في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} (214)

204

وتنتهي هذه التوجيهات التي تستهدف إنشاء تصور إيماني كامل ناصع في قلوب الجماعة المسلمة . . تنتهي بالتوجه إلى المؤمنين الذين كانوا يعانون في واقعهم مشقة الاختلاف بينهم وبين أعدائهم من المشركين وأهل الكتاب ، وما كان يجره هذا الخلاف من حروب ومتاعب وويلات . . يتوجه إليهم بأن هذه هي سنة الله القديمة ، في تمحيص المؤمنين وإعدادهم ليدخلوا الجنة ، وليكونوا لها أهلا : أن يدافع أصحاب العقيدة عن عقيدتهم ؛ وأن يلقوا في سبيلها العنت والألم والشدة والضر ؛ وأن يتراوحوا بين النصر والهزيمة ؛ حتى إذا ثبتوا على عقيدتهم ، لم تزعزعهم شدة ، ولم ترهبهم قوة ، ولم يهنوا تحت مطارق المحنة والفتنة . . استحقوا نصر الله ، لأنهم يومئذ أمناء على دين الله ، مأمونون على ما ائتمنوا عليه ، صالحون لصيانته والذود عنه . واستحقوا الجنة لأن أرواحهم قد تحررت من الخوف وتحررت من الذل ، وتحررت من الحرص على الحياة أو على الدعة والرخاء . فهي عندئذ أقرب ما تكون إلى عالم الجنة ، وارفع ما تكون عن عالم الطين :

( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ، ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله ؟ ألا إن نصر الله قريب ) . .

هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى ، وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها ، وإلى سنته - سبحانه - في تربية عباده المختارين ، الذين يكل إليهم رايته ، وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته . وهو خطاب مطرد لكل من يختار لهذا الدور العظيم . .

وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة . . إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه . من الرسول الموصول بالله ، والمؤمنين الذين آمنوا بالله . إن سؤالهم : ( متى نصر الله ؟ )ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة . ولن تكون إلا محنة فوق الوصف ، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب ، فتبعث منها ذلك السؤال المكروب : ( متى نصر الله ؟ )

وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة . . عندئذ تتم كلمة الله ، ويجيء النصر من الله :

( ألا إن نصر الله قريب ) . .

إنه مدخر لمن يستحقونه . ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية . الذين يثبتون على البأساء والضراء . الذين يصمدون للزلزلة . الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة . الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله ، وعندما يشاء الله . وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها ، فهم يتطلعون فحسب إلى ( نصر الله ) ، لا إلى أي حل آخر ، ولا إلى أي نصر لا يجيء من عند الله . ولا نصر إلا من عند الله .

بهذا يدخل المؤمنون الجنة ، مستحقين لها ، جديرين بها ، بعد الجهاد والامتحان ، والصبر والثبات ، والتجرد لله وحده ، والشعور به وحده ، وإغفال كل ما سواه وكل من سواه .

إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة ، ويرفعها على ذواتها ، ويطهرها في بوتقة الألم ، فيصفو عنصرها ويضيء ، ويهب العقيدة عمقا وقوة وحيوية ، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها . وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجا كما وقع ، وكما يقع في كل قضية حق ، يلقي أصحابها ما يلقون في أول الطريق ، حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين . .

على أنه - حتى إذا لم يقع هذا - يقع ما هو أعظم منه في حقيقته . يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنتها ، وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة ، والحرص على الحياة نفسها في النهاية . . وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها ، وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء . كسب يرجح جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون ، والمؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته .

وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف . . وهذا هو الطريق . .

هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى ، وللجماعة المسلمة في كل جيل .

هذا هو الطريق : إيمان وجهاد . . ومحنة وابتلاء . وصبر وثبات . . وتوجه إلى الله وحده . ثم يجيء النصر . ثم يجيء النعيم . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} (214)

ابتلاء المؤمنين

{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب( 214 ) }

المفردات :

أم : تأتي بمعنى بل وهمزة الاستفهام ، ويرى أبو عبيدة أنها للاستفهام وحده .

