بعد ذلك يعلن استجابة الله لرسوله [ ص ] في أمر القبلة ؛ ويعلن عن هذه القبلة مع تحذير المسلمين من فتنة يهود ، وكشف العوامل الحقيقية الكامنة وراء حملاتهم ودسائسهم . . في صورة تكشف عن مدى الجهد الذي كان يبذل لإعداد تلك الجماعة المسلمة ، ووقايتها من البلبلة والفتنة :
قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فلنولينك قبلة ترضاها ، فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره . وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ، وما الله بغافل عما يعملون . ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ، وما أنت بتابع قبلتهم ، وما بعضهم بتابع قبلة بعض . ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين . الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون . الحق من ربك فلا تكونن من الممترين . ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ، أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ، إن الله على كل شيء قدير . ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام . وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون . ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ، لئلا يكون للناس عليكم حجة . إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ، ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون . .
وفي مطلع هذه الآيات نجد تعبيرا مصورا لحالة النبي [ ص ] :
( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) . .
وهو يشي بتلك الرغبة القوية في أن يوجهه ربه إلى قبلة غير القبلة التي كان عليها . بعدما كثر لجاج اليهود وحجاجهم ؛ ووجدوا في اتجاه الجماعة المسلمة لقبلتهم وسيلة للتمويه والتضليل والبلبلة والتلبيس . . فكان [ ص ] يقلب وجهه في السماء ، ولا يصرح بدعاء ، تأدبا مع ربه ، وتحرجا أن يقترح عليه شيئا ، أو أن يقدم بين يديه شيئا .
ولقد إجابه ربه إلى ما يرضيه . والتعبير عن هذه الاستجابة يشي بتلك الصلة الرحيمة الحانية الودود :
ثم يعين له هذه القبلة التي علم - سبحانه - أنه يرضاها :
( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) . .
قبلة له ولأمته . من معه منها ومن يأتي من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها :
( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) . .
من كل اتجاه ، في أنحاء الأرض جميعا . . قبلة واحدة تجمع هذه الأمة وتوحد بينها على اختلاف مواطنها ، واختلاف مواقعها من هذه القبلة ، واختلاف أجناسها وألسنتها وألوانها . . قبلة واحدة ، تتجه إليها الأمة الواحدة في مشارق الأرض ومغاربها . فتحس أنها جسم واحد ، وكيان واحد ، تتجه إلى هدف واحد ، وتسعى لتحقيق منهج واحد . منهج ينبثق من كونها جميعا تعبد إلها واحدا ، وتؤمن برسول واحد ، وتتجه إلى قبلة واحدة .
وهكذا وحد الله هذه الأمة . وحدها في إلهها ورسولها ودينها وقبلتها . وحدها على اختلاف المواطن والأجناس والألوان واللغات . ولم يجعل وحدتها تقوم على قاعدة من هذه القواعد كلها ؛ ولكن تقوم على عقيدتها وقبلتها ؛ ولو تفرقت في مواطنها وأجناسها وألوانها ولغاتها . . إنها الوحدة التي تليق ببني الإنسان ؛ فالإنسان يجتمع على عقيدة القلب ، وقبلة العبادة ، إذا تجمع الحيوان على المرعى والكلأ والسياج والحظيرة !
ثم . . ما شأن أهل الكتاب وهذه القبلة الجديدة ؟
( وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ) . .
إنهم ليعلمون أن المسجد الحرام هو بيت الله الأول الذي رفع قواعده إبراهيم . جد هذه الأمة الوارثة وجد المسلمين أجمعين . وإنهم ليعلمون أن الأمر بالتوجه إليه حق من عند الله لا مرية فيه . .
ولكنهم مع هذا سيفعلون غير ما يوحيه هذا العلم الذي يعلمونه . فلا على المسلمين منهم ؛ فالله هو الوكيل الكفيل برد مكرهم وكيدهم :
( وما الله بغافل عما يعملون ) . .
إنهم لن يقتنعوا بدليل ، لأن الذي ينقصهم ليس هو الدليل ؛ إنما هو الإخلاص والتجرد من الهوى ، والاستعداد للتسليم بالحق حين يعلمونه :
{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون( 144 ) }
تقلب وجهك في السماء : تردد وجهك ، وتطلعك إلى السماء .
وحيثما كنتم : في أي مكان وجدتم .
فلنولينك قبلة ترضاها : أي فلنمكننك من استقبالها ، ومن قوله وليته كذا إذا صيرته واليا لنا ، أو لنحولنك إليها .
فول وجهك شطر المسجد الحرام : أي فاصرفه نحوه .
ولقد رأينا كيف كنت تتطلع إلى السماء عسى أن ينزل الوحي بتغيير قبلة بيت المقدس إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم أبى الأنبياء ، فها نحن أولاء نؤتيكم سؤلك ، فاستقبل في صلاتك المسجد الحرام ، واستقبلوه كذلك أيها المؤمنون في أي مكان تكونون ، وإن أهل الكتاب الذين ينكرون عليكم التحول عن قبلة بيت المقدس قد عرفوا في كتبهم أنكم أهل الكعبة ، وعلموا أن أمر الله جار على تخصيص كل شريعة بقبلة ، وأن هذا هو الحق من ربهم ، ولكنهم يريدون فتنتكم وتشكيككم في دينكم ، والله ليس غافلا عنهم وهو يجزيهم بما يعملون .
{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام . . . }
قد رأيناك تتجه بوجهك إلى السماء دائما ، تصرفه في أرجائها ، مرددا بصرك في ضراعة ورجاء تطلعا للوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة . وها نحن قد أجبناك إلى ما طلبت وأعطيناك ما سألت ، ووجهناك إلى قبلة تحبها ، وتميل إليها : فول وجهك شطر المسجد الحرام . أي فاصرف وجهك نحو المسجد الحرام لوجود الكعبة فيه ، واجعله قبلتك في الصلاة .
{ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره . . . }
أي وأينما وجدتم في بر أو بحر فولوا وجوهكم تلقاء المسجد الحرام ونحوه ، وقد جاءت هذه الجملة موجهة على الأمة قاطبة لدفع توهم أن يكون الخطاب في الأول خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأنه لما كان تحويل القبلة أمرا له خطره ، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك آكد وأبلغ .
فالآية الكريمة فيها أمر لكل مسلم أن يجعل الكعبة قبلة له فيتوجه بصدره إلى ناحيتها وجهتها حال تأدية الصلاة لربه ، سواء أكان المصلي بالمدينة أم بمكة أم بغيرهما .
وفي ذكر المسجد الحرام دون الكعبة ما يؤذن بكفاية مراعاة جهتها ، ولذلك لم يقع خلاف بين العلماء في أن الكعبة قبلة كل أفق ، وأن من عاينها فرض عليه استقبالها ومن غاب عنها فعليه أن يستقبل جهتها ، فإن خفيت عليه تحرى جهتها ما استطاع .
وفي الآية إشعار بانتشار الإسلام في بقاع الأرض ، وأن المسلمين ستفتح لهم البلاد ، وأن عليهم حيثما كانوا أن يتجهوا في صلاتهم نحو المساجد الحرام .
وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم :
أي وإن اليهود الذين أنكروا استقبالكم ، وانصرافكم عن بيت المقدس ، وأثاروا الفتنة في شأن تحويل القبلة ليعلمون أن استقبالكم الكعبة حق ، لأن الذي أخبر به قد قامت الآيات البينات عندهم على أنه رسول من عند الله ، أو أنه يصلي إلى القبلتين ، وما وقفوا من تحويل القبلة هذا الموقف إلا لعنادهم ، وكما يعلم اليهود ذلك من كتابهم ، يعلمه النصارى من كتابهم أيضا .
والآية مؤكدة بعدة مؤكدات ، هي إن واللام وذكر الحق ونسبته إلى الرب سبحانه لتقرير أنه وحي من الله .
أي أن الله لا يخفى عليه ما يدبره أهل الكتاب من الكيد للإسلام وسيحاسبهم عليه حسابا عسيرا ، لأنهم يعلمون الحق ، ويكتمون ما يعلمون .
قوله تعالى : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذي أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون ) .
جاء في سبب هذه الآية ما ذكر عن ابن عباس قوله : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة وذلك أن رسول الله ( ص ) لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ( ص ) بضعة عشر شهرا وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء ، فأنزل الله ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) إلى قوله : ( فولوا وجوهكم شطره ) .
وذكر عن البراء أن النبي ( ص ) قبل بيت المقدس سنة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه قبلته قبل البيت ، وأنه صلى صلاة العصر وصلى قوم فخرج رجل ممن كان يصلي معه ، فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال : أشهد بلله لقد صليت مع رسول الله ( ص ) قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت .
وفي رواية عن البراء كذلك قال : لما قدم رسول الله ( ص ) المدينة صلى نحو المقدس ستة عشرا شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان رسول الله ( ص ) يحب أن يحول نحو الكعبة فنزلت ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) فصرف إلى الكعبة{[153]} .
إن الله يرى ويعلم تحول وجه النبي ( ص ) إلى السماء متمنيا أن يأمره الله بتحويل قبلته وهو في الصلاة إلى مكة حيث الكعبة الشريفة .
وقد استجاب الله تباركت أسماؤه لهذه الرغبة المستكنة وهذا المطلب القدسي الذي يعتبر عن أصدق معاني الإخلاص والتشوف لأعظم مكان في الأرض ، مكة حيث الكعبة التي جعلها الله مثابة للناس وأمنا .
استجاب الله لما كان يتمناه النبي ( ص ) إذ أعلمه أنه منجز له رغبته بالفعل حتى يرضى وتطمئن نفسه ( فلنولينك قبلة ترضاها ) وذلك هو الوعد اليقين من الله ، الوعد الذي لا يتخلف وهو تحقق حالما أمره الله بالتوجه ناحية الكعبة هو ومن معه ومن بعده من المسلمين إلى قيام الساعة ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) والشطر معناه الجهة أو القصد أو الناحية أو الحيال{[154]} .
واختلف العلماء في حقيقة المراد بالجهة أو الناحية هنا والتي ينبغي على المصلي أن يتوجه صوبها حال الصلاة . فقد ذهب فريق من أهل العلم منهم الشافعي إلى أن المراد بالشطر هنا هو عين الكعبة ، فلا تتم صلاة المسلم إلا إذا استقبل عين الكعبة ، وذلك استنادا إلى ظاهر قوله : ( شطره ) أي جهته المعينة وهي الكعبة . وشطر منصوب على الظرفية المكانية . والهاء ضمير في محل جر مضاف إليه .
وذهب فريق آخر من العلماء وهم الأكثر إلى أن المقصود استقبال الجهة لا العين ، وبذلك يكون معنى شطره جهته أو قبله . وذلك هو الراجح في تقديرنا للأدلة التالية :
أولا : ما رواه ابن عباس أن رسول الله ( ص ) قال : " البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم ، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي " وفي حديث آخر عن النبي ( ص ) : " مابين المشرق والمغرب قبله " {[155]} .
ثانيا : أن التكليف باستقبال العين غير مقدور عليه وهو من باب التكليف بالمحال أو بما يشق كثيرا ؛ إذ ليس محققا أن يكون في مستطاع المصلي استقبال البيت عينه . ويمكن أن ينبني على ذلك :
ثالثا : ما لو تصورنا صفا طويلا من المصلين ، فإن من المحال أن يتجه جميعهم إلى نفس البيت ، وحقيقة ذلك ما لو كان طول الصف أضعاف طول البيت ، فإنه لا يكون في استقباله عينا إلا الذين يتساوى مجموع طولهم مع طول البيت نفسه ، أما الآخرون من الصف فلا يستطيعون البتة أن يكونوا قبل البيت بالعين والتحديد ؛ لذلك يمكن الجزم بأن المقصود بالاستقبال الجهة لا العين .
أما المشاهد للكعبة المعاين لها فإن عليه أن يستقبلها نفسها لا محالة ، وهو إن ترك مثل هذا الاستقبال المحدد فلا صلاة له ، ولا يعذر حينئذ إن صلى صوب أية جهة أخرى ، وذلك الذي عليه إجماع العلماء .
وإذا خفيت القبلة على المصلي كأن يجنّ عليه الليل ، أو يكون في سجن مظلم أو زنزانة ضيقة حاشرة غابت فيها معالم القبلة فإن على المصلي في مثل هذه الحال أن يتحرى القبلة ما أمكن ، حتى إذا بذل الجهد المقدور واستبرأت ذمته من وجوب البحث والتحري جاز له أن يصلي صوب الجهة التي وقع عليها استدلاله{[156]} .
وقوله : ( وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ) هذا المدلول وثيق الصلة بما سبق من أحكام ومدلولات وهو رد على أهل الكتاب- اليهود- الذين ساءهم تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى البيت العتيق مع أنهم ( اليهود ) يعلمون تمام العلم أن عملية التحويل لهي حق لا شك فيه ، وأنها قد أوحي بها إلى النبي فامتثل لأمر الله سبحانه . وهم كذلك يقرأون في كتابهم التوراة أن هذا النبي لصادق ، وأنه لا ينطق عن الهوى وأن ما جاءهم به إن هو إلا من عند الله ساء في ذلك الأخبار أو التكليفات الدينية مثل تحويل القبلة وغيرها .
قوله : ( وما الله بغافل عما يعملون ) ذلك تهديد مخوف يرعب الله به أولئك الجاحدين من أهل الكتاب الذين مردوا على المناكفة الغليظة والتحدي اللئيم ، فأبوا إلا الله أن يقاوموا دعوة الإسلام فيناصبوه العداء والحرب من أول مجيئه حتى يومنا هذا وما بعده من أيام إلى قيام الساعة . وبذلك فإن الله يتهدد هؤلاء الفاسدين الجاحدين مرضى النفوس ، وينذرهم بعذابه المنتظر والذي سيحيق بهم والله سبحانه ليس بغافل عنهم . وأداة النفي ( ما ) تعمل عمل ليس ولفظ الجلالة اسمها مرفوع . وخبرها غافل والباء زائدة .