في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا} (59)

58

وبعد فالأمانة والعدل . . ما مقياسهما ؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما ؟ في كل مجال في الحياة ، وفي كل نشاط للحياة ؟

أنترك مدلول الأمانة والعدل ؛ ووسائل تطبيقها وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم ؟ وإلى ما تحكم به عقولهم - أو أهواؤهم ؟

إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان . . هذا حق . . ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات ، متأثرا بشتى المؤثرات . . ليس هناك ما يسمى " العقل البشري " كمدلول مطلق ! إنما هناك عقلي وعقلك ، وعقل فلان وعلان ، وعقول هذه المجموعة من البشر ، في مكان ما وفي زمان ما . . وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى ؛ تميل بها من هنا وتميل بها من هناك . .

ولا بد من ميزان ثابت ، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة ؛ فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها . ومدى الشطط والغلو ، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات . وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان ، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان . . الميزان الثابت ، الذي لا يميل مع الهوى ، ولا يتأثر بشتى المؤثرات . .

ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين . . فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها . فتختل جميع القيم . . ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم .

والله يضع هذا الميزان للبشر ، للأمانة والعدل ، ولسائر القيم ، وسائر الأحكام ، وسائر أوجه النشاط ، في كل حقل من حقول الحياة :

( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ؛ وأطيعوا الرسول ، وأولي الأمر . . منكم . . فإن تنازعتم في شيء ، فردوه إلى الله والرسول . إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . ذلك خير وأحسن تأويلا ) . .

وفي هذا النص القصير يبين الله - سبحانه - شرط الإيمان وحد الإسلام . في الوقت الذي يبين فيه قاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة ؛ وقاعدة الحكم ، ومصدر السلطان . . وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده ؛ والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصا ، من جزيئات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال ؛ مما تختلف فيه العقول والآراء والأفهام . . ليكون هنالك الميزان الثابت ، الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام !

إن " الحاكمية " لله وحده في حياة البشر - ما جل منها وما دق ، وما كبر منها وما صغر - والله قد سن شريعة أودعها قرآنه . وأرسل بها رسولا يبينها للناس . ولا ينطق عن الهوى . فسنته [ ص ] من ثم شريعة من شريعة الله .

والله واجب الطاعة . ومن خصائص ألوهيته أن يسن الشريعة . فشريعته واجبة التنفيذ . وعلى الذين آمنوا أن يطيعوا الله - ابتداء - وأن يطيعوا الرسول - بما له من هذه الصفة . صفة الرسالة من الله - فطاعته إذن من طاعة الله ، الذي أرسله بهذه الشريعة ، وببيانها للناس في سنته . . وسنته وقضاؤه - على هذا - جزء من الشريعة واجب النفاذ . . والإيمان يتعلق - وجودا وعدما - بهذه الطاعة وهذا التنفيذ - بنص القرآن :

( إن كنم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) . .

فأما أولو الأمر ؛ فالنص يعين من هم .

( وأولي الأمر . . منكم . . )

أي من المؤمنين . . الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية . . من طاعة الله وطاعة الرسول ؛ وإفراد الله - سبحانه - بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء ؛ والتلقي منه وحده - فيما نص عليه - والرجوع إليه أيضا فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء ، مما لم يرد فيه نص ؛ لتطبيق المبادى ء العامة في النصوص عليه .

والنص يجعل طاعة الله أصلا ؛ وطاعة رسوله أصلا كذلك - بما أنه مرسل منه - ويجعل طاعة أولي الأمر . . منكم . . تبعا لطاعة الله وطاعة رسوله . فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم ، كما كررها عند ذكر الرسول [ ص ] ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله - بعد أن قرر أنهم( منكم )بقيد الإيمان وشرطه . .

وطاعة أولي الأمر . . منكم . . بعد هذه التقريرات كلها ، في حدود المعروف المشروع من الله ، والذي لم يرد نص بحرمته ؛ ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مبادى ء شريعته ، عند الاختلاف فيه . . والسنة تقرر حدود هذه الطاعة ، على وجه الجزم واليقين :

في الصحيحين من حديث الأعمش : " إنما الطاعة في المعروف " .

وفيهما من حديث يحيى القطان : " السمع والطاعة على المرء المسلم . فيما أحب أو كره . ما لم يؤمر بمعصية . فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .

وأخرج مسلم من حديث أم الحصين : " ولو استعمل عليكم عبد . يقودكم بكتاب الله . اسمعوا له وأطيعوا " . . بهذا يجعل الإسلام كل فرد أمينا على شريعة الله وسنة رسوله . أمينا على إيمانه وهو ودينه . أمينا على نفسه وعقله . أمينا على مصيره في الدنيا والآخرة . . ولا يجعله بهيمة في القطيع ؛ تزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع ! فالمنهج واضح ، وحدود الطاعة واضحة . والشريعة التي تطاع والسنة التي تتبع واحدة لا تتعدد ، ولا تتفرق ، ولا يتوه فيها الفرد بين الظنون !