حسبتم : ظننتم .

خلوا : مضوا .

البأساء : الفقر أو الحرب أو الشدة .

الضراء : المرض أو الضيق أو الضرر مطلقا .

زلزلوا : الزلزلة : الحركة الشديدة ، والمراد هنا : إصابتهم بالاضطراب النفسي الذي يهز النفس هزا عنيفا ويزعجها .

المعنى الإجمالي :

فهل حسبتم أن تدخلوا الجنة بمجرد إقراركم بكلمة الإسلام ، بدون أن تصابوا بمثل ما أصاب الذين كم قبلكم ، فقد أصابتهم الشدائد والنوازل وزلزلوا حتى بلغ بهم الأمر أن قال رسولهم نفسه ، وقالوا معه : متى نصر الله ؟ فيبر ربهم بوعده ، فيجابون عندئذ : بأن نصر الله قريب .

التفسير :

{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين من قبلكم . . . }

سبب النزول : قال قتادة والسدى وأكثر المفسرين : هذه الآية في غزوة الخندق إذا اجتمع المشركون مع أهل الكتاب ، وتحالفوا على الإيقاع بالمسلمين وقطع دابرهم ، وأصاب المؤمنين يومئذ ما أصابهم من الجهد والشدة والجوع والحاجة وضروب الإيذاء .

وقيل إن الآية نزلت في غزوة أحد ، حين غلب المشركون المؤمنين ، وشجوا رأس النبي صلى الله عليه وسلم وكسروا رباعيته( 154 ) .

وما ذكره المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة لا يمنع عمومها . وإنها تدعوا المؤمنين في كل وزمان ومكان إلى التذرع بالصبر والثبات تأسيا بمن سبقهم من المتقين ، حتى يفوز برضوان الله تعالى ونصره .

الصبر في القرآن :

حث القرآن الكريم على الصبر في أكثر من سبعين موضعا ، وبين أن الله خلق الإنسان للاختبار والابتلاء والامتحان ، فمن صبر وثبت نجح في الاختبار ، ومن هلع وسخط رسب في الاختبار .

ومن الآيات التي تؤيد هذا المعنى في القرآن الكريم قوله سبحانه : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } . ( آل عمران : 142 ) ، وهذه نزلت في غزوة أحد لا محالة .

وقال تعالى : { آلم*أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون*ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } . ( العنكبوت : 1-3 ) .

وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما يصيب المسلم من هم ولا حزن ولا تعب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ، ولا يزال البلاء يصيب المؤمن حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة( 155 ) .

معنى الجملة : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم }

بل أظننتم أنكم بمجرد إيمانكم تدخلون الجنة دون أن تتعرضوا للمشقة والابتلاء ، كما تعرض المؤمنون الأتقياء من الأمم السابقة .

{ مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر . . . }

أي أصابتهم الشدائد والأهوال ، وتعرضوا لفظائع الحروب الظاهرة والخفية ، واهتز كيانهم اهتزازا عنيفا ، حتى كاد اليأس يسيطر على نفوسهم ، وحتى تطلع الرسول والمؤمنون معه من هول ما قاسوه إلى الله ، استعجالا لنصره ، فهم لا يشكون في تحقيق وعده ، ولكنهم يتعجلون حدوثه .

قال الزمخشري : وقوله { وزلزلوا } : أي أزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة ، بما أصابهم من الأهوال والأقراع ، حتى يقول الرسول : أي الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها متى نصر الله ؟ أي بلغ بهم الضجر ، ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك ، ومعناه طلب النصر وتمنيه ، واستطالة زمان الشدة ، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدة وتماديه في العظم ، لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم ، واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم ، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمع وراءها( 156 ) .

