ويتلطف شعيب تلطف صاحب الدعوة الواثق من الحق الذي معه ؛ ويعرض عن تلك السخرية لا يباليها وهو يشعر بقصورهم وجهلهم . . يتلطف في إشعارهم أنه على بينة من ربه كما يجده في ضميره وقلبه ؛ وأنه على ثقة مما يقول لأنه أوتي من العلم ما لم يؤتوا ، وأنه إذ يدعوهم إلى الأمانة في المعاملة سيتأثر مثلهم بنتائجها لأنه مثلهم ذو مال وذو معاملات ؛ فهو لا يبغي كسبا شخصيا من وراء دعوته لهم ؛ فلن ينهاهم عن شيء ثم يفعله هو لتخلو له السوق ! إنما هي دعوة الإصلاح العامة لهم وله وللناس . وليس فيما يدعوهم إليه خسارة عليهم كما يتوهمون :
( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، ورزقني منه رزقا حسنا ؟ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب ) . .
في تودد وتقرب ، وتذكير بالأواصر القريبة .
( أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ؟ ) . .
أجد حقيقته في نفسي وأستيقن أنه هو يوحي إلي ويأمرني بما أبلغكم إياه . وعن هذه البينة الواضحة في نفسي ، أصدر واثقا مستيقنا .
ومنه الثروة التي أتعامل مع الناس مثلكم فيها .
( وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ) .
فأنهاكم ثم أذهب من خلفكم فأفعل ما نهيتكم عنه لأحقق لنفسي نفعا به !
( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) . .
الإصلاح العام للحياة والمجتمع الذي يعود صلاحه بالخير على كل فرد وكل جماعة فيه ؛ وإن خيل إلى بعضهم أن اتباع العقيدة والخلق يفوت بعض الكسب الشخصي ، ويضيع بعض الفرص . فإنما يفوت الكسب الخبيث ويضيع الفرص القذرة ؛ ويعوض عنهما كسبا طيبا ورزقا حلالا ، ومجتمعا متضامنا متعاونا لا حقد فيه ولا غدر ولا خصام !
فهو القادر على إنجاح مسعاي في الإصلاح بما يعلم من نيتي ، وبما يجزي على جهدي .
إليه وحده أرجع فيما يحزبني من الأمور ، وإليه وحده أتوجه بنيتي وعملي ومسعاي .
ثم يأخذ بهم في واد آخر من التذكير ، فيطل بهم على مصارع قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط :
فقد يفعل هذا في مثل تلك القلوب الجاسية ما لم يفعله التوجيه العقلي اللين الذي يحتاج إلى رشد وتفكير :
ورزقني منه رزقا حسنا : ومنحني من لدنه النبوة والحكمة ، وغمرني بنعمه الكثيرة .
أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه : أن أخالفكم إلى فعل ما أنهاكم عنه .
88 { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي . . . }
أي : أخبروني : إن كنت على برهان يقيني مما أتاني ربي من العلم والنبوة ، وكنت على حجة واضحة ، وبصيرة مستنيرة ؛ منحنى إياها ربي .
{ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } . أي : مالا حلالا مكتسبا بلا بخس وتطفيف أو الرزق الحسن : الحكمة ، والنبوة والاستقامة على التوحيد ، والهداية إلى الصراط المستقيم .
وحذف جواب { أرئيتم } . لما دل عليه في مثله وتقديره : هل يصح لي أن أخون الوحي ، وأترك النهى عن الشرك والظلم ، والإصلاح بالتزكية و التحلية .
{ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } .
أي : وما أريد أن آتى ما أنهاكم عنه لأستبد به دونكم ، فلو كان صوابا لآثرته ، ولم أعرض عنه ، فضلا عن أن أنهى عنه . 55
وقال قتادة : لم أكن أنهاكم عن أمر وأرتكبه .
وقال الثوري : أي : لا أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم . 56
{ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ } . أي : ما أريد في تبليغ الرسالة ، ومحاربة المنكر : إلا إصلاح نفوسكم بالتزكية ، والتهيئة لقبول الحكمة ، ما دمت مستطيعا متمكنا منه .
{ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ } . وما توفيقي لإصابة ذلك فيما أستطيعه منه إلا بحول الله ، وقوته ، وفضله ، ومعونته ، وأعلاها ما خصني الله به دونكم من نبوته ورسالته . 57
{ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } . في أداء ما كلفني من تبليغكم ما أرسلت به ، لا على حولي وقوتي .
{ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } . أي : وإليه وحده أرجع في كل ما نابني من الأمور في الدنيا ، وإلى الجزاء على أعمالي في الآخرة ، فأنا لا أرجو منكم أجرا ، ولا أخاف منكم ضرا .