ذلك فيما ورد فيه نص صريح . فأما الذي لم يرد فيه نص . وأما الذي يعرض من المشكلات والأقضية ، على مدى الزمان وتطور الحاجات واختلاف البيئات - ولا يكون فيه نص قاطع ، أو لا يكون فيه نص على الإطلاق . . مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام - فإنه لم يترك كذلك تيها . ولم يترك بلا ميزان . ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع . . ووضع هذا النص القصير ، منهج الاجتهاد كله ، وحدده بحدوده ؛ وأقام " الأصل " الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضا .

( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) . .

ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمنا . فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو ، فردوه إلى المبادى ء الكلية العامة في منهج الله وشريعته . . وهذه ليست عائمة ، ولا فوضى ، ولا هي من المجهلات التي تتيه فيها العقول كما يحاول بعض المخادعين أن يقول . وهناك - في هذا الدين - مبادى ء أساسية واضحة كل الوضوح ، تغطي كل جوانب الحياة الأساسية ، وتضع لها سياجا خرقه لا يخفى على الضمير المسلم المضبوطبميزان هذا الدين .

( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) . .

تلك الطاعة لله والطاعة للرسول ، ولأولي الأمر المؤمنين القائمين على شريعة الله وسنة الرسول . ورد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول . . هذه وتلك شرط الإيمان بالله واليوم الآخر . كما أنها مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر . .

فلا يوجد الإيمان ابتداء وهذا الشرط مفقود . . ولا يوجد الإيمان ، ثم يتخلف عنه أثره الأكيد .

وبعد أن يضع النص المسألة في هذا الوضع الشرطي ، يقدمها مرة أخرى في صورة " العظة " والترغيب والتحبيب ؛ على نحو ما صنع في الأمر بالأمانة والعدل ثم التحبيب فيها والترغيب :

( ذلك خير وأحسن تأويلا . . )

ذلك خير لكم وأحسن مآلا . خير في الدنيا وخير في الآخرة . وأحسن مآلا في الدنيا وأحسن مآلا في الآخرة كذلك . . فليست المسألة أن اتباع هذا المنهج يؤدي إلى رضاء الله وثواب الآخرة - وهو أمر هائل ، عظيم - ولكنه كذلك يحقق خير الدنيا وحسن مآل الفرد والجماعة في هذه الحياة القريبة .

أن هذا المنهج معناه : أن يستمتع " الإنسان " بمزايا منهج يضعه له الله . . الله الصانع الحكيم العليم البصير الخبير . . منهج بريء من جهل الإنسان ، وهوى الإنسان ، وضعف الإنسان . وشهوة الإنسان . . منهج لا محاباة فيه لفرد ، ولا لطبقة ، ولا لشعب ، ولا لجنس ، ولا لجيل من البشر على جيل . . لأن الله رب الجميع ، ولا تخالجه - سبحانه - وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - شهوة المحاباة لفرد ، أو طبقة ، أو شعب ، أو جنس ، أو جيل .

ومنهج من مزاياه ، أن صانعه هو صانع هذا الإنسان . . الذي يعلم حقيقة فطرته ، والحاجات الحقيقية لهذه الفطرة ، كما يعلم منحنيات نفسه ودروبها ؛ ووسائل خطابها وإصلاحها ، فلا يخبط - سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - في تيه التجارب بحثا عن منهج يوافق . ولا يكلف البشر ثمن هذه التجارب القاسية ، حين يخبطون هم في التيه بلا دليل ! وحسبهم أن يجربوا في ميدان الإبداع المادي ما يشاءون . فهو مجال فسيح جد فسيح للعقل البشري . وحسبهم كذلك أن يحاول هذا العقل تطبيق ذلك المنهج ؛ ويدرك مواضع القياس والاجتهاد فيما تتنازع فيه العقول .

ومنهج من مزاياه أن صانعه هو صانع هذا الكون ، الذي يعيش فيه الإنسان . فهو يضمن للإنسان منهجا تتلاءم قواعده مع نواميس الكون ؛ فلا يروح يعارك هذه النواميس . بل يروح يتعرف إليها ، ويصادقها ، وينتفع بها . . والمنهج يهديه في هذا كله ويحميه .

