في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (182)

178

إلا حالة واحدة يجوز فيها للوصي أن يبدل من وصية الموصي . ذلك إذا عرف أن الموصي إنما يقصد بوصيته محاباة أحد ، أو النكاية بالوريث . فعندئذ لا حرج على من يتولى تنفيذ الوصية أن يعدل فيها بما يتلافى به ذلك الجنف ، وهو الحيف ، ويرد الأمر إلى العدل والنصف :

( فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه . إن الله غفور رحيم ) . .

والأمر موكول إلى مغفرة الله ورحمته لهذا ولذاك . ومشدود إلى مراعاة الله في كل حال ، فهي الضمان الأخير للعدل والإنصاف .

وهكذا نجد الأمر في الوصية مشدودا إلى تلك العروة التي شد إليها من قبل أمر القصاص في القتلى . والتي يشد إليها كل أمر في التصور الإيماني وفي المجتمع الإسلامي على السواء .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (182)

{ فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم }

المفردات :

خاف : علم .

الجنف : الخطأ .

الإثم : تعمد الإجحاف والإثم .

التفسير :

أي إن خرج الموصي في وصيته عن حدود العدل ورأى أمارات ذلك منه من يريد الإصلاح من الناس ، وتوقع أن شرا سيترتب على هذه الوصية التي فيها جور ، أو شاهد نزاعا بين الموصي والموصى لهم ، أن يرشد الموصى إلى سلوك طريق العدل الحق .

وعلى هذا المعنى يكون الضمير في قوله : بينهم . يعود على الموصي والموصى لهم .

ويرى جمهور العلماء أن هذه الآية الكريمة الواردة في الوصي أن الموصي إذ حاد في وصيته عن حدود العدل ، فللوصي حينئذ أن يصلح فيها بحيث يجعلها متفقة ما شرعه الله ، وهي في هذه الحالة لا إثم عليه لأنه قد غير الباطل بالحق ، وعلى الرأي بكون المعنى : أن الموصى إذا رأى الوصية ميلا عن الحق خطأ أو عمد وأصلح بين الموصي لهم بردهم إلى الوجه المشروع فلا إثم عليه في هذا التغيير في الوصية والضمير فيس قوله " بينهم " عائد إلى الموصي لهم .

ويتعلق بالآية ما يأتي :

1- الوصية للأقربين أولى من الأجانب فالصدقة على القريب صدقة وصلة رحم .

2- روى الفخر الرازي رأى أبى مسلم الأصفهاني في الوصية ، ومن رأيه أن الوصية للوارث باقية لم تنسخ ، ولا منافاة بينهما وبين الميراث فالميراث عطية من الله ، والوصية عطية من المالك للوارث ، فمن شاء أن يوصي لابن بار أو وارث أشد حاجة فله ذلك عنده( 56 ) .

3- قال العلماء : المبادرة بكتابة الوصية ليست مأخوذة من هذه الآية ، وإنما هي من حديث ابن عمر . وفائدتها : المبالغة في زيادة الاستيثاق ، وكونهما مكتوبة مشهود بها وهي الوصية المتفق على العمل بها فلو أشهد العدول وقاموا بتلك الشهادة لفظا لعمل بها وإن لم تكتب خطا( 57 ) .

4- روى الدار قطني عن أنس بن مالك قال : كانوا يكتبون في صدرهم وصاياهم : هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وإن الله يبعث من في القبور ، وأوصى من يترك بعده من أهله بتقوى الله حق تقاته وأن يصلحوا ذات بينهم : ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين( 58 ) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون . ( البقرة : 132 ) .

* * *

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (182)