والرسول هنا : للجنس لأن كل رسول جاهد في سبيل الله هو والمؤمنون به وتعرضوا للشدائد والأهوال ، فلجأوا إلى الله تعالى يطلبون نصره .

والرسول هنا : شعياء . وقيل أشعياء وقيل : اليسع وعلى التعيين يكون المراد من الذين خلوا قوما بأعيانهم وهم أتباع هؤلاء الرسل " ( 157 ) .

{ ألا إن نصر الله قريب }

إنه مدخر لمن يستحقونه ، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية ، الذين يثبتون على البأساء والضراء ، الذين يصمدون للزلزلة .

وفي هذه الجملة ألوان من المؤكدات والمبشرات بالنصر القريب ، منها إيثار الجملة الاسمية على الجملة الفعلية ، فلم يقل مثلا ستنصرون وتصدير الجملة بأداة الاستفتاح ، ووقوع إن المؤكدة بعد أداة الاستفتاح وإضافة النصر إلى الله القادر على كل شيء .

وبذلك نرى أن الآيات من قوله تعالى : { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا . . . } إلى هنا ، قد بينت لنا أقسام الناس في هذه الحياة ودعت المؤمنين إلى أن يتمسكوا بجميع تعاليم الإسلام ، وأن يزهدوا في زينة الحياة التي شغلت المشركين عن كل شيء سواها ، وأن يشكروا الله على هدايته لهم إلى الحق الذي اختلف فيه غيرهم ، وأن يوطنوا النفس على تحمل الآلام لكي يحقق الله لهم الآمال .

ثم أرشد الله تعالى المؤمنين بعد ذلك إلى أن مما يعنيهم على دفع الأذى وعلى دحر أعدائهم أن يبذلوا أموالهم في طاعة الله ، وأن يعدوا أنفسهم للقتال في سبيله .

* * *

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} (214)

فكان كأنه قيل في جواب ذلك{[9450]} عدولاً عن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم المقول له { سل بني إسرائيل{[9451]} } [ البقرة : 212 ] إلى{[9452]} خطاب الأتباع تشريفاً له عن ذلك ورفعاً لهممهم بالمواجهة بالخطاب والتأسية بمن{[9453]} مضى من أولي الألباب تنشيطاً لهم وتقوية لعزائمهم : أحسبتم أنا لا نرسل الرسل لتمييز الخبيث من الطيب { أم حسبتم{[9454]} } بعد إرسالهم أن الأمر هين بأن تنالوا السعادة بلا اجتهاد في العبادة . قال الحرالي : هو مما منه الحسبان وهو {[9455]} ما تقع{[9456]} غلبته فيما هو من نوع المفطور عليه المستقر عادته ، والظن الغلبة فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل والعلم ؛ فكأن ضعف علم العالم ظن وضعف عقل العاقل حسبان - انتهى . وهذا الذي قدرته هو معنى{[9457]} { أن تدخلوا الجنة } أي التي هي نعيم دائم { و } الحال أنه { لما يأتكم مثل{[9458]} } أي وصف { الذين خلوا } {[9459]} ولما كان القرب في الزمان أشد في التأسية أثبت الجار فقال{[9460]} : { من قبلكم }{[9461]} أي يقص{[9462]} عليكم لتعلموا{[9463]} به أو{[9464]} يصيبكم ما أصابهم من الأحوال الغريبة والقضايا{[9465]} العجيبة التي هي في غرابتها كالأمثال{[9466]} . وقال الحرالي : وأم عطف على أمور يفهمها مبدأ الخطاب كأنه يقول : أحسبتم أن تفارق أحوالكم أحوال الأمم الماضية في حكمة الله وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلاً إلى ما{[9467]} يستجره معنى{[9468]} الخطاب إجمالاً وتفصيلاً في واقع الدنيا من شدائدها{[9469]} وحرها وبردها وضيق عيشها وأنواع أذاها وحال البرزخ وحال النشر والحشر إلى ما وراء ذلك إلى غاية دخول الجنة فكان عند انتهاء ذلك بادئة خطاب { أم حسبتم } تجاوزاً لما بين أول{[9470]} البعث وغاية دخول الجنة - انتهى{[9471]} . {[9472]} ونبهت لما التي فيها معنى التوقع لأنها في النفي نظيرة قد في الإثبات على أنه كان ينبغي لهم أن يكون دخولهم في الدين على بصيرة من حصول الشدائد لكثرة المخالف والمعاند فيكونوا متوقعين في كل وقت مكابدة القوارع وحلول الصوادع والصوارع ليكون ذلك أجد{[9473]} في أمرهم وأجدر لهم بالثبات والارتقاء إلى أعلى الدرجات .