ومنهج من مزاياه أنه - في الوقت الذي يهدي فيه الإنسان ويحيميه - يكرمه ويحترمه ويجعل لعقله مكانا للعمل في المنهج . . مكان الاجتهاد في فهم النصوص الواردة . ثم الاجتهاد في رد ما لم يرد فيه نص إلى النصوص أو إلى المبادى ء العامة للدين . . ذلك إلى المجال الأصيل ، الذي يحكمه العقل البشري ، ويعلن فيه سيادته الكاملة : ميدان البحث العلمي في الكون ؛ والإبداع المادي فيه .

ذلك خير وأحسن تأويلًا . . وصدق الله العظيم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا} (59)

المفردات :

وأولي الأمر منكم : أصحاب الحل والعقد . من الرؤساء والعلماء .

تنازعتم : اختلفتم .

فردوه إلى الله والرسول . أي : ارجعوا في معرفته إلى كتاب الله ، وسنة رسوله .

تأويلا : مآلا ومرجعا وعاقبة ، أو أحسن تأويلا من تأويلكم .

التفسير :

59- يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْر منكمِ . . .

أي : أطيعوا الله واعملوا بكتابه ، وأطيعوا الرسول ؛ لأنه موضح للكتاب ومبين له وهو القدوة العملية قال تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . ( الأحزاب : 21 ) .

وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ . من الولاة والرؤساء والعلماء وغيرهم .

جاء في تفسير المراغي :

وهذه الآية مبينة لأصول الدين في الحكومة الإسلامية وهي :

1- الأصل الأول : القرآن الكريم والعمل به ؛ طاعة الله تعالى .

2- الأصل الثاني : سنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل به ؛ طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .

3- الأصل الثالث : إجماع أولي الأمر وهم أهل الحل والعقد الذين تثق بهم الأمة من العلماء والرؤساء في الجيش والمصالح العامة كالتجار ، والصناع ، والزراع ، ورؤساء العمال ، ومديري الصحف ، ورؤساء تحريرها ، ورجال الأحزاب ممن تثق بهم الأمة .

4- الأصل الرابع : عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد و الاحكام العامة في الكتاب والسنة ، وهذه سبيلها الاجتهاد والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس .

فهذه الأربعة الأصول هي مصادر الشريعة ، ولا بد من وجود جماعة يقومون بعرض المسائل المتنازع فيها على الكتاب والسنة والاجتهاد وتحري الصواب والحكم بما يرونه موافقا لروح الكتاب والسنة .

ويجب على الحكام الحكم بما يقرونه .

وبذلك تكون الدولة الإسلامية مؤلفة من جماعتين :

الأولى : الجماعة المبينة للأحكام الذين يسمون الآن : ( الهيئة التشريعية ) .

الثانية : جماعة الحاكمين والمنفذين وهو الذين يسمون : ( الهيئة التنفيذية ) .

فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُول . ِ أي : إن اختلفتم في شيء لم يرد فيه نص صريح في كتاب الله ولا في سنة رسوله ؛ فأرجعوه إلى هذين الأصلين وليكن حكمكم فيه بالقياس على ما يشبهه من الأمور وبذلك فتح القرآن للمسلمين باب الفهم والبحث والاجتهاد .

وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا حين أرسله قاضيا : ما تصنع إن عرض لك قضاء ؟

قال للرسول : أقضي بكتاب الله .

قال الرسول : فإن لم تجد ؟

قال معاذ : أقضي بسنة رسول الله .

قال الرسول : فإن لم تجد ؟

قال معاذ : أجتهد رأيي ولا آلو .

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضى الله ورسوله {[11]} .

إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ . أي : ردوا الشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة . ذلك خيرا وأحسن تأويلا . أي : الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله خير لكم وأصلح وأحسن عاقبة ومآلا .


[11]:الحمد لله الذي وفق: رواه أبو داود في الأقضية (3592) والترمذي في الأحكام (1372) والدرامي في المقدمة (168) وأحمد في مسنده (21595،21556،21502) عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في كتاب الله، قال: أجتهد رأيي ولا ألو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله. قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وقال الزيلعي في نصب الراية: وأخرجاه أيضا عن أناس من أصحاب معاذ: أن رسول الله، مرسلا، قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بمتصل، انتهى. وقال البخاري في "تاريخه الكبير" الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي عن أصحاب معاذ، عن معاذ، روى عنه أبو عون، ولا يصح، ولا يعرف إلا بهذا، مرسل، انتهى. وفيه كتاب، ورواه النسائي في آداب القضاء (5399) والدرامي في المقدمة (167) عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله فكتب إليه أن اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما قضى به الصالحون فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقض به الصالحون فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر ولا أرى التأخير إلا خيرا لك والسلام عليكم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا} (59)

