على أن الإسلام لا يغلق الأبواب في وجه الخاطئين والخاطئات ، ولا يطردهم من المجتمع إن أرادوا أن يعودوا إليه متطهرين تائبين ، بل يفسح لهم الطريق ويشجعهم على سلوكه . ويبلغ من التشجيع أن يجعل الله قبول توبتهم - متى أخلصوا فيها - حقا عليه سبحانه يكتبه على نفسه بقوله الكريم . وليس وراء هذا الفضل زيادة لمستزيد .
( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب . فأولئك يتوب الله عليهم . وكان الله عليما حكيما . وليست التوبة للذين يعملون السيئات ، حتى إذا حضر أحدهم الموت قال : إني تبت الآن ، ولا الذين يموتون وهم كفار . أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ) .
ولقد سبق في هذا الجزء حديث عن التوبة . في ظلال قوله تعالى في سورة آل عمران : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم . . . ) وهو بجملته يصح نقله هنا ! ولكن التعبير في هذه السورة يستهدف غرضا آخر . . يستهدف بيان طبيعة التوبة وحقيقتها :
إن التوبة التي يقبلها الله ، والتي تفضل فكتب على نفسه قبولها هي التي تصدر من النفس ، فتدل على أن هذه النفس قد أنشئت نشأة أخرى . قد هزها الندم من الأعماق ، ورجها رجا شديدا حتى استفاقت فثابت وأنابت ، وهي في فسحة من العمر ، وبحبوحة من الأمل ، واستجدت رغبة حقيقية في التطهر ، ونية حقيقية في سلوك طريق جديد . .
( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم . وكان الله عليما حكيما ) . .
والذين يعلمون السوء بجهالة هم الذين يرتكبون الذنوب . . وهناك ما يشبه الإجماع على أن الجهالة هنا معناها الضلالة عن الهدى - طال أمدها أم قصر - ما دامت لا تستمر حتى تبلغ الروح الحلقوم . . والذين يتوبون من قريب : هم الذين يثوبون إلى الله قبل أن يتبين لهم الموت ، ويدخلوا في سكراته ، ويحسوا أنهم على عتباته . فهذه التوبة حينئذ هي توبة الندم ، والانخلاع من الخطيئة ، والنية على العمل الصالح والتكفير . وهي إذن نشأة جديدة للنفس ، ويقظة جديدة للضمير . . ( فأولئك يتوب الله عليهم ) . . ( وكان الله عليما حكيما ) . . يتصرف عن علم وعن حكمة . ويمنح عباده الضعاف فرصة العودة إلى الصف الطاهر ، ولا يطردهم أبدا وراء الأسوار ، وهم راغبون رغبة حقيقية في الحمى الآمن والكنف الرحيم .
إن الله - سبحانه - لا يطارد عباده الضعاف ، ولا يطردهم متى تابوا إليه وأنابوا . وهو - سبحانه - غني عنهم ، وما تنفعه توبتهم ، ولكن تنفعهم هم أنفسهم ، وتصلح حياتهم وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه . ومن ثم يفسح لهم في العودة إلى الصف تائبين متطهرين .
{ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهلة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال أني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما } .
السوء : القبح والمراد المعاصي مطلقا .
بجهالة : الجهالة : الجهل والسفه وارتكاب ما لا يليق بالعقلاء وليس المراد عدم العلم فإن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة وقال الزجاج الجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية .
{ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهلة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما } .
إنما قبول التوبة كائن أو مستقر على الله تعالى لعباده الذين يعملون السيئات في حال الحماقة والطيش وعدم التبصر ثم يبادرون بالتوبة قبل حضور الموت ، فهؤلاء يقبل الله توبتهم ، وهو عليم لا يخفى عليه صدق التوبة حكيم لا يخطئ في تقدير .
فتح الله باب التوبة على مصراعيه ودعا عباده إلى التوبة وتعهد بقبولها من التائبين وذلك أن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .
ولم يجعل الله وسطاء بينه وبين عباده فقد خلقهم ورزقهم وهو اعلم بهم وفي القرآن الكريم آيات عديدة تحث على التوبة وتدعو إليها ، وتبين فضل الله العظيم في قبولها .
قال تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } ( الزمر 53 ) .
وقال سبحانه : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكورا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . ( آل عمران 135 ) .
وقال عز شأنه : { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو اعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى } . ( النجم 32 ) .
وفي الحديث الصحيح : " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فينادي : أي عبادي هل من داع فأستجيب له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ حتى يطلع الفجر . . . " .
وروى الأمام أحمد في مسنده أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله عز وجل : " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تضلون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم . . " 58
{ إنما التوبة على الله للذين يعلمون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب59 .
ومعنى ثم يتوبون في زمن قريب من وقت عمل السوء ولا يسترسلون في الشر استرسالا ويستثمرونه ويتعودون عليه دون مبالاة .
ولا شك انه متى جدد الإنسان توبته الصادقة في أعقاب ارتكابه للمعصية ، كان أرجى لقبولها عند الله تعالى وهذا ما يفيده ظاهر الآية .
