في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} (26)

20

ولقد كانوا كذلك ينهون الناس عن الاستماع إليه - وهم كبراؤهم - وينأون هم عن الاستماع خشية التأثر والاستجابة :

( وهم ينهون عنه ، وينأون عنه ، وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ) . .

لقد كانوا على يقين من أنه ليس أساطير الأولين . وأن مواجهته بأساطير الأولين لا تجدي لو ترك الناس يسمعون ! وكان كبراء قريش يخافون على أنفسهم من تأثير هذا القرآن فيها كما يخافون على أتباعهم . فلم يكن يكفي إذن في المعركة بين الحق النفاذ بسلطانه القوي ، والباطل الواهن المتداعي ، أن يجلس النضر بن الحارث يروي للناس أساطير الأولين ! ومن ثم كانوا ينهون أتباعهم أن يستمعوا لهذا القرآن ؛ كما كانوا هم أنفسهم ينأون بأنفسهم - خوفا عليها أن تتأثر وتستجيب - وحكاية الأخنس بن شريق ، وأبي سفيان بن حرب ، وعمرو بن هشام وهم يقاومون جاذبية القرآن التي تشدهم شدا إلى التسمع في خفية لهذا القرآن حكاية مشهورة في السيرة .

وهذا الجهد كله الذي كانوا يبذلونه ليمنعوا أنفسهم ويمنعوا غيرهم من الاستماع لهذا القرآن ؛ ومن التأثر به والاستجابة له . . هذا الجهد كله إنما كانوا يبذلونه في الحقيقة لإهلاك أنفسهم - كما يقرر الله - سبحانه - : ( وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون )

وهل يهلك إلا نفسه من يجاهد نفسه ويجاهد غيره دون الهدى والصلاح والنجاة ، في الدنيا والآخرة ؟

إنهم مساكين أولئك الذين يجعلون همهم كله في الحيلولة بين أنفسهم والناس معهم وبين هدى الله ! مساكين ! ولو تبدوا في ثياب الجبابرة وزي الطواغيت ! مساكين فهم لا يهلكون إلا أنفسهم في الدنيا والآخرة . وإن بدا لهم حينا من الدهر وبدا للمخدوعين بالزبد أنهم رابحون مفلحون .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} (26)

المفردات :

وينأون عنه : أي : يبعدون عنه .

التفسير :

26- وهو ينهون عنه وينئون عنه . . . الآية . النهي : الزجر ، والنأى : البعد . والمعنى أن هؤلاء المشركين لا يكتفون بمحاربة الحق ، بل يزجرون الناس عن اتباعه ، ويبعدون أنفسهم عن الاستماع إليه والإنصات إلى صوت القرآن وجمال الوحي وقريب منه قوله تعالى :

وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون . ( فصلت : 26 ) .

وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون . إنهم يحاربون الإيمان في أنفسهم ، ويمنعون غيرهم عن الإيمان ، لا يهلكون أحدا بهذا التصرف الأحمق إلا أنفسهم . وما يشعرون بهذا البلاء الذي جلبوه على أنفسهم ، حيث عرضوها لسخط الله في الدنيا وعقابه في الآخرة .

وقيل إن هذه الآية نزلت في أبي طالب حيث كان ينهى الكفار عن إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو التعرض له بسوء ، ولكنه في الوقت نفسه يبتعد عن دعوته فلا يؤمن بها . مع اعترافه بأن الإسلام هو الدين الحق ، ومما روى عنه في هذا المعنى قوله :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر بذاك وقر منك عيونا

ودعوتني وزعمت أنك ناصحي فلقد صدقت وكنت قبل أمينا

وعرضت دينا قد عرفت بأنه من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك يقينا

وإذا تأملنا السياق وجدنا أنه في الحديث عن المشركين منهم الذين كانوا يحرضون الناس على إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الابتعاد عنه .

وهذا يرجح أن الآية لم تنزل في أبي طالب ، وإنما نزلت في مشركي مكة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} (26)

قوله تعالى : { وهم ينهون عنه وينئون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } الضمير { هم } يعود على الكفار . وقيل : المراد بذلك أبو طالب . والضمير في قوله : { عنه } يعود على القرآن . وقيل : يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم . والنهي معناه : الزجر . والنأي معناه : البعد . وذلك بيان لحال الكافرين في كل مكان وزمان ، على اختلاف مللهم ونحلهم فإنهم كانوا وما فتئوا يزجرون الناس أن يتبعوا دعوة الإسلام أو يستمعوا لتعاليم القرآن الحكيم بما فيه من عقيدة وتشريع ومنهاج حياة . وهم كذلك ينأون بأنفسهم عن هذا الدين ، إذ يباعدون بين أنفسهم وأممهم ، وهذا الدين الحنيف . الدين الذي جاء لينقذ البشرية من الفساد والتخبط فيلج بهم حومة النجاة والسعادة .

