ولقد كان من الطبيعي أن يفرض الصوم على الأمة التي يفرض عليه الجهاد في سبيل الله ، لتقرير منهجه في الأرض ، وللقوامة به على البشرية ، وللشهادة على الناس . فالصوم هو مجال تقرير الإرادة العازمة الجازمة ، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد ؛ كما أنه مجال الاستعلاء على ضرورات الجسد كلها ، واحتمال ضغطها وثقلها ، إيثارا لما عند الله من الرضى والمتاع .
وهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقات الطريق المفروش بالعقبات والأشواك ؛ والذي تتناثر على جوانبه الرغاب والشهوات ؛ والذي تهتف بالسالكيه آلاف المغريات !
وذلك كله إلى جانب ما يتكشف على مدار الزمان من آثار نافعة للصوم في وظائف الأبدان . ومع أنني لا أميل إلى تعليق الفرائض والتوجيهات الإلهية في العبادات - بصفة خاصة - بما يظهر للعين من فوائد حسية ، إذ الحكمة الأصيلة فيها هي إعداد هذا الكائن البشري لدوره على الأرض ، وتهيئته للكمال المقدر له في حياة الآخرة . . مع هذا فإنني لا أحب أن أنفي ما تكشف عنه الملاحظة أو يكشف عنه العلم من فوائد لهذه الفرائض والتوجيهات ؛ وذلك ارتكانا إلى الملحوظ والمفهوم من مراعاة التدبير الإلهي لكيان هذا الإنسان جملة في كل ما يفرض عليه وما يوجه إليه . ولكن في غير تعليق لحكمة التكليف الإلهي بهذا الذي يكشف عنه العلم البشري . فمجال هذا العلم محدود لا يتسع ولا يرتقي إلى استيعاب حكمة الله في كل ما يروض به هذا الكائن البشري . أو كل ما يروض به هذا الكون بطبيعة الحال :
( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ، لعلكم تتقون ، أياما معدودات ، فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ؛ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ؛ فمن تطوع خيرا فهو خير له ؛ وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون . شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان . فمن شهد منكم الشهر فليصمه ، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر . يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ، ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) . .
إن الله - سبحانه - يعلم أن التكليف أمر تحتاج النفس البشرية فيه إلى عون ودفع واستجاشة لتنهض به وتستجيب له ؛ مهما يكن فيه من حكمة ونفع ، حتى تقتنع به وتراض عليه .
ومن ثم يبدأ التكليف بذلك النداء الحبيب إلى المؤمنين ، المذكر لهم بحقيقتهم الأصيلة ؛ ثم يقرر لهم - بعد ندائهم ذلك النداء - أن الصوم فريضة قديمة على المؤمنين بالله في كل دين ، وأن الغاية الأولى هي إعداد قلوبهم للتقوى والشفافية والحساسية والخشية من الله :
( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )
وهكذا تبرز الغاية الكبيرة من الصوم . . إنها التقوى . . فالتقوى هي التي تستيقظ في القلوب وهي تؤدي هذه الفريضة ، طاعة لله ، وإيثارا لرضاه . والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية ، ولو تلك التي تهجس في البال ، والمخاطبون بهذا القرآن يعلمون مقام التقوى عند الله ، ووزنها في ميزانه . فهي غاية تتطلع إليها أرواحهم . وهذا الصوم أداة من أدواتها ، وطريق موصل إليها . ومن ثم يرفعها السياق أمام عيونهم هدفا وضيئا يتجهون إليه عن طريق الصيام . . ( لعلكم تتقون ) . .
{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون( 183 ) أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون( 184 ) }
فرض الله الصيام تهذيبا للنفس ، وتعويدا على الطاعة ، وتمرينا على تقوى الله ومراقبته .
