ورزقني منه رزقا حسنا : ومنحني من لدنه النبوة والحكمة ، وغمرني بنعمه الكثيرة .
أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه : أن أخالفكم إلى فعل ما أنهاكم عنه .
88 { قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي . . . }
أي : أخبروني : إن كنت على برهان يقيني مما أتاني ربي من العلم والنبوة ، وكنت على حجة واضحة ، وبصيرة مستنيرة ؛ منحنى إياها ربي .
{ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } . أي : مالا حلالا مكتسبا بلا بخس وتطفيف أو الرزق الحسن : الحكمة ، والنبوة والاستقامة على التوحيد ، والهداية إلى الصراط المستقيم .
وحذف جواب { أرئيتم } . لما دل عليه في مثله وتقديره : هل يصح لي أن أخون الوحي ، وأترك النهى عن الشرك والظلم ، والإصلاح بالتزكية و التحلية .
{ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } .
أي : وما أريد أن آتى ما أنهاكم عنه لأستبد به دونكم ، فلو كان صوابا لآثرته ، ولم أعرض عنه ، فضلا عن أن أنهى عنه . 55
وقال قتادة : لم أكن أنهاكم عن أمر وأرتكبه .
وقال الثوري : أي : لا أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم . 56
{ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ } . أي : ما أريد في تبليغ الرسالة ، ومحاربة المنكر : إلا إصلاح نفوسكم بالتزكية ، والتهيئة لقبول الحكمة ، ما دمت مستطيعا متمكنا منه .
{ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ } . وما توفيقي لإصابة ذلك فيما أستطيعه منه إلا بحول الله ، وقوته ، وفضله ، ومعونته ، وأعلاها ما خصني الله به دونكم من نبوته ورسالته . 57
{ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } . في أداء ما كلفني من تبليغكم ما أرسلت به ، لا على حولي وقوتي .
{ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } . أي : وإليه وحده أرجع في كل ما نابني من الأمور في الدنيا ، وإلى الجزاء على أعمالي في الآخرة ، فأنا لا أرجو منكم أجرا ، ولا أخاف منكم ضرا .
وجاء في تفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية ما يأتي :
روى الإمام أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا سمعتم الحديث عنى تعرفه قلوبكم ، وتلين له أشعاركم وأبشاركم ، وترون أنه منكم قريب ؛ فأنا أولاكم به ، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم ، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه بعيد . فأنا أبعدكم منه ) .
ولما اتهموه بالقطيعة والسفه ، شرع{[39980]} في إبطال ما قالوا ونفي التهمة فيه وأخرج مخرج الجواب لمن كأنه قال : ما أجابهم به ؟ فقيل : { قال يا قوم } مستعطفاً لهم بما بينهم من عواطف القرابة منبهاً لهم على حسن النظر فيما ساقه على سبيل الفرض والتقدير ليكون أدعى إلى الوفاق والإنصاف { أرءيتم } أي أخبروني { إن كنت } أي كوناً هو في غاية الثبات { على بينة } أي برهان { من ربي } الذي أحسن إليّ بما هو إحسان إليكم ، وعطف على جملة الشرط المستفهم عنه قوله : { {[39981]}و } قد { رزقني } وعظم الرزق بقوله : { منه رزقاً حسناً } جليلاً ومالاً جماً حلالاً لم أظلم فيه أحداً ، والجواب محذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب ، ويمكن أن يقال فيه : هل يسع عاقلاً أن ينسبني إلى السفه بتبذير المال بترك الظلم ، أو يسعني أن أحلم عمن عبد غيره وأترك دعاءكم إلى الله ، فقد بان بهذا أني ما أمرتكم بما يسوءكم من ترك ما ألفتم وتعرضت لغضبكم كلكم ، وتركت مثل أفعالكم إلا خوفاً من غضبه ورجاء لرضاه ، فظهر أن لا تهمة في شيء من أمري ولا خطأ ، ما فعلت قط ما نهيتكم عنه فيما مضى { وما أريد } أي في وقت من الأوقات { أن أخالفكم } أي{[39982]} بأن أذهب وحدي { إلى ما أنهاكم عنه } في المستقبل ، وما نقص مال بترك مثل أفعالكم ، فهو إرشاد إلى النظر في باب :
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم
وقد نبهت هذه الأجوبة الثلاثة{[39983]} على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتي ويذر أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق الله وثانيها حق النفس وثالثها حق العباد على وجه الإخلاص في الكل{[39984]} فثبت{[39985]} ببعده عن التهمة مع سداد الأفعال وحسن المقاصد - حلمه صلى الله عليه وسلم ورشده ، فلذلك أتبعه بما{[39986]} تضمن معناه مصرحاً به فقال : { إن } أي ما { أريد } أي شيئاً من الأشياء { إلا الإصلاح } وأقر بالعجز فقال : { ما استطعت } أي مدة استطاعتي للاصلاح وهو كما أردت فإن مالي - مع اجتنابي ما أنتم عليه - صالح ، ليس بدون مال أحد منكم ، فعلم ، مشاهدة أن لا تبذير في العدل ، وأما التوحيد{[39987]} فهو - مع انتفاء التهمة عنى{[39988]} فيه - دعاء إلى القادر على كل شيء الذي لا خير إلا منه ولا محيص عن الرجوع إليه ؛ ثم تبرأ من الحول والقوة ، وأسند الأمر إلى من هو له فقال : { وما توفيقي } إي فيما استطعت من فعل الإصلاح { إلا بالله } أي الذي له الكمال كله ؛ ثم بين أنه الأهل لأن يرجى فقال مشيراً إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ { عليه } أي وحده { توكلت } ولما طلب{[39989]} التوفيق لإصابة الحق فيما يأتي ويذر من{[39990]} الله والاستعانة به{[39991]} في مجامع أمره وأقبل عليه بكليته وحسم أطماع الكفار عنه وأظهر الفراغ عنهم وعدم المبالاة بهم ، وكان في قوله { ما استطعت } إقرار بأنه محل التقصير ، أخبر بأنه لا يزال يجدد التوبة لعظم الأمر ، وعبر عن ذلك بعبارة صالحة للتحذير من يوم البعث تهديداً لهم فقال منبهاً على معرفة المعاد ليكمل الإيمان بالله واليوم الآخر : { وإليه } أي خاصة { أنيب* } أي أرجع معنى سبقي{[39992]} للتوبة وحساً تيقني{[39993]} بالبعث بعد الموت ؛ والتوفيق : خلق قدرة ما هو وفق الأمر من الطاعة ، من الموافقة للمطابقة ؛ والتوكل على الله : تفويض الأمر إليه على الرضاء بتدبيره مع التمسك بطاعته{[39994]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.