ولما كان كأنه قيل : ما ذلك المثل ؟ أجيب بيانا{[9474]} ً بقوله : { مستهم البأساء } أي المصائب في الأموال { والضراء } أي{[9475]} في الأنفس - نقله أبو عبيد الهروي عن الأزهري ، والأحسن عندي{[9476]} عكسه ، لأن البأس كثير الاستعمال في الحرب والضر كثير الاستعمال في الفقر ؛ أي جزاء لهم كما{[9477]} قال الحرالي على ما{[9478]} غيروا مما{[9479]} يجلب كلاًّ{[9480]} منهما ولكل عمل جزاء { وزلزلوا } لأمور باطنة من خفايا القلوب انتهى . {[9481]}والمعنى أنهم أزعجوا بأنواع البلايا والرزايا والأهوال والأفزاع إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة التي تكاد تهد الأرض وتدك الجبال { {[9482]} حتى يقول{[9483]} } رفعه نافع{[9484]} على حكاية الحال في وقتها بمعنى أن الغاية والمغيا{[9485]} قد{[9486]} وجدا ومضيا فهما ماضيان{[9487]} وكأنك تحكي{[9488]} ذلك حين وقوعه مثل من يقول عن مريض يشاهده : مرض حتى لا يرجونه ، فإن النصب بتقدير أن وهي علم الاستقبال فهي لا تنصب إلا مضارعاً بمعناه ؛ ونصبه{[9489]} الجماعة على حكاية الحال أيضاً لكن بتقدير أن الزلزال مشاهد والقول منتظر حقق ذلك المتبين{[9490]} {[9491]} حتى يقول{[9492]} : { الرسول{[9493]} } وهو أثبت الناس { والذين آمنوا معه } وهم الأثبت بعده لطول تمادي الزمان فيما مسهم وعبر بالمضارع تصويراً لحالهم وإشارة إلى تكرير ذلك من مقالهم . وقال الحرالي : فذكر قول الرسول الواقع في رتبة الذين آمنوا معه لا قوله فيما يخصه في ذاته وحده ومن هو منه أو متبعه ، لأن للنبي ترتباً فيما يظهر من قول وفعل مع رتب أمته{[9494]} ، فكان قول الرسول المنبىء{[9495]} عن حالهم { متى نصر الله{[9496]} } فكأنهم في مثل ترقب المتلدد الحائر الذي كأنه وإن وعد بما هو الحق يوقع له التأخير صورة الذي{[9497]} انبهم عليه الأمر لما يرى من اجتثاث{[9498]} أسباب الفرج ، ففي إشعاره إعلام بأن الله سبحانه وتعالى إنما يفرج عن أنبيائه ومن معهم بعد انقطاع أسبابهم ممن سواه ليمتحن قلوبهم للتقوى فتتقدس{[9499]} سرائرهم من الركون{[9500]} لشيء من الخلق وتتعلق{[9501]} ضمائرهم بالله تعالى وحده حتى يقول صلى الله عليه وسلم : " لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده{[9502]} " إعلاماً بأن الله سبحانه وتعالى ناصره دون حجاب ولا وسيلة شيء من خلقه ، كذلك سنته{[9503]} مع رسله

{ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا{[9504]} } [ غافر : 51 ] وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل الكرامات لا يكاد يقع لهم إلا عن ضرورة قطع الأسباب ، وفي قراءة النصب إعراب بأن غاية الزلزال القول ، وفي الرفع إعراب عن غاية الزلزال وأنه أمر مبهم ، له وقع في البواطن والظواهر ، أحد تلك الظواهر وقوع هذا القول ، ففي الرفع إنباء باشتداد الأمر بتأثيره في ظاهر القول وما وراءه{[9505]} - انتهى . {[9506]} وهو في النصب واضح فإن حتى مسلطة على الفعل ، وأما في الرفع فهي مقطوعة عن الفعل لأنها لم تعمل فيه لمضيه لتذهب النفس في{[9507]} الغاية كل مذهب ثم{[9508]} استؤنف شيء من بيانها بالفعل .

ولما كان معنى الكلام طلب النصر{[9509]} واستبطاء الأمر{[9510]} أجابهم تعالى إجابة المنادي في حال اشتداد الضر{[9511]} بقوله : { ألا } قال الحرالي : استفتاحاً وتنبيهاً {[9512]} وجمعاً{[9513]} للقلوب للسماع { إن } تأكيداً وتثبيتاً { نصر الله } الذي لا سبب له إلا العناية {[9514]} من ملك الملوك{[9515]} بعد قطع كل سبب من دونه { قريب * } لاستغنائه عن عدة ومدة ، ففي جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدد والآلات{[9516]} المتعبة{[9517]} ، والاستغناء بتعلق القلوب بالله ، ولذلك إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها ، لأن{[9518]} نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام ، فلذلك تفتح خاتمة هذه الأمة " قسطنطينية{[9519]} الروم بالتسبيح والتكبير " قال صلى الله عليه وسلم : " إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " فانعطف ذلك على ما أراده الله تبارك وتعالى بأنبيائه وأصفيائه من اليسر الذي كماله لهذه الأمة فأراد بهم اليسر في كل حال - انتهى . وفي{[9520]} بعض الآثار{[9521]} : إنما تقاتلون الناس بأعمالكم ، والحاصل أنه لا يكفي مجرد ادعائهم الدخول في السلم بل لا بد من إقامة البينة بالصبر على ما يمتحنهم كما امتحن الأمم الخالية والقرون الماضية ، فانظر{[9522]} هذا التدريب في مصاعد{[9523]} التأديب ، وتأمل كيف ألقي إلى العرب وإن كان الخطاب لمن آمن ذكر القيامة في قوله : { والذين اتقوا{[9524]} فوقهم يوم القيامة } [ البقرة : 212 ] والجنة في قوله : { أن تدخلوا الجنة{[9525]} } [ البقرة : 214 ] وهم ينكرونهما{[9526]} إلقاء ما كأنه محقق لا نزاع فيه تأنيساً لهم بذكرهما ، وانظر{[9527]} ما في ذلك من بدائع الحكم .