ولما أمر سبحانه بالعدل ورغب فيه{[21786]} ، ورهب من تركه{[21787]} ؛ أمر بطاعة المتنصبين لذلك{[21788]} الحاملة لهم على الرفق بهم والشفقة عليهم فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان ، وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك فقال : { أطيعوا } أي بموافقة الأمر{[21789]} تصديقاً لدعواكم الإيمان{[21790]} { الله } أي فيما أمركم به في كتابه{[21791]} مستحضرين ما له من الأسماء الحسنى ، وعظم رتبة نبيه صلى الله عليه وسلم بإعادة العامل فقال : { وأطيعوا الرسول } فيما حده لكم في سنته عن الله و{[21792]}بينه من{[21793]} كتابه{[21794]} لأن منصب{[21795]} الرسالة مقتضٍ{[21796]} لذلك ، ولهذا{[21797]} عبر به دون النبي { وأولي الأمر منكم } أي الحكام ، فإن طاعتهم فيما لم يكن معصية - كما أشير إلى ذلك بعدم إعادة العامل -{[21798]} من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطاعته من طاعة الله عز وجل ؛ والعلماء من أولي الأمر أيضاً ، وهم العاملون فإنهم يأمرون بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

ولما أبان هذا الحكم{[21799]} الأصول الثلاثة أتبعها القياس ، فسبب عما تقديره : هذا{[21800]} في الأمور البينة من الكتاب والسنة والتي وقع الإجماع{[21801]} عليها ، قوله{[21802]} : { فإن تنازعتم في شيء } أي لإلباسه فاختلفت فيه آراؤكم{[21803]} { فردوه إلى الله } أي المحيط علماً وقدرة بالتضرع بين يديه بما شرعه لكم من الدعاء والعبادة ، ليفتح لكم ما أغلق منه ويهديكم إلى الحق منه{[21804]} { والرسول } أي الكامل الرسالة{[21805]} بالبحث عن آثار رسالته من نص في ذلك بعينه{[21806]} أو{[21807]} أولى قياس ، ودلت الآية على ترتيب الأصول الأربعة على ما هو فيها وعلى إبطال ما سواها ، وعلم من إفراده تعالى وجمع النبي صلى الله عليه وسلم مع أعلام أمته أن الأدب توحيد الله حتى في مجرد ذكره{[21808]} ، وأكد البيان لدعوى الطاعة بقوله : { إن كنتم تؤمنون } أي دائمين على الإيمان بتجديده{[21809]} في كل أوان { بالله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له{[21810]} { واليوم الآخر } الحامل على الطاعة الحاجز عن المعصية ، ثم دل على عظمة هذا الأمر{[21811]} وعميم نفعه بقوله مخصصاً رسوله صلى الله عليه وسلم{[21812]} : { ذلك } أي الأمر العالي الرتبة{[21813]} { خير } أي وغيره{[21814]} شر { وأحسن تأويلاً * } أي عاقبة أو{[21815]} ترجيعاً ورداً{[21816]} من ردكم إلى ما يقتضيه قويم العقل من غير ملاحظة لآثار الرسالة{[21817]} من الكتاب والسنة{[21818]} ، فإن في{[21819]} الأحكام ما لا يستقل العقل بإدراكه{[21820]} إلا بمعونة الشرع ، [ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " نزلت هذه الآية { أطيعوا الله } في عبد الله بن حذافة{[21821]} بن قيس بن عدي {[21822]}إذ بعثه{[21823]} النبي صلى الله عليه وسلم في سرية " يعني فأمرهم أن يدخلوا في النار{[21824]} .


[21786]:من ظ ومد، وفي الأصل: فيهم.
[21787]:من ظ ومد، وفي الأصل: ترك.
[21788]:في ظ: كذلك.
[21789]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21790]:زيد بعده في الأصل: أيكم، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[21791]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21792]:في ظ: نبيه و ـ كذا.
[21793]:في ظ: نبيه و ـ كذا.
[21794]:من مد، وفي الأصل وظ: تنصيب.
[21795]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21796]:من مد، وفي الأصل: مقض، وفي ظ: مقتضى.
[21797]:في ظ: كذا، وفي مد: لذا.
[21798]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21799]:ليس في ظ.
[21800]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21801]:في ظ: إلا ـ كذا.
[21802]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21803]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21804]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21805]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21806]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21807]:في ظ "و".
[21808]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21809]:في ظ: بتجديد.
[21810]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21811]:زيد بعده في ظ: العظيم.
[21812]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21813]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21814]:في ظ: غير.
[21815]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21816]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21817]:من مد، وفي الأصل وظ: الآثار.
[21818]:سقط من ظ.
[21819]:سقط من ظ.
[21820]:من ظ ومد، وفي الأصل: بإدراك.
[21821]:في ظ: حوابه ـ كذا.
[21822]:في ظ: إذا بعثهم.
[21823]:في ظ: إذا بعثهم.
[21824]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.