدّر فهدى 3 والذي أخرج المرعى 4 فجعله غثاء أحوى 5 سنقرئك فلا تنسى 6 إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى 7 ونيسّرك لليسرى 8 }
سبح اسم ربك : نزّهه ومجّده تعالى عما لا يليق به .
نزّه ربك الأعلى عما لا يليق به من الأوصاف ، في ذاته وأفعاله وأسمائه ، فالله تعالى متصف بكل كمال ، منزّه عن كل نقص ، منزه عن الشريك والمثيل والنظير : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . ( الشورى : 11 ) .
هو سبحانه أول بلا بداية ، وآخر بلا نهاية ، وظاهر في آثار قدرته ، وخلق الكون ، وتسخير الشمس والقمر ، والليل والنهار ، وهو باطن فلا تدركه العيون ، ولا تحويه الظنون .
قال تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير . ( الأنعام : 103 ) .
إنها نعمة كبرى أن يسمح الإله الأعلى للعبد الفاني بالصلاة وبذكر الله ، حيث يذكر الله من ذكره ، ويتفضل الله على العابدين والذاكرين والمتبتلين ، بفضله وحنانه وبرّه وإنعامه ومودته : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودّا . ( مريم : 96 ) .
وتسمى سورة سبح والجمهور على أنها مكية وحكى ابن الفرس عن بعضهم أنها مدنية لذكر صلاة العيد وزكاة الفطر فيها ورده الجلال السيوطي بما أخرج البخاري وابن سعد وابن أبي شيبة عن البراء ابن عازب قال أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مصعب بن عمير وابن مكتوم فجعلا يقرئانا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في عشرين ثم جاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به عليه الصلاة والسلام حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد جاء فما جاء عليه الصلاة والسلام حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور مثلها ثم إن ذكر صلاة العيد وزكاة الفطر فيها غير مسلم ولو سلم فلا دلالة فيه على ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله وهي تسع عشرة آية بلا خلاف ووجه مناسبتها لما قبلها أنه ذكر في سورة الطارق خلق الإنسان وأشير إلى خلق النبات بقوله تعالى والأرض ذات الصدع وذكرا ههنا في قوله تعالى خلق فسيرى وقوله سبحانه أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى وقصة النبات هنا أوضح وأبسط كما أن قصة خلق الإنسان هناك كذلك نعم إن ما في هذه السورة أعم من جهة شموله للإنسان وسائر المخلوقات وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يحبها أخرج الإمام أحمد والبزار وابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحب هذه السورة سبح اسم ربك الأعلى وجاء في حديث أخرجه أبو عبيدة عن أبي تميم أنه عليه الصلاة والسلام سماها أفضل المسبحات وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في الوتر في الركعة الأولى سبح وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد والمعوذتين وفي حديث أخرجه المذكورون وغيرهم إلا الترمذي عن أبي بن كعب نحو ذلك بيد أنه ليس فيه المعوذتان وأخرج ابن أبي شيبة والإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا وأخرج الطبراني عن عبد الله بن الحرث قال آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المغرب فقرأ في الركعة الأولى بسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون .
{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى } أي نزه أسماءه عز وجل عما لا يليق فلا تؤول مما ورد منها اسماً من غير مقتض ولا تبقه على ظاهره إذا كان ما وضع له مما لا يصح له تعالى ولا تطلقه على غيره سبحانه أصلاً إذا كان مختصاً كالاسم الجليل أو على وجه يشعر بأنه تعالى والغير فيه سواء إذ لم يكن مختصاً فلا تقل لمن أعطاك شيئاً مثلا هذا رازقي على وجه يشعر بذلك وصنه عن الابتذال والتلفظ به في محل لا يليق به كالخلاء وحالة التغوط وذكره لا على وجه الخشوع والتعظيم وربما يعد مما لا يليق ذكره عند من يكره سماعه من غير ضرورة إليه وعن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه إنه كان إذا لم يجد ما يعطي السائل يقول ما عندي ما أعطيك أو ائتني في وقت آخر أو نحو ذلك ولا يقول نحو ما يقول الناس يرزقك الله تعالى أو يبعث الله تعالى لك أو يعطيك الله تعالى أو نحوه فسئل عن ذلك فقال إن السائل أثقل شيء على سمعه وأبغضه إليه قول المسؤول ما يفيده رده وحرمانه فأنا أجل اسم الله سبحانه من أن أذكره لمن يكره سماعه ولو في ضمن جملة وهذا منه رضي الله تعالى عنه غاية في الورع وما ذكر من التفسير مبني على الظاهر من أن لفظ اسم غير مقحم وذهب كثير إلى أنه مقحم وهو قد يقحم لضرب من التعظيم على سبيل الكناية ومنه قول لبيد
: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما *** فالمعنى نزه ربك عما لا يليق به من الأوصاف واستدل لهذا بما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة وغيرهم عن عقبة بن عامر الجهني قال لما نزلت { فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم } قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم ومن المعلوم أن المجهول فيهما سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى وبما أخرج الإمام أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى } قال سبحان ربي الأعلى وروي عبد بن حميد وجماعة أن علياً كرم الله تعالى وجهه قرأ ذلك فقال سبحان ربي الأعلى وهو في الصلاة فقيل له أتزيد في القرآن قال لا إنما أمرنا بشيء ففعلته وفي الكشاف تسبيح اسمه تعالى تنزيهه عما لا يصح فيه من المعاني التي هي الحاد في أسمائه سبحانه كالجبر والتشبيه مثلاً وان يصان عن الابتذال والذكر لا على وجه الخشوع والتعظيم فجعل المعنيين على ما قيل راجعين إلى الاسم وان كان الأول بالحقيقة راجعاً إليه عز وجل لكن كما يصح أن يقال نزع الذات عما لا يصح له من الأوصاف أن يقال أيضاً نزه أسماءه تعالى الدالة على الكمال عما لا يصح فيه من خلافه وليس المعنى الأول مبنياً على أن لفظ اسم مقحم ولا على أن المراد به المسمى إطلاقاً لاسم الدال على المدلول نعم قال به بعضهم هنا وهو إن كان للأخبار السابقة كما في دعوى الاقحام فلا بأس وإن كان لظن أن التسبيح لا يكون للألفاظ الموضوعة له تعالى فليس بشيء لفساد هذا الظن بظهور أن التسبيح يكون لها كما سمعت وقد قال الإمام إنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته جل وعلا عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لذلك عن الرفث وسوء الأدب ومن هذا يعلم ما في التعبير عنه تعالى شأنه بنحو ليلى ونعم كما يدعي ذلك في قول ابن الفارض قدس سره :
أبرق بدا من جانب الغور لامع *** أم ارتفعت عن وجه ليلى البراقع
إذا أنعمت نعم علي بنظرة *** فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل
إلى غير ذلك من أبياته وقد عاب ذلك بعض الأجبلة وعده من سوء الأدب ومخالفاً لقوله تعالى { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } [ الأعراف : 180 ] الآية وأجاب بعضهم بان ذلك لبس من الوضع في شيء وفهم الحضرة الإلهية من تلك الألفاظ إنما هو بطريق الاشارة كما قالوا في فهم النفس الأمارة من البقرة مثلا في قوله تعالى { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } [ البقرة : 67 ] والمنكر لا يقنع بهذا والأظهر أن يقال إن الكلام المورد فيه ذلك من قبيل الاستعارة التمثيلية ولا نظر فيها تشبيه المفردات بالمفردات فليس فيه التعبير عنه وجل بليلى ونحوها واستعمال الاستعارة التمثيلية في شأنه تعالى مما لا بأس به حتى إنهم قاوله في البسملة كما لا يخفى على من تتبع رسائلهم فيها هذا ولعل عندهم خيراً منه وقال جمع الاسم بمعنى التسمية والمعنى نزه تسمية ربك بأن تذكره وأنت له سبحانه معظم ولذكره جل شأنه محترم وأنت تعلم أن هذا يندرج في تسبيح الاسم كما تقدم وعن ابن عباس أن المعنى صل باسم ربك الأعلى كما تقول ابدأ باسم الله تعالى وحذف حرف الجر حكاه في البحر ولا أظن صحته وقال عصام الدين لا يبعد أن يراد الاسم الأثر أي سبح آثار ربك الأعلى عن النقصان فإن أثره تعالى دال عليه سبحانه كالاسم فيكون منعاً عن عيب المخلوقات أي من حيث أنها مخلوقة له تعالى وعلى وجه ينافي قوله تعالى { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } [ الملك : 3 ] ولا يخفى بعده وإن كان فيما بعد من الصفات ما يستأنس به له وأنا أقول إن كان سبح بمعنى نزع فكلا الأمرين من كون اسم مقحماً وكونه غير مقحم وتعلق التسبيح به على الوجه الذي سمعت محتمل غير بعيد وإذا كان معناه قل سبحان كما هو المعروف فيما بينهم فكونه مقحماً متعين إذ لم يسمع سلفاً وخلفاً من يقول سبحان اسم ربي الأعلى أو سبحان اسم الله والأخبار ظاهرة في ذلك وحمل ما فيها على اختيار الأخصر المستلزم لغيره كما ترى ويؤيد هذا قراءة أبي بن كعب كما في خبر سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن جبير سبحان ربي الأعلى وأما ما قيل من أن الاسم عين المسمى واستدل عليه بهذه الآية ونحوها فهو مما لا يعول عليه أصلاً وقد تقدم الكلام أول الكتاب فارجع إليه ان أردته والأعلى صفة للرب وأريد بالعلو والعلو بالقهر والاقتدار لا بالمكان لاستحاله عليه سبحانه والسلف وان لم يؤولوه بذلك لكنهم أيضاً يقولون باستحالة العلو المكاني عليه عز وجل وجوز جعله صفة لاسم وعلوه ترفعه عن أن يشاركه اسم في حقيقة معناه واستشكل بأن قوله تعالى : { الذى خَلَقَ } الخ إن كان صفة للرب كما هو الظاهر لزم الفصل بين الموصوف وصفته بصفة غيره وهو لا يجوز فلا يقال رأيت غلام هند العاقل الحسنة وان كان صفة لاسم أيضاً اختل المعنى إذ الاسم لا يتصف بالخلق وما بعده وأجيب باختيار الثاني ولا اختلال إما لأن الاسم بمعنى المسمى أو لأنه لما كان مقحماً كان { اسم ربك } [ الأعلى : 1 ] بمنزلة ربك فصح وصفه بما يوصف به الرب عز وجل وفيه نظر والجواب المقبول إن الذي على ذلك التقدير اما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على المدح ومفعول خلق محذوف ولذا قيل بالعموم أي الذي خلق كل شيء { فسوى } أي فجعله متساويوياً وهو أصل معناه والمراد فجعل خلقه كما تقتضيه حكمته سبحانه في ذاته وصفاته وفي معناه ما قيل أي فجعل الأشياء سواء في باب الأحكام والإتقان لا انه سبحانه أتقن بعضاً دون بعض ورد بما دلت عليه الآية من العموم على المعتزلة في زعمهم إن العبد خالق لأفعاله والزمخشري مع أن مذهبه مذهبهم قال هنا بالعموم ولعله لم يرد العموم الحقيقي أو أراده لكن على معنى خلق كل شيء إما بالذات أو بالواسطة وجعل ذلك في أفعال العباد بأقداره سبحانه وتمكينهم على خلقها باختيارهم وقدرهم الموهوبة لهم وعن الكلبي خلق كل ذي روح فسوى بين يديه وعينيه ورجليه وعن الزجاج خلق الإنسان فعدل قامته ولم يجعله منكوساً كالبهائم وفي كل تخصيص لا يقتضيه ظاهر الحذف .