في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} (119)

100

شاء الله ألا يكون الناس أمة واحدة . فكان من مقتضى هذا أن يكونوا مختلفين . وأن يبلغ هذا الاختلاف أن يكون في أصول العقيدة - إلا الذين أدركتهم رحمة الله - الذين اهتدوا إلى الحق - والحق لا يتعدد - فاتفقوا عليه . وهذا لا ينفي أنهم مختلفون مع أهل الضلال .

ومن المقابل الذي ذكره النص :

( وتمت كلمة ربك : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) . .

يفهم أن الذين التقوا على الحق وأدركتهم رحمة الله لهم مصير آخر هو الجنة تمتليء بهم كما تمتليء جهنم بالضالين المختلفين مع أهل الحق ، والمختلفين فيما بينهم على صنوف الباطل ومناهجه الكثيرة !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} (119)

116

119 { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ . . . }

إلا المرحومين من أتباع الرسل ، الذين آمنوا بهم وصدقوهم ، واتبعوا ما أمروا به ، وتركوا ما نهوا عنه ، وقد مدح الله أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بقوله : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ . . . } . ( الأعراف : 157 ) .

{ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } .

لقد خلقهم الله ومنحهم العقل والاختيار والإرادة ، وأرسل وأنزل الكتب ؛ ليختار الإنسان بكسبه ، واختياره الطريق الذي يريده ، ويتحمل مسئولية اختياره ، ولهذا الاختلاف خلقهم الله ؛ ليتمايزوا ويظهر الخبيث من الطيب .

وقال تعالى : { فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } . ( الأعراف : 30 ) .

{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .

أي : نفذ قضاء ربك ، وثبت حكمه ، الذي أكده وأقسم عليه بقوله : لأملأن جهنم من عصاة الجن ومن عصاة الإنس أجمعين .

حكمة إلهية

شاء الله تعالى أن يختلف الناس في منازعهم ومشاربهم ؛ حتى يعمر الكون ، ولو أحب الناس اسما واحدا أو بلدا وسطا واحدا ، أو مدينة معتدلة واحدة ؛ لضاق المكان بأهله .

ومن حكمة الله أن حبب كل إنسان في عمله ومسلكه حتى يعمر الكون ولو هجر الناس جميعا الحياكة ؛ لتعرى الناس ، ولو هجروا الفلاحة ؛ لجاع الناس ، ولو هجروا البناء ؛ لجلس في العراء ، وتلك حكمة إلهية أرادها الله حتى يتم إعمار الكون ، فيكون هناك الملوك والأمراء ورجال السياسة ، ورجال القانون والاجتماع والأدب ، ورجال الحرف من زراعة وصناعة وتجارة ، وأقوام متفوقون ممتازون وآخرون دون ذلك . 82

وشاء الله أن يختار أناس الهدى ويعملون الصالحات ، ويتسابقون في عمل الخير وإتباع هدى المرسلين ؛ حتى يكونوا أهلا للجنة والرضوان ، وشاء الله أن يختار أقوام الضلال والانحراف ، وأن يؤثروا العاجلة على الآجلة ، وأن يكونوا تابعين للشيطان في اقتراف المحرمات والبعد عن الطاعات ؛ وهؤلاء أهل للنار وغضب الجبار .

قال تعالى : { لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } . ( ص : 85 ) . وتكرر هذا المعنى في سورة الأعراف الآية 18 وسورة هود الآية 119 وهو يشير إلى عدالة الله تعالى فما أدخلهم النار ظلما ؛ ولكن ظلموا أنفسهم واتبعوا أهواءهم ، وساروا وراء الشياطين ؛ فجمع الله في جهنم أتباع إبليس من الجن والإنس ، قال تعالى : { من الجنة والناس وهم أتباع إبليس من الجن والإنس } .

