( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ، لتحكم بين الناس بما أراك الله ، ولا تكن للخائنين خصيما . واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما . ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ، إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما . يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله . وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول - وكان الله بما يعملون محيطا . ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة ؟ أم من يكون عليهم وكيلا ؟ ) .
إننا نحس في التعبير صرامة ، يفوح منها الغضب للحق ، والغيرة على العدل ؛ وتشيع في جو الآيات وتفيض منها :
وأول ما يبدو هذا في تذكير رسول الله [ ص ] بتنزيل الكتاب إليه بالحق ليحكم بين الناس بما أراه الله .
105 _ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا .
اختار الله رسوله بشرا من بين الناس ؛ ليكون قدوة عملية في سلوكه وله أن يجتهد في الحكم بين الناس وهذا هو رأي الجمهور .
وقال بعضهم : ليس له أن يجتهد ؛ لأن الوحي قطعى ، والاجتهاد ظني .
و أجيب عن ذلك بأن الوحي قد لا ينزل عليه في كل وقت ؛ فقد تأخر عنه الوحي خمسة عشر يوما . ثم إن الاجتهاد من صفة العلماء إذا توفرت لديهم شروطه و الرسول نوع مختار من البشر يتمتع بالذكاء والفطنة والأمانة فهو أولى أن يتمتع بهذه النعمة ، و أن يعمل عقله في ما لم ينزل عليه وحي بشأنه .
فإذا تخاصم إليه رجلان فمن حقه أن يقضي بينهما ، بما ينقدح في ذهنه بأنه الحق والصواب ، ولا يجب عليه انتظار الوحي ؛ لان الوحي من شئون الرسالة والدين ونظام التشريعة . أما شئون الدنيا والقضاء بين الناس في خصوماتهم العادية ، فهو من شئون الناس ؛ والرسول صلى الله عليه وسلم يقضي بينهم بأصول دينه الذي أوحى إليه ، وبما ينقدح في دهنه من الحكم بعد الاستماع إلى أطراف القضية .
وقد ساق الإمام ابن كثير في تفسيره طائفة من الأحداث تتعلق بهذه الآية . منها ما تبث في الصحيحين عن أم سلمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته فخرج إليهم فقال : ( ( ألا إنما أنا بشر و إنما أقضى بنحو ما أسمع ولعل أحدكم أن أن يكون ألحن بحجته من بعض ؛ فأقضى له ، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها ! ) ){[84]}
سبب نزول هذه الآية وما بعدها :
ذكر ابن الجوزي ثلاثة أقوال في سبب نزول هذه الآية .
وقال ابن كثير : ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدى وابن زيد وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة .
جمهور العلماء على أن المشار إليه بالاستخفاء والتبييت : قوم طعمة بن أبيرق وقد بيتوا : احتيالهم في براءة أصحابهم بالكذب .
أن طعمة بن أبيرق سرق درعا لقتاده بن النعمان ؛ وكان الدرع في جراب فيه دقيق ؛ فجعل الدقيق ينتشر من خرق في الجراب ، حتى انتهى إلى الدار ، ثم خبأها عند رجل من اليهود ، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده ، وحلف : مالى بها علم ، فقال أصحابها : بلى و الله ، لقد دخل علينا فأخدها ، وطلبنا أثره حتى دخل داره ، فرأينا أثر الدقيق ، فلما حلف تركوه ، واتبعوا أثر الدقيق ؛ حتى انتبهوا إلى منزل اليهودي فأخدوه ، فقال : دفعها إلى طعمة بن أبيرق ، فقال قوم طعمة : انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ حتى نبرئ صاحبنا وندافع عنه ، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كلامهم ، وهم أن يجادل عن طعمة بن أبيرق ، و أن يعاقب اليهودي ؛ فنزلت هذه الآيات كلها ؛ تبرئ اليهودي وتطلخ طعمة بعار السرقة {[85]} وفي ذلك نلمح صدق القرآن فهو يتحيز إلى الحق ، ويدافع عن يهودي برئ ، ويوجه الا تهام إلى مسلم خائن ؛ لأن القرآن كلام الله الحق ، ومن أصدق من الله حديثا ؟ !
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّه .
إنا أنزلنا إليك القرآن الكريم ناطقا بالحق ، داعيا إليه وإلى التمسك به ؛ لتحكم بين الناس على اختلاف عقائدهم ، بما عرفك الله وأوحى به إليك ، ولا تكن مجادلا عن الخائنين ؛ فينتصروا على البرءاء .