[9450]:العبارة من هنا إلى "لعزائمهم" ليست في ظ.
[9451]:سورة 2 آية 211.
[9452]:في الأصل: أي، والتصحيح من م ومد.
[9453]:في الأصل: بمنى، والتصحيح من م ومد.
[9454]:نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصاب من الجهد وشدة الخوف والبرد وأنواع الأذى كما قال تعالى: "وبلغت القلوب الحناجر" – قاله قتادة والسدي أو في حرب أحد قتل فيها جماعة من المسلمين وجرت شدائد حتى قال عبد الله بن أبي وأصحابه: إلى متى تقتلون أنفسكم وتهلكون أموالكم؟ لو كان محمد نبيا لما سلط عليكم أنفسكم بالباطل؟ أو في أول ما هاجروا إلى المدينة دخلوها بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين – رضي الله تعالى عنهم – فأظهرت اليهود العداوةوأسر قوم النفاق – قاله عطاء. قيل ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه قال "يهدي من يشاء" والمراد إلى الحق الذي يفضي اتباعه إلى الجنة فبين أن ذلك لا يتم إلا باحتمال الشدائد والتكليف، أو لما بين أنه هداهم بين أنه بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق فكذا أنتم أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن – البحر المحيط 2 / 139.
[9455]:في ظ: مما يقع.
[9456]:في ظ: مما يقع.
[9457]:من م وظ ومد، وفي الأصل: بمعنى.
[9458]:هكذا ثبت هنا في م ومد وظ، أخره في الأصل عن "وصف".
[9459]:سقطت من ظ.
[9460]:سقطت من ظ.
[9461]:العبارة من هنا إلى "كالأمثال" ليست في ظ.
[9462]:من م ومد، وفي الأصل: تقص.
[9463]:في الأصل: لتعلموا، والتصحيح من م ومد.
[9464]:في م: و.
[9465]:في م: البلايا.
[9466]:في الأصل:كالإقبال، والتصحيح من م ومد.
[9467]:من م ومد وظ، غير أن في ظ: يستجرها، وفي الأصل: يستحق بمعنى.
[9468]:من م ومد وظ،، غير أن في ظ، يستجرها وفي الأصل: يستحق بمعنى.
[9469]:في م: حدائدها.
[9470]:زيد من ظ ومد.
[9471]:قال أبو حيان الأندلسي: في "أم" هنا أربعة أقوال، الانقطاع على أنها بمعنى بل والهمزة والاتصال على إضمار جملة قبلها والاستفهام بمعنى الهمزة والإضراب بمعنى بل، والصحيح هو القول الأول مفعولا حسبتم سدت أن مسدهما...." ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم" الجملة حال، التقدير: غير آتيكم الذين خلوا من قبلكم، أي أن دخول الجنة لا بد أن يكون على ابتلاء شدائد وصبر على ما ينال من أذى الكفار والفقر والمجاهدة في سبيل الله وليس ذلك على مجرد الإيمان فقط بل سبيلكم في ذلك سبيل من تقدمكم من أتباع الرسل، خاطب بذلك الله تعالى عباده المؤمنين متلفتا إليهم على سبيل التشجيع والتثبيت لهم وإعلاما لهم أنه لا يضر كون أعدائكم لا يوافقون فقد اختلفت الأمم على أنبيائها وصبروا حتى أتاهم النصر – البحر المحيط 2 / 139 و 140.
[9472]:العبارة من هنا إلى "أعلى الدرجات" ليست في ظ.
[9473]:من م ومد وفي الأصل: أجدر.
[9474]:ليس في ظ، وزيد بعده في م: له.
[9475]:ليس في ظ.
[9476]:من م ومد وظ، وفي الأصل: عنده.
[9477]:في ظ: كمال.
[9478]:في م: غير وإنما.
[9479]:في م: غير وإنما.
[9480]:في م: كل.
[9481]:العبارة من هنا إلى "ذلك المتبين" ليست في ظ.
[9482]:من م ود وفي الأصل: وزلزلوا – كذا.
[9483]:من م ومد وفي الأصل: وزلزلوا –كذا.
[9484]:ليس في مد.