ولما كان التحذير من{[7316]} التبديل إنما هو في عمل العدل وكان الموصي ربما{[7317]} جار في وصيته{[7318]} لجهل أو غرض تسبب عنه قوله{[7319]} : { فمن خاف } أي علم{[7320]} وتوقع وظن ، أطلقه عليه{[7321]} لأنه من أسبابه{[7322]} ، ولعله عبر بذلك{[7323]} إشارة إلى أنه يقنع فيه بالظن { من موص جنفاً } أي ميلاً في الوصية خطأ { أو إثماً } أي ميلاً فيها عمداً . قال الحرالي : وكان حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - انتهى . { فأصلح بينهم } أي بين{[7324]} الموصي والموصي لهم إن كان ذلك قبل موته بأن أشار عليه بما طابت به الخواطر ، أو بين الموصي لهم والورثة{[7325]} بعد موته إن خيف من وقوع شر فوفق{[7326]} بينهم على أمر يرضونه . وقال الحرالي : وفي إشعاره بذكر الخوف من الموصي ما{[7327]} يشعر أن ذلك{[7328]} في حال حياة الموصي ليس بعد قرار الوصية على جنف{[7329]} بعد الموت ، فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب ، وفي إيقاع الإصلاح على لفظة " بين " إشعار بأن{[7330]} الإصلاح {[7331]}نائل البين{[7332]} الذي هو وصل ما بينهم فيكون من معنى ما يقوله النحاة مفعول على السعة حيث لم يكن فأصلح {[7333]}بينه وبينهم{[7334]} - انتهى . { فلا إثم عليه } {[7335]}أي بهذا التبديل . ولما كان المجتهد قد يخطىء فلو أوخذ{[7336]} بخطئه{[7337]} أحجم عن الاجتهاد جزاه الله سبحانه عليه بتعليل رفع{[7338]} الإثم بقوله إعلاماً بتعميم{[7339]} الحكم في كل مجتهد : { إن الله } أي المختص بإحاطة العلم { غفور } أي لمن قصد خيراً فأخطأ { رحيم * } أي يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم{[7340]} .


[7316]:زيد من م وظ ومد.
[7317]:من م ومد وظ وفي الأصل: وبما.
[7318]:وقع في ظ: وظيفته – مصحفا.
[7319]:من م وظ ومد، وفي الأصل: بقوله.
[7320]:وقيل: يراد بالخوف هنا العلم أي فمن علم، وخرج عليه قوله تعالى "إلا أن يخافا إلا يقيما حدود الله" وقول أبي محجن: أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها والعلقة بين الخوف والعلم حتى أطلق على العلم الخوف أن الإنسان لا يخاف شيئا حتى يعلم أنه مما يخاف منه، فهو من باب التعبير بالمسبب عن السبب؛ وقال في المنتخب: الخوف والخشية يستعملان بمعنى العلم، وذلك لن الخوف عبارة عن حالة مخصوصة متولدة من ظن مخصوص، وبين الظن والعلم مشابهة في أمور كثيرة فلذلك صح إطلاق كل واحد منهما على الآخر – البحر المحيط 2 / 23
[7321]:ليس في م.
[7322]:العبارة من "وتوقع" إلى هنا ليست في ظ.
[7323]:في م ومد: به.
[7324]:في ظ: أسر.
[7325]:ليس فيظ.
[7326]:في الأصل: فوق، وفي ظ: فوقف، والتصحيح من م ومد.
[7327]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: بما.
[7328]:زيد من م ومد وظ.
[7329]:في م ومد وظ: حيف.
[7330]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لان.
[7331]:من م ومد وظ، وفي الأصل: قائل العين.
[7332]:من م ومد وظ، وفي الأصل: قائل العين.
[7333]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بينهم وبينه.
[7334]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بينهم وبينه.
[7335]:وقال أبو حيان الأندلسي: قال مجاهد: المعنى من خشي أن يجنف الموصى ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الإذاية أو يأتيها دون تعمد وذلك هو الجنف دون إثم فإذا تعمد فهو الجنف في إثم فوعظه في ذلك ورده فصلح بذلك ما بينه وبين ورثته فلا إثم عليه – البحر المحيط 2 / 23.
[7336]:من م ومد، وفي الأصل: أوجد وفي ظ: أوحذ.
[7337]:في م: بخطيه.
[7338]:في م: دفع.
[7339]:في م: بتعليل.
[7340]:هذه الآيات حاوية لما يطلب من المكلف من بدء حاله وهو الإيمان بالله وختم حاله وهو الوصية عند مفارقة هذا الوجود وما تخلل بينهما مما يعرض من مبار الطاعات وهنات المعاصي من غير استيعاب لأفراد ذلك بل تنبيها على أفضل الأعمال بعد الإيمان وهو إقامة الصلاة وما بعدها وعلى أكبر الكبائر بعد الشرك وهو قتل النفس، فتعالى من كلامه فصل وحكمه عدل – قاله أبو حيان في البحر المحيط 2 / 25 .