وقيل فيما رواه أهل السير في سبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عله وسلم كان قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن يصلي . فلما دخل في الصلاة استنهض اللعين أبو جهل من يقوم فيفسد عليه صلاته . فنهض ابن الزبعري فأخذ فرثا{[1140]} ودما فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم . فانفتل النبي من صلاته ثم أتى أبا طالب عمه . فقال أبو طالب : من فعل هذا بك ؟ فقال النبي صلى الله عله وسلم : " عبد الله بن الزبعري " فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه وقال للقوم : والله لئن قام رجل لجللته بسيفي . فقعدوا حتى دنا منهم فقال : يا بني ، من الفاعل بك هذا ؟ فقال : " عبد الله بن الزبعري " فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول . فنزلت هذه الآية . فقال النبي صلى الله عله وسلم : " يا عم نزلت فيك آية " قال : وما هي ؟ قال : " تمنع قريشا أن تؤذيني وتأبى أن تؤمن بي " فأنشد أبو طالب قائلا :

والله لن يصلو إليك بجمعهم *** حتى أُوسَّد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر منك عيونا

ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** فلقد صدقت وكنت قبل أمينا

لولا الملامة أو حذار مسبة *** لوجدتني سمحا بذاك يقينا

فقالوا : يا رسول الله ، هل تنفع أبا طالب نصرته ؟ قال : " نعم دفع عنه بذاك الغل ولم يقرن مع الشياطين ولم يدخل في جب الحيات والعقارب ، إنما عذابه في نعلين من نار في رجليه يغلي منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل النار عذابا " وفي الصحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عله وسلم : " أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين من نار يغلى منهما دماغه " وكذلك أخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عله وسلم لعمه : " قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة " قال : لولا تعيرني قريش ، يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع ( الخوف ) لأقررت بها عينك . فأنزل الله تعالى { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } .

أما عبد الله بن الزبعري فقد أسلم عام الفتح وحسن إسلامه واعتذر إلى رسول الله صلى الله عله وسلم فقبل عذره . وكان شاعرا بليغا فقال يمدح في شعره النبي صلى الله عله وسلم :

يا خير من حملت على أوصالها{[1141]} *** عيرانة{[1142]} سرح اليدين غشوم

إني لمعتذر إليك من الذي *** أسديت إذ أنا في الضلال أهيم

فاليوم آمن بالنبي محمد *** قلبي ومخطئ هذه محروم

مضت العداوة فانقضت أسبابها *** وأتت أواصر بيننا وحلوم{[1143]}

فاغفر فدى لك والدي كلاهما *** زللي فإنك راحم مرحوم

ولقد شهدت بأن دينك صادق *** حقا وأنك في العباد جسيم

والله يشهد أن أحمد مصطفى *** مستقبل في الصالحين كريم

قرم علا بنيانه من هاشم *** فرع تمكن في الذرى وأروم

قوله : { وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون } إن أداة نفي بمعنى ما أي هؤلاء المشركين المكذبين – بصدهم عن سبيل الإسلام وإعراضهم عن الكتاب الحكيم وكفرهم بالله ورسوله لا يهلكون إلا أنفسهم ، إذ يوردونها الردى والخسران حيث السخط من الله والعقاب الأليم . وهم بفسقهم وانثنائهم عن دعوة الحق لا يدرون ما هم مفضون إليه من العذاب المهين{[1144]} .


[1140]:- الفرث: السرجين في الكرش. انظر القاموس المحيط ص 222.
[1141]:- الأوصال: المفاصل، أو مجتمع العظام. والمفرد وصل، بالكسر والضم. انظر القاموس المحيط ص 1380.
[1142]:- العيرانة السرح اليدين: الناقعة السريعة. انظر القاموس المحيط ص 286.
[1143]:- الحلوم: العقول. ومفرده الحلم بالكسر وهو العقل والأناة. انظر القاموس المحيط ص 1416.
[1144]:- تفسير الطبري ج 7 ص 110- 111 وتفسير القرطبي ج 6 ص 405- 408 والدر المصون ج 4 ص 581.