وقد أثبت الطب الحديث أ للصيام فوائد طبية عدة فهو يفيد في علاج كثير من الأمراض كضغطك الدم وتصلب الشرايين والبول السكري ، ويصلح الجهاز الهضمي وهبوط القلب والتهاب المفاصل ويعطي الجسم الأنسجة فرصة للراحة والتخلص من كثير من الفضلات الضارة بالجسم كما أنه وقاية من كثير من الأمراض المختلفة( 59 ) .
وقد كان الصوم معروفا عند الأمم السابقة ، فقد عرف الصوم عند قدماء المصريين ، ومنهم انتقل إلى اليونان والرومان ولا يزال الهنود الوثنيون يصومون إلى الآن ، وفي التوراة مدح للصوم والصائمين وليس فيها م يدل عل أنه فرض ، وثبت أن موسى صام أربعين يوما ، كما أنه ليس في الإنجيل نص على فرضية الصوم ، بل فيه مدحه وعده عبادة . وأشهر صيام النصارى وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح ، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه موسى والحواريون ، وقد وضع رؤساء الكنيسة ضروبا أخرى من الصيام تختلف فيها المذاهب والطوائف :
{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون }
لقد فرض الله الصيام لتهذيب الإنسان وتربية المسلم وتصفية نفسه وإخلاص ضميره .
وقد أخبر الله أن الصوم عبادة معروفة عرفتها الأديان السابقة ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإسلامية .
وقد بين الله أن الصيام فرض علينا كما فرض على الأمم السابقة . لثارة الهمم والعزائم للنهوض بهذه العبادة وتسهيلا للصيام على المسلمين لأن الشيء الشاق تخف مشقته على الإنسان عندما يعلم أن غيره قد أداه من قبله .
ولما أباح{[7341]} سبحانه الأكل مما خلقه دليلاً على الوحدانية والرحمة العامة والخاصة ، وكان من طبع الإنسان الاستيثار ، وكان الاستيثار جارّاً إلى الفتن ، وأتبعه حكم المضطر ، وأشار إلى زجره عن العدوان بتقييده عنه في حال التلف ، فكان في ذلك زجر لغيره بطريق الأولى ، وأولاه الندب إلى التخلي عما دخل في اليد من متاع الدنيا للأصناف الستة ومن لافهم ، ثم الإيجاب بالزكاة تزهيداً في زهرة الحياة الدنيا ليجتث{[7342]} العدوان من أصله ، وقفى{[7343]} ذلك بحكم من قد يعدو ، ثم بما تبعه من التخلي عن المال في حضرة الموت فتدربت{[7344]} النفس في الزهد بما هو معقول المعنى بادىء بدء من التخلي{[7345]} عنه لمن ينتفع به ، أتبعه الأمر بالتخلي{[7346]} عنه لا لمحتاج إليه ، بل لله الذي أوجده لمجرد تزكية النفس وتطهيرها لتهيئها{[7347]} لما يقتضيه{[7348]} عليها صفة الصمدية من الحكمة ، هذا {[7349]}مع ما{[7350]} للقصاص والوصية{[7351]} من المناسبة للصوم ؛ من حيث إن في القصاص قتل النفس حساً ، وفي الصوم قتل الشهوة ، السبب للوطء السبب لإيجاد النفس حساً{[7352]} وفيه حياة الأجساد معنى وفي الصوم حياة الأرواح بطهارة القلوب وفراغها للتفكر{[7353]} وتهيئها لإفاضة الحكمة والخشية الداعية إلى{[7354]} التقوى وإماتة الشهوة ، وشهره{[7355]} شهر الصبر المستعان به على الشكر ، وفيه تذكير بالضّرّ{[7356]} الحاثّ على الإحسان إلى المضرور ، وهو مدعاة إلى التخلي من الدنيا والتحلي{[7357]} بأوصاف الملائكة ، ولذلك نزل فيه القرآن المتلقى{[7358]} من الملك{[7359]} ، فهو أنسب شيء لآية الوصية المأمور بها المتقون بالتخلي من الدنيا عند مقاربة الاجتماع بالملائكة ، وختمها بالمغفرة والرحمة إشارة إلى أن الصائم من أقرب الناس إليهما فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا{[7360]} } فخاطب بما يتوجه{[7361]} بادئ بدء{[7362]} إلى أدنى الطبقات التي التزمت أمر الدين{[7363]} لأنه{[7364]} لم يكن لهم باعث{[7365]} حب وشوق{[7366]} يبعثهم{[7367]} على فعله من غير فرض بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين والمحسنين فإنهم كانوا يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام ، فكانوا يصومون على قدر ما يجدون من الروح فيه - قاله{[7368]} الحرالي ، وقال : فلذلك{[7369]} لم ينادوا في{[7370]} القرآن نداء بعدٍ ولا ذكروا إلا ممدوحين ، والذين ينادون في القرآن هم الناس الذين انتبهوا لما أشار به بعضهم على بعض والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار متقاصرين عن البدار{[7371]} ، فلذلك كل نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين إلا{[7372]} ما توجه للإنسان بوصف{[7373]} ذم في قليل من الآي - انتهى{[7374]} .
