( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ )
( ويخلق ما لا تعلمون ) . . يعقب بها على خلق الأنعام للأكل والحمل والجمال ، وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة . . ليظل المجال مفتوحا في التصور البشري لتقبل أنماط جديدة من أدوات الحمل والنقل والركوب والزينة ، فلا يغلق تصورهم خارج حدود البيئة ، وخارج حدود الزمان الذي يظلهم . فوراء الموجود في كل مكان وزمان صور أخرى ، يريد الله للناس أن يتوقعوها فيتسع تصورهم وإدراكهم ، ويريد لهم أن يأنسوا بها حين توجد أو حين تكشف فلا يعادوها ولا يجمدوا دون استخدامها والانتفاع بها . ولا يقولوا : إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال والحمير فلا نستخدم سواها . وإنما نص القرآن على هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها ! .
إن الإسلام عقيدة مفتوحة مرنة قابلة لاستقبال طاقات الحياة كلها ، ومقدرات الحياة كلها ومن ثم يهيء القرآن الأذهان والقلوب لاستقبال كل ما تتمخض عنه القدرة ، ويتمخض عنه العلم ، ويتمخض عنه المستقبل . استقباله بالوجدان الديني المتفتح المستعد لتلقي كل جديد في عجائب الخلق والعلم والحياة .
ولقد وجدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزينة لم يكن يعلمها أهل ذلك الزمان . وستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان . والقرآن يهييء لها القلوب والأذهان ، بلا جمود ولا تحجر ( ويخلق ما لا تعلمون ) . .
{ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالا تعلمون } .
أي : وخلق الخيل والبغال والحمير ، للحمل والركوب ، وهي كذلك زينة وجمال2 .
والخيل : اسم جنس لا واحد له من لفظه ، بل من معناه ، وهو فرس ، وسميت خيلا ؛ لاختيالها في مشيتها ، والبغال : جمع بغل وهو المتولد بين الخيل والحمير .
والزينة : اسم لما يتزين به الإنسان ، والله تعالى يمتن على عباده بهذه النعمة ، فالجمال المتمثل في الزينة عنصر له قيمة وليست النعمة هي مجرد تلبية الضرورات ، من طعام وشراب وركوب ، بل تلبية الأشواق الزائدة عن الضرورات ، تلبية حاسة الجمال ، ووجدان الفرح ، والشعور الإنساني المرتفع على ميل الحيوان وحاجة الحيوان .
هذا الجمال والتزين وإن كان من متاع الدنيا ، إلا أن الله تعالى ، أذن به لعباده ، ففي الحديث الشريف : ( الإبل عز لأهلها ، والغنم بركة ، والخيل في نواصيها الخير )3 . أخرجه البرقاني ، وابن ماجة في السنن .
{ ويخلق مالا تعلمون } . أي : من وسائل المواصلات والحمل والركوب ، ما لم يكن يعلمه السابقون ، وسيخلق أشياء لا نعلمها نحن ، وقد وجدت بعد نزول هذه الآية الغواصات التي تمخر عباب الماء ، والأساطيل البحرية للصيد والسياحة والحرب ، ووجدت السيارات والدبابات والمدرعات ، والناقلات العملاقة ، والقاطرات والطائرات وغيرها ، والقرآن بذلك يهيئ القلوب والأذهان للاستفادة من كل جديد . واستغلال التقدم العلمي ، ووسائل التقنية والاختراع ، وتحديث العقل والعلم والصناعة والزراعة ؛ حتى تظل الأمة قوية عزيزة الجانب ، قال تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ( الأنفال : 60 ) .
والقوة تقدر في كل زمان بقدرها ، كانت القوة في الرمي ، وتطورت إلى استخدام المدفع والدبابة والقناصة والطائرة والبارجة ، ولا يتم النصر إلا بتطور السلام ؛ ليكون في قوة سلاح الخصم أو يزيد ، ومن قواعد أصول الفقه : مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
وحتى لا يقول بعض الناس : إنما استخدم آباؤنا الأنعام والخيل والبغال والحمير ، فلا نستخدم سواها ، وإنما نص القرآن على هذه الأصناف فلا نستخدم ما عداها ؛ فإن القرآن الكريم قد هيأ الأذهان والقلوب ، للاستفادة من كل نافع ومفيد حين قال : { ويخلق مالا تعلمون }4 .
{ لتركبوها وزينة } استدل بعض الناس به على تحريم أكل الخيل والبغال والحمير ، لكونه علل خلقتها بالركوب والزينة دون الأكل ، ونصب { زينة } على أنه مفعول من أجله ، وهو معطوف على موضع { لتركبوها } .
{ ويخلق ما لا تعلمون } عبارة على العموم أي : أن مخلوقات الله لا يحيط البشر بعلمها ، وكل ما ذكر في هذه الآية شيئا مخصوص فهو على وجه المثال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.