في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ} (35)

28

وحين يستيقظ ضمير الإنسان ، ويتطلع إلى الكون من حوله ، فإذا هو مسخر له ، إما مباشرة ، وإما بموافقة ناموسه لحياة البشر وحوائجهم ؛ ويتأمل فيما حوله فإذا هو صديق له برحمة الله ، معين بقدرة الله الله ، ذلول له بتسخير الله . . حين يستيقظ ضمير الإنسان فيتطلع ويتأمل ويتدبر . لا بد يرتجف ويخشع ويسجد ويشكر ، ويتطلع دائما إلى ربه المنعم : حين يكون في الشدة ليبدله منها يسرا ، وحين يكون في الرخاء ليحفظ عليه النعماء .

والنموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر هو أبو الأنبياء . إبراهيم . الذي يظلل سمته هذه السورة ، كما تظللها النعمة وما يتعلق بها من شكران أو كفران . . ومن ثم يأتي به السياق في مشهد خاشع ، يظلله الشكر ، وتشيع فيه الضراعة ، ويتجاوب فيه الدعاء ، في نغمة رخية متموجة ، ذاهبة في السماء .

( وإذ قال إبراهيم : رب اجعل هذا البلد آمنا ، واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ، فمن تبعني فإنه مني ؛ ومن عصاني فإنك غفور رحيم . ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة ، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون . ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء . الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ، إن ربي لسميع الدعاء . رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ، ربنا وتقبل دعاء . ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) . .

إن السياق يصور إبراهيم - عليه السلام - إلى جوار بيت الله الذي بناه في البلد الذي آل إلى قريش ، فإذا بها تكفر فيه بالله ، مرتكنة إلى البيت الذي بناه بانيه لعبادة الله ! فيصوره في هذا المشهد الضارع الخاشع الذاكر الشاكر ، ليرد الجاحدين إلى الاعتراف ، ويرد الكافرين إلى الشكر ، ويرد الغافلين إلى الذكر ، ويرد الشاردين من أبنائه إلى سيرة أبيهم لعلهم يقتدون بها ويهتدون .

ويبدأ إبراهيم دعاءه :

( رب اجعل هذا البلد آمنا ) . .

فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان ، عظيمة الوقع في حسه ، متعلقة بحرصه على نفسه . والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد ، الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها وقد استجاب الله دعاء أبيهم إبراهيم فجعل البلد آمنا ، ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم ، فكفروا النعمة ، وجعلوا لله أندادا ، وصدوا عن سبيل الله . ولقد كانت دعوة أبيهم التالية لدعوة الأمن :

( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) . .

ويبدو في دعوة إبراهيم الثانية تسليم إبراهيم المطلق إلى ربه ، والتجاؤه إليه في أخص مشاعر قلبه . فهو يدعوه أن يجنبه عبادة الأصنام هو وبنيه ، يستعينه بهذا الدعاء ويستهديه . ثم ليبرز أن هذه نعمة أخرى من نعم الله . وإنها لنعمة أن يخرج القلب من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده . فيخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود ، إلى المعرفة والطمأنينة والاستقرار والهدوء . ويخرج من الدينونة المذلة لشتى الأرباب ، إلى الدينونة الكريمة العزيزة لرب العباد . . إنها لنعمة يدعو إبراهيم ربه ليحفظها عليه ، فيجنبه هو وبنيه أن يعبد الأصنام .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ} (35)

{ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام35 رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم36 ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون37 ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء38 } .

المفردات :

البلد : مكة المكرمة .

اجنبني : أبعدني . يقال : جنبت الرجل الشر من باب نصر : أبعدته عنه ، وجنبته بالتشديد مبالغة .

التفسير :

35 { وإذ قال إبراهيم رب27 اجعل هذا البلد آمنا . . . }الآية .

رأى بعض المفسرين : أن ذكر جانب من قصة إبراهيم هنا ، كمثال للكلمة الطيبة ، التي تثمر الخير في كل وقت ؛ لقصد الدعاء إلى التوحيد .

والمعنى : واذكر أيها الرسول لقومك : خبر إبراهيم ، أو اذكر أيها المخاطب : قصة إبراهيم ، حين أسكن ولده إسماعيل وأمه ، وادي مكة ، ولم يكن بها زرع ولا ماء ، وكانت هاجر جارية قبطية ، تملكها سارة زوجة إبراهيم ، فأهدتها سارة إلى إبراهيم ، فتسرى بها ، وأنجب منها في شيخوخته ولده البكر : إسماعيل ، وملكت الغيرة سارة ؛ فناشدت زوجها أن يخرجها من عندها ، فذهب إبراهيم بهاجر وإسماعيل إلى أرض مكة ، ووضعهما هناك ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم قفل راجعا ، فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا ؟ بهذا الوادي الذي لا أنيس فيه ولا شيء ؟ ! قالت له ذلك مرارا ، وهو لا يلتفت إليها ، فقالت له : ءآلله أمرك بهذا ؟ ! قال : نعم ؛ قالت : إذا لا يضيعنا ، ثم رجعت .

وانطلق إبراهيم عليه السلام ، حتى إذا كان عند الثنية ، حيث لا يريانه ، استقبل البيت بوجهه ، وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية ، ثم دعا رافعا يديه فقال : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع . . إلى قوله : لعلهم يشكرون }28 .

{ وإذا قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا } . أي : واذكر أيها النبي ، وقت قول إبراهيم لربه ، بعد أن أسكن إسماعيل وأمه وادي مكة : { رب اجعل هذا البلد آمنا } . أي : يا رب ، اجعل مكة بلدا ذا أمن ؛ حتى يأمن أهله على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، وقد أجاب الله دعاء إبراهيم فجعل مكة حرما آمنا .

{ واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } . أي : باعدني يا رب ، أنا وأبنائي عن عبادة الأصنام ، وثبتنا على التوحيد ، وقد استجاب الله دعوته ، في بعض بنيه دون بعض ، ولا ضير في ذلك ، وقد ورد هذا المعنى في قوله سبحانه : { قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين }( البقرة : 124 ) .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ} (35)

{ البلد آمنا } ذكر في البقرة { واجنبني } أي : امنعني والماضي منه جنب ، يقال : جنب وجنب بالتشديد ، وأجنب بمعنى واحد { وبني } : يعني بني من صلبي وفيهم أجيبت دعوته وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام .