في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا} (113)

105

وأخيرا يمن الله على رسوله [ ص ] أن عصمه من الانسياق وراء المتأمرين المبيتين ؛ فأطلعه على مؤامراتهم التي يستخفون بها من الناس ولا يستخفون بها من الله - وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول - ثم يمتن عليه المنة الكبرى في إنزال الكتاب والحكمة وتعليمه ما لم يكن يعلم . . وهي المنة على البشرية كلها ، ممثلة ابتداء في شخص أكرمها على الله وأقربها لله :

( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك . وما يضلون إلا أنفسهم . وما يضرونك من شيء . وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة . وعلمك ما لم تكن تعلم . وكان فضل الله عليك عظيمًا ) .

إن هذه المحاولة ليست إلا واحدة من محاولات كثيرة ، شتى الألوان والأنواع ؛ مما بذله أعداء هذا الرسول الكريم ليضلوه عن الحق والعدل والصواب . ولكن الله - سبحانه - كان يتولاه بفضله ورحمته في كل مرة . وكان الكائدون المتأمرون هم الذين يضلون ويقعون في الضلالة . . وسيرة رسول الله [ ص ] حافلة بتلك المحاولات ؛ ونجاته وهدايته ؛ وضلال المتأمرين وخيبتهم .

والله - سبحانه - يمتن عليه بفضله ورحمته هذه ؛ ويطمئنه في الوقت ذاته أنهم لا يضرونه شيئا . بفضل من الله ورحمة .

وبمناسبة المنة في حفظه من هذه المؤامرة الأخيرة ؛ وصيانة أحكامه من أن تتعرض لظلم برىء وتبرئة جارم ، وكشف الحقيقة له وتعريفه بالمؤامرة . . تجى ء المنة الكبرى . . منة الرسالة :

وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم . وكان فضل الله عليك عظيمًا .

وهي منة الله على " الإنسان " في هذه الأرض . المنة التي ولد الإنسان معها ميلادا جديدا . ونشأ بها " الإنسان " كما نشأ أول مرة بنفخة الروح الأولى . .

المنة التي التقطت البشرية من سفح الجاهلية ، لترقى بها في الطريق الصاعد ، إلى القمة السامقة . عن طريق المنهج الرباني الفريد العجيب . .

المنة التي لا يعرف قدرها إلا الذي عرف الإسلام وعرف الجاهلية - جاهلية الغابر والحاضر - وذاق الإسلام وذاق الجاهلية . .

وإذا كانت منة يذكر الله بها رسوله [ ص ] فلأنه هو أول من عرفها وذاقها . وأكبر من عرفها وذاقها . وأعرف من عرفها وذاقها . .

وعلمك ما لم تكن تعلم . وكان فضل الله عليك عظيمًا .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا} (113)

113-وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ . . . الآية .

وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ . أي عصمته وألطافه بك بإعلامك عن طريق الوحي بما دبروه وأخفوه . لهمت طائفة منهم . من قوم طعمة بن أبيرق .

أَن يُضِلُّوكَ . عن القضاء بالحق ، وتوخي طريق العدل ، مع علمهم بأن الجاني هو صاحبهم ، فقد روى أن ناسا منهم كانوا يعلمون كنه القصة {[91]} .

وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ . وما يعود ضرر ذلك إلا على أنفسهم ؛ لوقوعهم في الضلالة والكذب والافتراء ، وتضليل العدالة .

وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ . فقد تكفل الله بحفظك وعصمتك .

والله يعصمك من الناس .

وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ . وهو القرآن الكريم .

وَالْحِكْمَةَ . بيان ما في الكتاب ، وإلهام الصواب ، وإلقاء صحة الجواب في الروع {[92]} .

وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ . من أخبار الأولين والآخرين .

وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا . بالنبوة والرسالة وجميع الفضائل التي خص الله بها رسوله ، فكان خاتم الرسل ، وصاحب الشفاعة وأمته آخر الأمم ، وكتابه آخر الكتب ، وملايين المآذن تردد اسمه عند كل آذان .

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه *** إذا قال في الخمس المؤذن : أشهد

وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

وأنزل الله عليك القرآن الجامع بين الحق والحكمة ، أو أنزل عليك القرآن والسنة ، وعلمك ما لم تعلمه من العلوم والمعارف الربانية .

وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا . لاتحويه عبارة ولا نحيط به إشارة .

ومن ذلك : النبوة والرسالة وإرشادك إلى أخطاء المخطئين


[91]:تفسير الكشاف 1/298.
[92]:ابن الجوزى زاد المسير، ونقله عن أبي سليمان الدمشقي.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا} (113)

قوله : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ) لولا أداة امتناع لوجود . واسم الجلالة بعد لولا مرفوع على الابتداء والخبر محذوف تقديره موجود . وذلك يعني أنه لولا فضل الله عليك يا محمد إذ أيّدك بالعصمة ونبهك لما ائتمر عليه المنافقون المخادعون ، الذين استهمّوا في تآمر خبيث ليزلقوك في الضلالة فتجنح صوب الظلم والباطل ، وذلك أنهم جاءوك يسألونك تبرئة ابن أبيرق السارق " سواء كان بشيرا أو طعمة " من تهمة السرقة ثم إلحاقها بالبريء لبيد بن سهل وقيل هو زيد ابن السمين وكلاهما يهودي . لكن هؤلاء المنافقين المخادعين إنما يضلّون أنفسهم بإيرادها موارد المعصية والهلاك لما اقترفوه من كذب على رسول الله ( ص ) وافتراء على البرئاء . وذلك يستوجب لهم من العقاب ما يدفعهم مقهورين إلى جهنم إلا أن يشاء الله غير ذلك . وهم كذلك لا يملكون للنبي عليه الصلاة والسلام ضرا ولا أذى فإنه عليه السلام قد أحاطت به عناية الله ليكون مصونا معصوما .

قوله : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) الواو في قوله : ( وأنزل ) تحتمل أحد معنيين وهما الحال والاستئناف . واعتبارها على الحال يجعل المعنى على النحو التالي : أن هؤلاء لا يضرونك حال إنزال الله عليك القرآن والحكمة وهي معناها السنّة ، وفي قول آخر بأنها القضاء في موضع الوحي وهو نفس المعنى الذي يتضمن مفهوم السنة . ذلك أن السنة هي ما يصدر عن النبي من طريق الوحي ، فما يتصرف النبي تصرفا من قول أو فعل أو تقرير إلا جاء صحيحا قائما لا يعتريه زيغ أو اعوجاجا ؛ لأنه عليه السلام الملهم المقوّم من ربه فلا يضل ولا يطغى . ذلك هو المعنى المطابق لاعتبار الواو مفيدة للحال ، مع ترجيح القول الثاني وهو أنها تفيد الاستئناف .

ويمن الله على نبيه بما علّمه إياه من العلم والحكمة والتشريع مما لم يكن يعلم قبل هبوط الوحي عليه . وتلك نعمة هائلة جليلة لا تعدلها أنعم الأرض جميعا . فلا غرو بعد ذلك أن يمنّ الله على نبيه بما أتاه من عظيم الفضل وما طوّقه به من كبير النعمة والعطاء ممثلا في النبوّة الطاهرة المعصومة وما يستتبعه ذلك من زاخر المعرفة والحكمة{[830]} .


[830]:- تفسير القرطبي جـ 5 ص 379-381 – وروح المعاني جـ 5 ص 142 وفتح القدير جـ 1 ص 513.