في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَـٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (43)

41

وقد عقب السياق بسؤال استنكاري على موقف يهود - سواء كان في هذه القضية أو تلك فهو موقف عام منهم وتصرف مطرد - فقال :

( وكيف يحكمونك - وعندهم التوراة فيها حكم الله - ثم يتولون من بعد ذلك ) ؟ . .

فهي كبيرة مستنكرة أن يحكموا رسول الله [ ص ] فيحكم بشريعة الله وحكم الله ، وعندهم - إلى جانب هذا - التوراة فيها شريعة الله وحكمه ؛ فيتطابق حكم رسول الله [ ص ] وما عندهم في التوراة ؛ مما جاء القرآن مصدقا له ومهيمنا عليه . . ثم من بعد ذلك يتولون ويعرضون . سواء كان التولي بعدم التزام الحكم ؛ أو بعدم الرضى به . .

ولا يكتفي السياق بالاستنكار . ولكنه يقرر الحكم الإسلامي في مثل هذا الموقف :

( وما أولئك بالمؤمنين ) . .

فما يمكن أن يجتمع الإيمان ، وعدم تحكيم شريعة الله ، أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة . والذين يزعمون لأنفسهم أو لغيرهم أنهم " مؤمنون " ثم هم لا يحكمون شريعة الله في حياتهم ، أو لا يرضون حكمها إذا طبق عليهم . . إنما يزعمون دعوى كاذبة ؛ وإنما يصطدمون بهذا النص القاطع : ( وما أولئك بالمؤمنين ) . فليس الأمر في هذا هو أمر عدم تحكيم شريعة الله من الحكام فحسب ؛ بل إنه كذلك عدم الرضى بحكم الله من المحكومين ، يخرجهم من دائرة الإيمان ، مهما ادعوه باللسان .

وهذا النص هنا يطابق النص الآخر ، في سورة النساء : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ، ويسلموا تسليمًا ) . . فكلاهما يتعلق بالمحكومين لا بالحكام . وكلاهما يخرج من الإيمان ، وينفي صفة الإيمان عمن لا يرضى بحكم الله ورسوله ، ومن يتولى عنه ويرفض قبوله .

ومرد الأمر كما قلنا في مطلع الحديث عن هذا الدرس . . أن القضية هي قضية الإقرار بألوهية الله - وحده - وربوبيته وقوامته على البشر . أو رفض هذا الإقرار . وأن قبول شريعة الله والرضى بحكمها هو مظهر الإقرار بألوهيته وربوبيته وقوامته ؛ ورفضها والتولي عنها هو مظهر رفض هذا الإقرار .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَـٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (43)

التفسير :

43- وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ . . . . الآية أي : أن أمر هؤلاء اليهود لمن أعجب العجب ؛ لأنهم يحكمونك يا محمد في قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك ، ومع أن كتابهم التوراة قد ذكر حكم الله صريحا واضحا فيما يحكونك فيه ، فالاستفهام في قوله : وكيف يحكمونك . للتعجب من أحوالهم حيث حكموا من لا يؤمنون به في قضية حكمها بين أيديهم ظنا منهم أنه سيحكم بينهم بما اتفقوا عليه مما يرضى أهواءهم وشهواتهم .

ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ . أي : ثم يعرضون من بعد حكمك الموافق لما في كتابهم .

وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . تذييل مقرر لمضمون ما قبله ، فهم غير مؤمنين بالتوراة ؛ لتحريفهم بعض أحكامها . وغير مؤمنين بك ؛ لأعراضهم عم حكمك الموافق لما في التوراة .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَـٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (43)

{ وكيف يحكمونك } الآية : استبعاد لتحكمهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يؤمنون به ، مع أنهم يخالفون حكم التوراة التي يدعون الإيمان بها ، فمعنى ثم يتولون من بعد ذلك أي : يتولون عن إتباع حكم الله في التوراة من بعد كون حكم الله فيها موجودا عندهم ومعلوما في قضية الرجم وغيرها .

{ وما أولئك بالمؤمنين } يعني : أنهم لا يؤمنون بالتوراة وبموسى عليه السلام ، وهذا إلزام لهم لأن من خالف كتاب الله وبدله فدعواه الإيمان به باطلة .