من هدى السنة

وفي الصحيحين : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اختصمت الجنة والنار ، فقالت الجنة : مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ، 83 وقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ، فقال الله عز وجل للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ، وقال للنار : أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها ، فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقا يسكن فضل الجنة ، وأما النار فلا تزال تقول : هل من مزيد ، حتى يضع لها رب العزة قدمه ، فتقول : قط قط ، 84 وعزتك ! ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ} (119)

{ إلا من رحم ربك } أي المحسن إليك بالتأليف بينهم في جعلهم من أهل طاعتك فإنهم لا يختلفون في أصول الحق{[40320]} . ولما كان ما تقدم ربما أوجب أن يقال : لمَ لم يُقبل بقلوبهم إلى الهدى ويصرفهم عن موجبات الردى إذا كان قادراً ؟ قال تعالى مجيباً عن ذلك : { ولذلك } أي الاختلاف { خلقهم } أي اخترعهم وأوجدهم من العدم وقدرهم{[40321]} ، وذلك أنه لما طبعهم سبحانه على خلائق من الخير والشر تقتضي الاختلاف لتفاوتهم فيها ، جعلوا كأنهم خُلقوا له فجروا مع القضاء والقدر ، ولم يمكنهم الجري على ما تدعو إليه العقول في{[40322]} أن الاتفاق رحمة والاختلاف نقمة ، فاستحق فريق منهم النار وفريق الجنة ، وليس ذلك مخالفاً لقوله تعالى :{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }{[40323]}[ الذاريات : 56 ] بل هو من شكله ، أي أنه تعالى لما ركبهم على العجز ومنحهم العقول مع نصب الأدلة ، كان ذلك مهيئاً للعبادة فكانوا كأنهم ما خلقوا إلا لها أي ما خلقتهم{[40324]} إلا ليعرفون بنفوذ أقضيتي وتصاريفي فيهم فيعبدون ، أي {[40325]}يخضعوا لي{[40326]} فمن كان منهم طائعاً فهو عابد حقيقة ، ومن كان عاصياً كان عابداً مجازاً ، أي خاضعاً للأمر لنفوذه فيه وعجزه عن الامتناع كما قال تعالى{ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً }{[40327]}[ الرعد : 15 ] ، فقد بان أن خلقهم للعبادة فقط ينافي خلقهم للاختلاف ، لأن جريهم في قضائه بالاختلاف عبادة وسجود لغة ، وذلك أن مادتي عبد وسجد تدوران{[40328]} على الخضوع والذل والانقياد ، وبذلك كان الكل عبيد الله ، أو{[40329]} الإشارة إلى مجمع الاتفاق والاختلاف ليظهر فضله على من ثبتهم ويظهر عدله فيمن خذلهم .

ولما كان هذا الاختلاف سبب الكفر الذي أرسل رسله بالقتال عليه ، كان ربما ظن أنه بغير مشيئته ، فبين أنه إنما{[40330]} هو بمراده ولا اعتراض عليه فقال : { وتمت } أي فبادروا إلى ما خلقهم لهم{[40331]} معرضين عن أوامره ولم تغن عنهم عقولهم ، وتمت حينئذ { كلمة ربك } أي المحسن إليك بقهر أعدائك التي سبقت في الأزل وهي وعزتي { لأملأن جهنم } أي{[40332]} التي تلقى{[40333]} المعذب فيها بالتجهم{[40334]} والعبوسة { من الجنة } أي قبيل الجن ، قدمهم لأنهم أصل في الشر ، ثم عم فقال : { والناس أجمعين* } فمشوا{[40335]} على ما أراد{[40336]} ولم يمكنهم مع عقولهم الجيدة الاستعدد وقواهم الشداد غير إلقاء القياد ، فمن قال : إنه يخلق فعله أو له قدرة على شيء{[40337]} فليفعل غير ذلك بأن يخبر باتفاقهم ثم يفعله ليتم قوله .

وإلا فليعلم أنه مربوب مقهور فيسمع رسالات ربه إليه بقالبه وقلبه .


[40320]:زيد بعده في مد: شتى.
[40321]:زيد من ظ ومد.
[40322]:في مد: من.
[40323]:سورة 51 آية 56.
[40324]:من ظ ومد، وفي الأصل: خلقهم.
[40325]:في ظ: يخضعون إلي.
[40326]:في ظ: يخضعون إلي.
[40327]:سورة 13 آية 15.
[40328]:من ظ ومد، وفي الأصل: يدوران.
[40329]:من ظ ومد، وفي الأصل: أم.
[40330]:في ظ: ربما.
[40331]:من مد، وفي الأصل وظ: له.
[40332]:زيد من ظ ومد.
[40333]:من مد، وفي الأصل: يلقى، وفي ظ: تلتقي.
[40334]:من مد، وفي الأصل: بالتحميم، وفي ظ: بالتحريم ـ كذا.
[40335]:سقط من ظ.
[40336]:من ظ ومد، وفي الأصل: أرادوا.
[40337]:في ظ: الشيء.