في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ} (38)

33

ويأخذ السياق القرآني طريقه إلى قلوبهم من مدخل آخر لطيف . ويوقظ فيها قوى الملاحظة والتدبر لما في الوجود حولهم من دلائل الهدى وموحيات الإيمان ، لو تدبروه وعقلوه :

( وما من دابة في الأرض ، ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ، ما فرطنا في الكتاب من شيء ، ثم إلى ربهم يحشرون ) . .

إن الناس ليسوا وحدهم في هذا الكون ، حتى يكون وجودهم مصادفة ، وحتى تكون حياتهم سدى ! إن حولهم أحياء أخرى ، كلها ذات أمر منتظم ، يوحي بالقصد والتدبير والحكمة ، ويوحي كذلك بوحدة الخالق ، ووحدة التدبير الذي يأخذ به خلقه كله . .

إنه ما من دابة تدب على الأرض - وهذا يشمل كل الأحياء من حشرات وهوام وزواحف وفقاريات - وما من طائر يطير بجناحية في الهواء - وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة غير ذلك من الكائنات الطائرة . . ما من خلق حي في هذه الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة ، ذات خصائص واحدة ، وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك . . شأنها في هذا شأن أمة الناس . . ما ترك الله شيئا من خلقه بدون تدبير يشمله ، وعلم يحصيه . . وفي النهاية تحشر الخلائق إلى ربها . . فيقضي في أمرها بما يشاء . .

إن هذه الآية القصيرة - فوق تقريرها الحاسم في حقيقة الحياة والأحياء - لتهز القلب بما ترسم من آفاق الإشراف الشامل ، والتدبير الواسع ، والعلم المحيط ، والقدرة القادرة ، لله ذي الجلال . . وكل جانب من هذه الجوانب لا نملك التوسع في الحديث عنه حتى لا نخرج عن منهج الظلال ، فنجاوزه إذن لنتمشى مع السياق . . إذ المقصود الأول هنا هو توجيه القلوب والعقول ، إلى أن وجود هذه الخلائق بهذا النظام ، وشمولها بهذا التدبير ، وإحصاءها في علم الله ، ثم حشرها إلى ربها في نهاية المطاف . . توجيه القلوب والعقول إلى ما في هذه الحقيقة الهائلة الدائمة من دلائل وأمارات ، أكبر من الآيات والخوارق التي يراها جيل واحد من الناس !

/خ39

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ} (38)

المفردات :

دابة : الدابة ؛ ما يدب على الأرض ، أي يمشي على هيئته .

أمم : جمع أمة بمعنى ؛ جماعة .

التفسير :

38- وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم . . . الآية .

لفت القرآن نظر المخاطبين في هذه الآية إلى بديع خلق الله وجميل صنعه .

فكل ما يدب على وجه الأرض من حيوان وحشرات وهوام وزواحف وفقاريات .

وكل ما يطير بجناحيه في الهواء – وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة أو غير ذلك من الكائنات الطائرة – ما من خلق حي في الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة ذات خصائص واحدة ، وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك ، شأنها في ذلك شأن أمة الناس .

والمقصود من قوله : إلا أمم أمثالكم . بيان أن حيوانات الأرض والبحر ، وطيور الجو ، إنما هي جماعات وطوائف لها مثل ما لنا من الخصائص في الجملة .

فالنمل مثلا أمة أرضية لها تدبيرها في السعي على رزقها ، وجمعه في أحجارها ، استعدادا لفصل الشتاء ، لتقتات به وهي مختبأة فيها طول الفصل . كما أن لها أميرة منها توجهها ، وتنظم مصالها ، ولها لغة تتفاهم بها .

كما يدل على ذلك قوله تعالى : حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون . ( النمل : 18 ) .

وقد فهم سليمان عليه السلام لغتها قال تعالى : فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين . ( النمل : 19 ) .

كما فهم سليمان صوت الهدهد ، وتبين أن للهدهد رسالة فاضلة حيث اكتشف وجود مملكة سبأ وحمله سليمان رسالة إلى بلقيس ، وتمت القصة بإسلام بلقيس ودخولها في طاعة الله رب العالمين ، وكذلك للنحل لغة ومملكة ورئيسة يطلق عليها لغة " اليعسوب " وهذه الأميرة توجه أمتها من النحر وتدبر أمرها ، ولها نظام في السعي على الرزق وبناء بيوت هندسية دقيقة تجمع فيها العسل ، وتحتضن البيض إلى غير ذلك من شئونها المختلفة .

قال تعالى : وأوحى إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات . . . الآية .

( النحل : 68 : 69 ) .

وهكذا شأن سائر الحيوانات الأرضية والبحرية والطيور الجوية ، فالآية فتحت آفاقا من العلم عن أمم أخرى : لها خصائص تقرب من خصائصنا ، ظلت مجهولة حتى عرفها الباحثون أخيرا عن طريقة التجربة .

ما فرطنا في الكتاب من شيء .

ما فرطنا . ما ضيعنا أو ما أهملنا .