كتب } أي فرض بما استفاض في لسان الشرع وتأيد بأداة الاستعلاء { عليكم الصيام } و{[7375]}هو الإمساك عن المفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بالنية{[7376]} وقال الحرالي{[7377]} : فرض لما فيه من التهيؤ لعلم الحكمة وعلم ما لم تكونوا تعلمون وهو الثبات على تماسك عما من شأن الشيء أن يتصرف{[7378]} فيه ويكون شأنه كالشمس في وسط السماء ، يقال : صامت{[7379]} - إذا لم{[7380]} يظهر لها{[7381]} حركة لصعود ولا لنزول التي هي{[7382]} من شأنها ، وصامت الخيل - إذا لم تكن{[7383]} مركوضة ولا{[7384]} مركوبة ، فتماسك{[7385]} المرء عما{[7386]} شأنه فعله من حفظ بدنه بالتغذي وحفظ نسله بالنكاح وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو صومه ، وفي الصوم{[7387]} خلاء من الطعام وانصراف عن حال الأنعام وانقطاع شهوات الفرج ، وتمامه الإعراض عن أشغال{[7388]} الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته ليحصل بذلك نبوع الحكمة من القلب ، وجعل كتباً حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا انشرم{[7389]} دينه كما ينشرم{[7390]} خرم{[7391]} القربة{[7392]} المكتوب {[7393]}فيها - انتهى{[7394]} .
كما كتب } أي فرض ، فالتشبيه في مطلق الفرض{[7395]} { على الذين } وكأنه أريد أهل الكتابين فقط{[7396]} وأثبت{[7397]} الحال{[7398]} فقال : { من قبلكم } فيه إشعار بأنه مما نقضوا فيه العهد فكتموه حرصاً على ضلال العرب ، ولما كان في التأسي{[7399]} إعلاء للهمة القاصرة وإسعار{[7400]} وإغلاء للقلوب الفاترة لأن الشيء الشاق إذا عم سهل{[7401]} تحمله قال : { لعلكم تتقون * } أي تجعلون بينكم وبين إسخاط الله وقاية بالمسارعة إليه والمواظبة عليه ، رجاء لرضى ربكم وخوفاً ممن{[7402]} سبق من قبلكم ، لتكون{[7403]} التقوى لكم صفة راسخة فتكونوا{[7404]} ممن جعلت الكتاب هدى لهم ، فإن الصوم يكسر الشهوة فيقمع الهوى فيروع{[7405]} عن موافقة{[7406]} السوء . قال الحرالي{[7407]} : وفي إشعاره تصنيف{[7408]} المأخوذين بذلك صنفين : من يثمر{[7409]} له صومه على وجه الشدة تقوى{[7410]} ، {[7411]}ومن لا يثمر له ذلك{[7412]} .