[9485]:من م ومد، وفي الأصل: والمعنى.
[9486]:ليس في م ومد.
[9487]:من م ومد، وفي الأصل: ماضيات.
[9488]:من م ومد، وفي الأصل: يحكي.
[9489]:في البحر المحيط 2 / 140: قرأ الأعمش: وزلوا ويقول الرسول – بالواو بدل: حتى، وفي مصحف عبد الله: وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول الرسول: وقرأ الجمهور: حتى والفعل بعدها منصوب إما على الغاية وإما على التعليل، أي وزلزلوا أن يقول الرسول، أو وزلزلوا كي يقول الرسول، والمعنى الأول أظهر لأن المس والزلزال ليسا معلومين لقول الرسول والمؤمنين، وقرأ نافع برفع "يقول" بعد "حتى" وإذا كان المضارع بعد فعل حتى حال فلا يخلو أن يكون حالا في حين الإخبار نحو: مرض حتى لا يرجونه وإما أن يكون حالا قد مضت فيحكيها على ما وقعت فيرفع الفعل على أحد هذين الوجهين والمراد به هنا المضى فيكون حالا محكية إذ المعنى وزلزلوا فقال الرسول.
[9490]:في م ومد: المين.
[9491]:كذا في الأصل، وليس في بقية الأصول.
[9492]:كذا في الأصل، وليس في بقية الأصول.
[9493]:أخره في الأصل عن "الناس" والتصحيح من م ومد وظ.
[9494]:من ظ ومد، وفي الأصل وم: أمة.
[9495]:من م، وفي ظ: المنبئ وفي مد: المبنى، وفي الأصل: النبي.
[9496]:متى سؤال عن الوقت، فقيلذلك على سبيل الدعاء لله تعالى والاستعلام لوقت النصر، فأحابهم الله تعالى فقال: "إلا أن نصر الله قريب"، وقيل ذلك على سبيل الاستبطاء إذ ما حصل لهم من الشدة والابتلاء والزلزال هو الغاية القصوى وتناهي ذلك وتمادي بالمؤمنين إلى أن نطقوا بهذا الكلام فقيل ذلك لهم غجابة لهم إلى طلبهم من تعجيل النصر، والذي يقتضيه النظر أن تكون الجملتان داخلتين تحت القول وأن الجملة الأولى من قول المؤمنين، قالوا ذلك استبطاء للنصر وضجرا مما نالهم من الشدة، والجملة الثانية من قول رسولهم إجابة لهم وإعلاما بقرب النصر، فتعود كل جملة لمن يناسبها وصح نسبة المجموع للمجموع لا نسبة المجموع لكل نوع من القائلين – البحر المحيط 2 / 140.
[9497]:من م وظ ومد، وفي الأصل: للذي.
[9498]:من م ومد وظ، وفي الأصل: اختناث.
[9499]:في ظ: فيتقدس.
[9500]:في ظ ومد: المركون، وفي الأصل وم: الركوب.
[9501]:في ظ: يتعلق.
[9502]:العبارة من هنا إلى "إنا" ليست في مد.
[9503]:من م وظ، وفي الأصل: سنة.
[9504]:سورة 40 آية 51.
[9505]:في الأصل: رواه زالتصحيح من بقية الأصول.
[9506]:العبارة من هنا إلى "استبطاء الأمر" ليست في ظ.
[9507]:من مد وفي الأصل وم: من.
[9508]:زيد من م ومد.
[9509]:من م ومد، وفي الأصل: النفس – كذا.
[9510]:زيد في ظ "ثم".
[9511]:في ظ: الأمر.
[9512]:من م وظ ومد، وفي الأصل: وجها.
[9513]:من م وظ ومد، وفي الأصل: وجها.
[9514]:ليس في ظ.
[9515]:ليس في ظ.
[9516]:في مد: الآيات.
[9517]:من م وظ، وفي مد: المتعبة، وفيالأصل: المتعقبة.
[9518]:في ظ: لا.
[9519]:من م ومد، وفي الأصل: قسطنطنية، وفي ظ: قسطنطينة.
[9520]:في م: عن.
[9521]:في م: الإنصار، وفي ظ: الأخبار.
[9522]:في م: فانظروا.
[9523]:من م وظ ومد، وفي الأصل: مساعد.
[9524]:في الأصل: آمنوا، والتصحيح من م ومد وظ – راجع سورة 2 آية 212.
[9525]:سورة 2 آية 214.
[9526]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ينكرونها.
[9527]:في م: فانظر.