ومنهم من فسر قوله : من قريب . ما قبل حضور الموت وإلى هذا المعنى ذهب صاحب الكشاف فقال : " من قريب أي من زمان قريب والزمان القريب : ما قبل حضرة الموت ، ألا ترى إلى قوله : " حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن .
. . " فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة فبقي ما وراء ذلك في حكم القريب .
وجاء في تفسير ابن كثير ما يفيد أن التوبة من قريب أي قبل الموت ، ونقل من الآثار والأحاديث النبوية الشريفة ما يؤيد ذلك . فقال عن ابن عباس : ثم يتوبون من قريب قال : ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت .
وقال الضحاك : ما كان دون الموت فهو قريب .
وقال قتادة والسدى : ما دام في صحته .
وقال الحسن البصري : ثم يتوبون من قريب . ما لم يغرغر60 .
روى الإمام أحمد عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " 61 .
ولما ختم ذلك{[20795]} بذكر توبة الزناة ، وكان الحامل على الزنى - على ما يقتضيه الطبع البشري{[20796]} - شدة الشبق وقلة النظر في العواقب ، وكان ذلك إنما هو في الشباب{[20797]} ؛ وصل بذلك قوله تعالى معرفاً بوقت التوبة وشرطها مرغباً في تعجيلها مرهباً من تأخيرها : { إنما التوبة } وهي رجوع العبد عن المعصية اعتذاراً إلى الله تعالى ، والمراد هنا قبولها ، سماه باسمها{[20798]} لأنها بدون القبول لا نفع لها ، فكأنه لا حقيقة لها .
ولما شبه قبوله لها بالواجب من حيث إنه بها ، لأنه لا يبدل القول لديه ؛ عبر بحرف الاستعلاء المؤذن بالوجوب حثاً عليها وترغيباً فيها فقال : { على الله } أي الجامع بصفات الكمال { للذين يعملون السوء } أيَّ سوء كان من فسق أو كفر ، وقال : { بجهالة } إشارة إلى شدة قبح العصيان ، لا سيما الزنى من المشايخ ، لإشعار السياق ترهيباً بأن{[20799]} الأمر فيهم ليس كذلك - كما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البزار بإسناد جيد عن سلمان رضي الله عنه " ثلاثة لا يدخلون الجنة : الشيخ الزاني ، والإمام الكذاب ، والعائل المزهو{[20800]} " وهو في مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه .
" ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم{[20801]} ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر " وهو عن كثير من الصحابة من طرق كثيرة ، وذلك لأن حضور الموت بالقوة القريبة من الفعل وإضعاف القوى{[20802]} الموهنة لداعية الشهوة{[20803]} قريب من حضوره بالفعل ، وذلك ينبغي أن يكون مذهباً لداعية الجهل ، ماحقاً لعرامة{[20804]} الشباب ، سواء قلنا : إن المراد بالجهالة {[20805]}ضد الحلم{[20806]} ، أو ضد العلم ؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي : قال أبو عبد الله - يعني القزاز{[20807]} : والجاهلية الجهلاء اسم وقع على{[20808]} أهل الشرك يكون مأخوذاً من الجهل الذي هو ضد العلم والذي هو ضد الحلم ، قال وأصل الجهل من قولهم : استجهلت الريح الغصن - إذا حركته ، فكأن الجهل إنما هو حركة تخرج عن الحق والعلم - انتهى . فالمعنى حينئذ : يعملون السوء ملتبسين بسفه أو بحركة وخفة أخرجتهم{[20809]} عن الحق والعلم ، فكانوا كأنهم لا يعلمون - بعملهم عمل أهل الجاهلية الذين لا يعلمون ، وزاد في التنفير من مواقعة السوء والتحذير بقوله : { ثم يتوبون } أي يجددون التوبة{[20810]} .
ولما كان المراد الترغيب فيها ولو قصر زمنها بمعاودة الذنب أثبت الجار فقال : { من } أي من بعض زمان { قريب } أي{[20811]} من{[20812]} زمن المعصية وهم في فسحة من الأجل ، وذلك كناية عن عدم الإصرار{[20813]} إلى الموت ، ولعله عبر بثم إشارة إلى بُعد التوبة ولا سيما مع القرب ممن واقع المعصية ، لأن الغالب أن الإنسان إذا ارتبك في حبائلها{[20814]} لا يخلص إلا بعد عسر ، ولذلك أشار إلى تعظيمهم بأداة البعد في قوله - مسبباً عن توبتهم واعداً أنه فاعل ما أوجبه على نفس لا محالة من غير خلف وإن كان لا يجب عليه شيء ، ولا يقبح منه شيء : { فأولئك } أي العظيم و الرتبة الصادق و الإيمان { يتوب الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { عليهم } أي يردهم إلى ما كانوا فيه عندهم من مكانة القرب قبل مواقعة الذنب { وكان الله } أي المحيط {[20815]}علماً وقدرة{[20816]} { عليماً } {[20817]}أي بالصادقين في التوبة والكاذبين وبنياتهم{[20818]} ، فهو يعاملهم بحسب ما يقتضيه حالهم { حكيماً } فهو يضع الأشياء في أحكم محل لها ، فمهما فعله لم يمكن نقضه .