الكتاب . اللوح المحفوظ ، أو كتاب الكون ، أو القرآن الكريم .

والمعنى :

1- لقد أثبتنا في اللوح المحفوظ ما كان وما يكون يوم القيامة .

2- أو أن هذا الكون منظم بديع قد أتقن الله صنعه ويسر لجميع المخلوقات أرزاقها وحياتها ومعايشها . كما يسر الكون بما فيه من سماء وفضاء وأرض وأفلاك وأملاك .

3- أو ما تركنا في القرآن شيئا من الأشياء الهامة في الدنيا والدين ، ومن جملتها بيان أنه تعالى مراع لصالح جميع مخلوقاته على ما ينبغي .

قال الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن :

إن هذه الآية القصيرة ، لتهز القلب بما ترسم من آفاق الإشراف الشامل أو التدبير الواسع ، والعلم المحيط والقدرة القادرة لله ذي الجلال .

ثم إلى ربهم يحشرون . تحشر جميع الأمم من أول آدم إلى يوم القيامة وتقف أمام الله للحساب والجزاء .

وقيل المراد من الحشر المذكور حشر الكفار والمراد بالحشر لازمه وهو الحساب والجزاء .

وقيل المراد من الحشر حشر دواب الأرض وطيور الجو كما يحشر الناس ، فينصف الله بعضهم من بعض روى الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

( لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ) ( 80 ) .

والشاة الجلحاء : التي ليس لها قرن .

وهذه الحيوانات وإن كان القلم لا يجري عليها في الأحكام ولكنها تؤاخذ فيما بينها .

والحديث مقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه ، أنه لا بد لكل أحد منه .

وقد صحح هذا الوجه الإمام القرطبي في تفسيره للآية .

وقال الزمخشري في تفسير الكشاف :

فإن قلت ما الغرض من ذكر هذه الآية ، قلت الدلالة على عظم قدرة الله وسعة سلطانه ، وتدبير الخلائق المتفاوتة الأجناس ، المتكاثرة الأصناف وهو حافظ لما لها ، وما عليها ، مهيمن على أحوالها ، لا يشغله شأن عن شأن وأن المكلفين ليسوا مخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الأمم . . .

وفي ختام الآية . ثم إلى ربهم يحشرون . . . ويرى بعض العلماء أن المراد بحشر البهائم موتها ، ويرى آخرون أن المراد بعثها يوم القيامة لقوله تعالى وإذا الوحوش حشرت .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَـٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ} (38)

ولما عجب منهم{[29480]} في قولهم هذا{[29481]} الذي يقتضي أنهم لم يروا له{[29482]} آية قط{[29483]} بعد ما جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار ، ورد إلى الصم الأسماع ، وأنار من العمى الأبصار ؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل{[29484]} على آيات مستكثرة كافية لصلاحهم ، رتبها{[29485]} سبحانه قبل سؤالهم تفضلاً منه عليهم دالة على باهر قدرته على البعث وغيره من الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع الأمر ، إذا تأملوها حق تأملها كفتهم{[29486]} في جميع ما يراد منهم فقال تعالى : { وما } أي قالوا ذلك والحال أنه ما ، وهي ناظرة{[29487]} أتم نظر إلى قوله{ هو الذي خلقكم من طين }[ الأنعام : 2 ] أي فعل ذلك بكم{[29488]} وما{[29489]} { من دابة في الأرض } أي تدب أي تنتقل برجل وغير رجل { ولا طائر يطير } وقرر الحقيقة بقوله{[29490]} : { بجناحيه } وشمل ذلك جميع الحيوان حتى ما في البحر ، لأن سيرها في الماء إما أن يكون دبيباً أو طيراناً مجازاً .