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ . أي : لتقضي بينهم ، وفي قوله : بما أراك الله . قولان :
أحدهما : أنه الذي علمه ، والذي علمه ألا يقبل دعوى أحد على أحد إلا ببرها .
والثاني : أنه مما يؤدي إليه اجتهاده {[86]} .
وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا .
قال الزجاج : لا تكن مخاصما ، ولا دافعا عن خائن ، واختلفوا هل خاصم عنه أم لا على قولين :
أحدهما : أنه قام خطيبا فعذره .
والثاني : أنه هم بذلك ولم يفعله .
قال القاضي أبو يعلي : وهذه الآية تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في إثبات حق أو نفيه ، وهو غير عالم بحقيقة أمره ؛ لأن الله تعالى عاتب نبيه على مثل ذلك .
ولما كان أول هذه القصص{[22567]} والتعجيب من حال الذين أوتوا نصيباً من الكتاب في ضلالهم وإضلالهم ، ثم التعجيب من إيمانهم بالجبت والطاغوت ، ثم التعجيب من حال من ادعى الإيمان بهذا الكتاب مع الكتب السالفة ، ثم رضي بحكم غيره ، وساق سبحانه وتعالى أصول ذلك وفروعه ، ونصب الأدلة حتى علت على الفرقدين ، وانتشر ضياؤها على جميع الخافقين ، وختم ذلك بمجاهدة المبطلين بالحجة والسيف ، وسوّر ذلك بصفتي العلم والحكمة ؛ ناسب أتم مناسبة الإخبار بأنه أنزل هذا{[22568]} الكتاب بالحق ، وبين فائدته التي عدل عنها المنافقون في استحكام غيره فقال : { إنا أنزلنا } أي بما لنا من العظمة التي تتقاصر دونها كل عظمة { إليك } أي خاصة وأنت أكمل الخلق { الكتاب } أي الكامل الجامع لكل خير { بالحق } أي ملتبساً بما يطابقه الواقع { لتحكم بين الناس } أي عامة ، لأن دعوتك عامة فلا أضل ممن عدل عن {[22569]}حكمك وابتغى{[22570]} خيراً من غير كتابك ، وأشار إلى أنه لا ينطق عن الهوى بقوله : { بما أراك الله } أي عرفكه الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل ، فإن كان قد بين لك شيئاً غاية البيان فافعله ، وإلا فانتظر منه البيان ؛ ثم شرع سبحانه وتعالى في إتمام ما بقي من أخبارهم ، وكشف ما بطن من أسرارهم ، وبيان علاماتهم ليعرفوا ، ويجتنبها المؤمنون لئلا يوسموا بميسمهم .
ولما كان سبحانه وتعالى قد خفف عليه صلى الله عليه وسلم {[22571]}بأن شرع له القناعة في الحكم بالظاهر وعدم التكليف بالنقب عن {[22572]}سرائرهم{[22573]} بالدفع عن طعمة بن أبيرق ، لأن أمره كان مشكلاً ، فإنه سرق درعاً وأودعها{[22574]} عند يهودي ، فوجدت عنده فادعى أن طعمة أودعها عنده ، ولم يثبت ذلك على طعمة حتى أنزل الله سبحانه وتعالى الآية ، فأراد تعالى إنزاله في هذه النازلة وغيرها مما يريده سبحانه وتعالى في المقام الخضري من الحكم بما في نفس الأمر مما{[22575]} لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى إذ كان الصحيح الذي عليه الجمهور - كما نقله شيخنا قاضي الشافعية بمصر أبو الفضل{[22576]} أحمد بن علي بن حجر رحمه الله تعالى في الإصابة في أسماء {[22577]}الصحابة - أن الخضر عليه الصلاة والسلام نبي ، وكان نبينا{[22578]} صلى الله عليه وسلم قد أعطى مثل جميع معجزات الأنبياء صلوات الله عليهم مع ما اختص به دونهم - على جميعهم أفضل الصلاة وأتم التسليم والبركات ، فقال تعالى عاطفاً على ما علم{[22579]} تقديره من نحو : فاحكم{[22580]} بما نريك{[22581]} من بحار العلوم التي أودعناها هذا الكتاب : { ولا تكن للخائنين } أي لأجلهم{[22582]} ، من طعمة وغيره { خصيماً * } أي مخاصماً لمن يخاصمهم ،