وجاء في تفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية ما يأتي :
روى الإمام أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا سمعتم الحديث عنى تعرفه قلوبكم ، وتلين له أشعاركم وأبشاركم ، وترون أنه منكم قريب ؛ فأنا أولاكم به ، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم ، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه بعيد . فأنا أبعدكم منه ) .
ولما اتهموه بالقطيعة والسفه ، شرع{[39980]} في إبطال ما قالوا ونفي التهمة فيه وأخرج مخرج الجواب لمن كأنه قال : ما أجابهم به ؟ فقيل : { قال يا قوم } مستعطفاً لهم بما بينهم من عواطف القرابة منبهاً لهم على حسن النظر فيما ساقه على سبيل الفرض والتقدير ليكون أدعى إلى الوفاق والإنصاف { أرءيتم } أي أخبروني { إن كنت } أي كوناً هو في غاية الثبات { على بينة } أي برهان { من ربي } الذي أحسن إليّ بما هو إحسان إليكم ، وعطف على جملة الشرط المستفهم عنه قوله : { {[39981]}و } قد { رزقني } وعظم الرزق بقوله : { منه رزقاً حسناً } جليلاً ومالاً جماً حلالاً لم أظلم فيه أحداً ، والجواب محذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب ، ويمكن أن يقال فيه : هل يسع عاقلاً أن ينسبني إلى السفه بتبذير المال بترك الظلم ، أو يسعني أن أحلم عمن عبد غيره وأترك دعاءكم إلى الله ، فقد بان بهذا أني ما أمرتكم بما يسوءكم من ترك ما ألفتم وتعرضت لغضبكم كلكم ، وتركت مثل أفعالكم إلا خوفاً من غضبه ورجاء لرضاه ، فظهر أن لا تهمة في شيء من أمري ولا خطأ ، ما فعلت قط ما نهيتكم عنه فيما مضى { وما أريد } أي في وقت من الأوقات { أن أخالفكم } أي{[39982]} بأن أذهب وحدي { إلى ما أنهاكم عنه } في المستقبل ، وما نقص مال بترك مثل أفعالكم ، فهو إرشاد إلى النظر في باب :
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم
وقد نبهت هذه الأجوبة الثلاثة{[39983]} على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتي ويذر أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق الله وثانيها حق النفس وثالثها حق العباد على وجه الإخلاص في الكل{[39984]} فثبت{[39985]} ببعده عن التهمة مع سداد الأفعال وحسن المقاصد - حلمه صلى الله عليه وسلم ورشده ، فلذلك أتبعه بما{[39986]} تضمن معناه مصرحاً به فقال : { إن } أي ما { أريد } أي شيئاً من الأشياء { إلا الإصلاح } وأقر بالعجز فقال : { ما استطعت } أي مدة استطاعتي للاصلاح وهو كما أردت فإن مالي - مع اجتنابي ما أنتم عليه - صالح ، ليس بدون مال أحد منكم ، فعلم ، مشاهدة أن لا تبذير في العدل ، وأما التوحيد{[39987]} فهو - مع انتفاء التهمة عنى{[39988]} فيه - دعاء إلى القادر على كل شيء الذي لا خير إلا منه ولا محيص عن الرجوع إليه ؛ ثم تبرأ من الحول والقوة ، وأسند الأمر إلى من هو له فقال : { وما توفيقي } إي فيما استطعت من فعل الإصلاح { إلا بالله } أي الذي له الكمال كله ؛ ثم بين أنه الأهل لأن يرجى فقال مشيراً إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ { عليه } أي وحده { توكلت } ولما طلب{[39989]} التوفيق لإصابة الحق فيما يأتي ويذر من{[39990]} الله والاستعانة به{[39991]} في مجامع أمره وأقبل عليه بكليته وحسم أطماع الكفار عنه وأظهر الفراغ عنهم وعدم المبالاة بهم ، وكان في قوله { ما استطعت } إقرار بأنه محل التقصير ، أخبر بأنه لا يزال يجدد التوبة لعظم الأمر ، وعبر عن ذلك بعبارة صالحة للتحذير من يوم البعث تهديداً لهم فقال منبهاً على معرفة المعاد ليكمل الإيمان بالله واليوم الآخر : { وإليه } أي خاصة { أنيب* } أي أرجع معنى سبقي{[39992]} للتوبة وحساً تيقني{[39993]} بالبعث بعد الموت ؛ والتوفيق : خلق قدرة ما هو وفق الأمر من الطاعة ، من الموافقة للمطابقة ؛ والتوكل على الله : تفويض الأمر إليه على الرضاء بتدبيره مع التمسك بطاعته{[39994]} .