ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور ، ويحسبون البلاء شراً في كل حال ، ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود . وقد خلت قلوبهم من التسليم للّه ، والرضى بقدره ، واعتقاد الخير فيه . والمسلم الصادق يبذل جهده ويقدم لا يخشى ، اعتقاداً بأن ما يصيبه من خير أو شر معقود بإرادة اللّه ، وأن اللّه ناصر له ومعين :
( قل : لن يصيبنا إلا ما كتب اللّه لنا هو مولانا وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون ) . .
واللّه قد كتب للمؤمنين النصر ، ووعدهم به في النهاية ، فمهما يصبهم من شدة ، ومهما يلاقوا من ابتلاء ، فهو إعداد للنصر الموعود ، ليناله المؤمنون عن بينة ، وبعد تمحيص ، وبوسائله التي اقتضتها سنة اللّه ، نصراً عزيزاً لا رخيصاً ، وعزة تحميها نفوس عزيزة مستعدة لكل ابتلاء ، صابرة على كل تضحية . واللّه هو الناصر وهو المعين :
( وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون ) . .
والاعتقاد بقدر اللّه ، والتوكل الكامل على اللّه ، لا ينفيان اتخاذ العدة بما في الطوق . فذلك أمر اللّه الصريح :
كتب الله : أثبت في علمه أو في اللوح المحفوظ .
51 – { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } .
هذه الآية رد على هؤلاء الشامتين الشانئين وتوجيه وتعليم للمسلمين بالصبر على البأساء والرضا بأسباب القضاء .
أي : قل لهم يا محمد : لن يصيبنا أبدا إلا ما كتب وخط في اللوح المحفوظ ؛ فنحن تحت مشيئته وقدره ، { هو مولانا } . أي : ناصرنا ومتولي أمورنا ، ونتولاه ونلجأ إليه في كل أحوالنا ، وعلى الله وحده { فليتوكل المؤمنون } ، وهو حسبنا ، ونعم الوكيل .
والآية أساس في صدق اليقين ، والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره ، حلوه ومره . واللجوء إلى الله في الشدة والرخاء ، والاعتماد عليه في العسر واليسر ، والمنشط والمكره مع اتخاذ ما يجب من أسباب النصر المادية والمعنوية ، كإعداد العدة اللازمة ، وتوقى المنازعات التي تؤدى إلى الفشل وتفرق الكلمة .
والتوكل : تفويض الأمر إلى الله ، بعد اتخاذ الأسباب المطلوبة عادة .
وقد وردت آيات كثيرة ، وأحاديث نبوية صحيحة تحث المؤمنين على الصبر على المصائب ، والرضا بالقضاء والقدر ، والثبات في الشدائد ، والانتصار على الحزن والهم والغم .
فالحياة دائرة بين العسر واليسر ، والشدة والفرج . والمؤمن واثق بأن الله قد قدر أزلا رزقه وعمره وأجله ، وسعادته أو شقاوته ؛ وبهذا لا يحزن على مفقود ولا يكثر الفرح بموجود ، بل هو هادئ رزين إن أصابته نعماء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له .
قال تعالى : { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } . ( الحديد : 22 ) .
وفي معنى هذه الآية وردت طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة بعضها في صحيح البخاري ، وبعضها في كتب السنة المطهرة ومن هذه الأحاديث ما يأتي :
1 – " ما يصيب المؤمن من هم ولا حزن ولا تعب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها ؛ إلا كفر الله بها من خطاياه " 87 .
2 – " ما يزال البلاء يصيب المؤمن حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة " 88 .
3 – " أشدكم بلاء الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل ، فالأمثل ، يبتلي الرجل على حسب دينه " 89 .
4 – " استعن بالله ولا تعجز ولا تقل : لو أنى فعلت كذا لكان كذا بل فلتقل : قدر الله وما شاء فعل " 90 .
5 – " ما من عبد يبتلى بمصيبة فيقول : اللهم اؤجرني في مصيبتي وعوضني خيرا منها إلا عوضه الله خيرا مما فقده " 91 .
6 – " من علامة الإيمان ، الشكر على النعماء ، والصبر على البأساء ، والرضاء بالقضاء " 92 .
7 – " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته نعماء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " 93 .
ولما كان قولهم هذا متضمناً لتوهمهم القدرة على الاحتراس من القدر{[36525]} ، قال تعالى معلماً بجوابهم مخاطباً للرأس لعلو المقام : { قل } أي إنا نحن لا نقول مقالتكم لمعرفتنا بأنا لا نملك ضراً ولا نفعاً ، بل نقول : { لن يصيبنا } أي من الخير والشر { إلا ما كتب } أي قدر { الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ، ولما كان قضاء الله كله خيراً للمؤمن إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر ، عبر باللام فقال{[36526]} : { لنا } أي لا يقدر على رده عنا إلا هو سبحانه { هو } أي وحده { مولانا } أي القريب منا الذي يلي جميع أمورنا ، لا قريب منا سواه ، فلو أراد لدفع عنا كل مصيبة لأنه أقرب إلينا منها ، لا تصل إلينا بدون علمه وهو قادر ، فنحن نعلم أن له في ذلك لطيف سريرة تتضاءل دونها ثواقب الأفكار وتخسأ عن الإحاطة بتحقيقها نوافذ الأبصار فنحن لا نتهمه في قضائه لأنا قد توكلنا عليه وفوضنا أمورنا إليه ، والموكل لا يتهم الوكيل { وعلى الله } أي الملك الأعلى لا غيره { فليتوكل المؤمنون* } أي كلهم توكلاً عظيماً جازماً لا معدل عنه ، فالفيصل بين المؤمن والكافر هو إسلام النفس إليه وحده بلا اعتراض عليه يقلبها كيف يشاء{[36527]} ويحكم فيها بما يريد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.