ولما كان المراد بالدابة والطائر الاستغراق قال : { إلا أمم }{[29491]} أي يقصد منها في نفسه ، ويقصد هو نوعه وينضم إلى شكله { أمثالكم }{[29492]} } أي في ذلك وفي أنا خلقناكم ولم يكونوا شيئاً وحفظنا جميع أحوالهم ، وقدرنا كل أرزاقهم وآجالهم ، و{[29493]}جعلنا لكم{[29494]} فيهم أحكاماً جددناها لكم ، وجعلنا لكل منهم أجلاً للموت لا يتعداه بعد أن فاوتنا بينهم في الحياة ، وللكل أجل في علمنا في البرزخ مثبت قبل أن نخلقهم ، لا ينقص ذرة ولا يزيد خردلة ، وجعلنا في هذه الحيوانات ما{[29495]} هو أقوى منكم وما هو أضعف ، وجعلناكم أقوى من الجميع بالعقل ، ولو شئنا لجعلنا له بين قوة البدن والعقل ، وربما سلطنا الأضعف{[29496]} عليكم كالجراد والفأر والدود بما تعجز عنه عقولكم ، ولو شئنا لسلطنا عليكم من أضعفها خلقاً - البعوض - ما أخذ بأنفاسكم{[29497]} ومنعكم القرار وأخرجكم{[29498]} عن حركات الاختيار إلى أن أهلككم جميعاً هلاك نفس واحدة - إلى غير ذلك من أمور تكل عنها العقول{[29499]} وتقف دونها نوافذ الفكر ، وهذا كله معنى قوله : { ما فرطنا } أي تركنا وأغفلنا لما لنا من القدرة الكاملة{[29500]} والعلم الشامل { في الكتاب } أي اللوح المحفوظ والقرآن ، وأعرق في النفي بقوله : { من شيء } أي ليذهب ذكره كما يذهب العقد الذي ينقطع سلكه فيتفرط ، بل ذكرنا جميع أحوال خلقنا من الجن والإنس والملائكة وغيرهم من كل ناطق وصامت ، فصارت في غاية الضبط حتى أن الحفظة يعرضون ما يحدث من عمل المكلفين وغيره{[29501]} آخر النهار{[29502]} على ما كان مثبتاً في أم الكتاب فيجدونه كما هو ، لا يزيد شيئاً ولا ينقص ، فيزدادون إيماناً ، وأثبتنا في هذا القرآن مجامع الأمور ، فهو تبيان لكل شيء من الأحكام الأصلية والفرعية و{[29503]} الدلالات على كل ذلك وأخبار الأولين والآخرين وكل علم يمكن أن يحتاجه المخلوق ، فمن أراد الهداية هداه بدقيق{[29504]} أسراره ، ومن أعرض أوقعه في الردى ، وعمي حتى عن{[29505]} واضح{[29506]} أنواره ، والآية كما قال تعالى { إن في خلق السماوات والأرض } إلى أن قال : وبث فيها{[29507]} من كل دابة - لآيات لقوم يعقلون{[29508]} }[ البقرة : 164 ] .

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد

أفلا يكون لكم في ذلك آيات تغنيكم{[29509]} عن إرسال الرسل فضلاً عن أن تتوقفوا{[29510]} بعد إرسالهم ولا ترضوا{[29511]} منهم من خوارق العادات إلا بما تقترحونه . {[29512]}

ولما أشار إلى ما شارك فيه سائر الحيوان للآدميين{[29513]} من أحوال الحياة وغيرها ، نص على الحشر الذي هو محط الحكمة فقال : { ثم } أي بعد طول الحياة والإقامة في البرزخ { إلى ربهم } أي خاصة ، وبني{[29514]} للمفعول على طريق كلام القادرين قوله{[29515]} : { يحشرون * } أي يجمعون كرهاً{[29516]} بعد أن يعيدهم كلهم كما بدأهم ، وينصف كل مظلوم منهم من ظالمه ، كل ذلك عليه{[29517]} هيّن{[29518]}{ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة{[29519]} }[ لقمان : 28 ] والكل محفوظون في كتاب مبين{[29520]} على اختلاف أنواعهم{[29521]} وتباين حقائقهم وأشخاصهم وزيادتهم في الجد على أن يوجه{[29522]} نحوهم العد - سبحان من أحاط بكل شيء علماً ، وأحصى كل شيء عدداً ، إن ذلك على الله يسير ، وهو على كل شيء قدير .


[29480]:في ظ: هو.
[29481]:في ظ: هو.
[29482]:زيد من ظ.
[29483]:من ظ، وفي الأصل: فقط.
[29484]:في الأصل: يشتمل، وفي ظ: مشتمل.
[29485]:من ظ، وفي الأصل: وبها.
[29486]:في ظ: كثير.
[29487]:زيد بعده في ظ: إلى.
[29488]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29489]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29490]:سقط من ظ.
[29491]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29492]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[29493]:في ظ: جعلناكم.
[29494]:في ظ جعلناكم.
[29495]:في ظ: مما.
[29496]:تكرر في ظ.
[29497]:من ظ، وفي الأصل: نانفايسكم- كذا.
[29498]:في ظ: أخركم.
[29499]:من ظ، وفي الأصل: القول.
[29500]:سقط من ظ.
[29501]:من ظ، وفي الأصل: حر البها- كذا.
[29502]:من ظ، وفي الأصل: حر البها- كذا.
[29503]:زيد من ظ.
[29504]:في ظ: بتوفيق.
[29505]:سقط من ظ.
[29506]:من ظ، وفي الأصل: واضع.
[29507]:في ظ: فيهما.
[29508]:سورة 2 آية 164.
[29509]:من ظ، وفي الأصل: تعينكم.
[29510]:في الأصل و ظ: يتوقفوا.
[29511]:من ظ، وفي الأصل: لا تعرضوا.
[29512]:في الأصل: يفرحونه، وفي ظ: يقترحونه- كذا.
[29513]:في ظ: الآدميين.
[29514]:في ظ: بناه- كذا.
[29515]:زيد من ظ.
[29516]:في الأصل و ظ: يتوقفوا.
[29517]:زيد من ظ.
[29518]:من ظ، وفي الأصل: حين.
[29519]:سورة 31 آية 28.
[29520]:من ظ، وفي الأصل: بين.
[29521]:من ظ، وفي الأصل: أنواعكم.
[29522]:من ظ، وفي الأصل: يوجد.