ذلك كان حكم الله على المحكومين الذين لا يقبلون حكم شريعة الله في حياتهم . . فالآن يجيء حكمه - تعالى - على الحاكمين ، الذين لا يحكمون بما أنزل الله . الحكم الذي تتوافى جميع الديانات التي جاءت من عند الله عليه :
( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور . يحكم بها النبيون الذين أسلموا ، للذين هادوا ، والربانيون والأحبار ، بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ؛ فلا تخشوا الناس واخشون ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص . فمن تصدق به فهو كفارة له . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) . .
لقد جاء كل دين من عندالله ليكون منهج حياة . منهج حياة واقعية . جاء الدين ليتولى قيادة الحياة البشرية ، وتنظيمها ، وتوجيهها ، وصيانتها . ولم يجيء دين من عند الله ليكون مجرد عقيدة في الضمير ؛ ولا ليكون كذلك مجرد شعائر تعبدية تؤدي في الهيكل والمحراب . فهذه وتلك - على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري - لا يكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها ؛ ما لم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عمليا في حياة الناس ؛ ويؤخذ الناس بها بحكم القانون والسلطان ؛ ويؤاخذ الناس على مخالفتها ، ويؤخذون بالعقوبات .
والحياة البشرية لا تستقيم إلا إذا تلقت العقيدة والشعائر والشرائع من مصدر واحد ؛ يملك السلطان على الضمائر والسرائر ، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك . ويجزي الناس وفق شرائعة في الحياة الدنيا ، كما يجزيهم وفق حسابة في الحياة الآخرة .
فأما حين تتوزع السلطة ، وتتعدد مصادر التلقي . . حين تكون السلطة لله في الضمائر والشعائر بينما السلطة لغيره في الانظمة والشرائع . . وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا . . حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين ، وبين اتجاهين مختلفين ، وبين منهجين مختلفين . . وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) . . ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) . . ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) . .
من أجل هذا جاء كل دين من عند الله ليكون منهج حياة . وسواء جاء هذا الدين لقرية من القرى ، أو لأمة من الأمم ، أو للبشرية كافة في جميع أجيالها ، فقد جاء ومعه شريعة معينة لحكم واقع الحياة ، إلى جانب العقيدة التي تنشى ء التصور الصحيح للحياة ، إلى جانب الشعائر التعبدية التي تربط القلوب بالله . . وكانت هذه الجوانب الثلاثة هي قوام دين الله . حيثما جاء دين من عند الله . لأن الحياة البشرية لا تصلح ولا تستقيم إلا حين يكون دين الله هو منهج الحياة .
وفي القرآن الكريم شواهد شتى على احتواء الديانات الأولى ، التي ربما جاءت لقرية من القرى ، أو لقبيلة من القبائل على هذا التكامل ، في الصورة المناسبة للمرحلة التي تمر بها القرية أو القبيلة . . وهنا يعرض هذا التكامل في الديانات الثلاث الكبرى . . اليهودية ، والنصرانية ، والإسلام . .
ويبدأ بالتوراة في هذه الآيات التي نحن بصددها في هذه الفقرة :
( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) :
فالتوراة - كما أنزلها الله - كتاب الله الذي جاء لهداية بني إسرائيل ، وإنارة طريقهم إلى الله . وطريقهم في الحياة . . وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد . وتحمل شعائر تعبدية شتى . وتحمل كذلك شريعة :
( يحكم بها النبيون الذين أسلموا ، للذين هادوا ، والربانيون والأحبار ، بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) .
أنزل الله التوراة لا لتكون هدى ونورا للضمائر والقلوب بما فيها من عقيدة وعبادات فحسب . ولكن كذلك لتكون هدى ونورا بما فيها من شريعة تحكم الحياة الواقعية وفق منهج الله ، وتحفظ هذه الحياة في إطار هذا المنهج . ويحكم بها النبيون الذين أسلموا أنفسهم لله ؛ فليس لهم في أنفسهم شيء ؛ إنما هي كلها لله ؛ وليست لهم مشيئة ولا سلطة ولا دعوى في خصيصة من خصائص الألوهية - وهذا هو الإسلام في معناه الأصيل - يحكمون بها للذين هادوا - فهي شريعتهم الخاصة نزلت لهم في حدودهم هذه وبصفتهم هذه - كما يحكم بها لهم الربانيون والأحبار ؛ وهم قضاتهم وعلماؤهم . وذلك بما أنهم قد كلفوا المحافظة على كتاب الله ، وكلفوا أن يكونوا عليه شهداء ، فيؤدوا له الشهادة في أنفسهم ، بصياغة حياتهم الخاصة وفق توجيهاته ، كما يؤدوا له الشهادة في قومهم بإقامة شريعته بينهم .
وقبل أن ينتهي السياق من الحديث عن التوراة ، يلتفت إلى الجماعة المسلمة ، ليوجهها في شأن الحكم بكتابالله عامة ، وما قد يعترض هذا الحكم من شهوات الناس وعنادهم وحربهم وكفاحهم ، وواجب كل من استحفظ على كتاب الله في مثل هذا الموقف ، وجزاء نكوله أو مخالفته :
( فلا تخشوا الناس واخشون ؛ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) . .
ولقد علم الله - سبحانه - أن الحكم بما أنزل الله ستواجهه - في كل زمان وفي كل أمة - معارضة من بعض الناس ؛ ولن تتقبله نفوس هذا البعض بالرضى والقبول والاستسلام . . ستواجهه معارضة الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث . ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه ؛ ويرد الألوهية لله خالصة ، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به الله . . وستواجهة معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على الاستغلال والظلم والسحت . ذلك أن شريعة الله العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة . . وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال . ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها وسيأخذهم بالعقوبة عليها . . وستواجهه معارضة جهات شتى غير هذه وتيك وتلك ؛ ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض .
علم الله - سبحانه - أن الحكم بما أنزل ستواجهه هذه المقاومة من شتى الجبهات ؛ وأنه لا بد للمستحفظين عليه والشهداء أن يواجهوا هذه المقاومة ؛ وأن يصمدوا لها ، وإن يحتملوا تكاليفها في النفس والمال . . فهو يناديهم :
( فلا تخشوا الناس واخشون ) . .
فلا تقف خشيتهم للناس دون تنفيذهم لشريعة الله . سواء من الناس أولئك الطغاة الذين يأبون الاستسلام لشريعة الله ، ويرفضون الإقرار - من ثم - يتفرد الله - سبحانه - بالألوهية . أو أولئك المستغلون الذين تحول شريعة الله بينهم وبين الاستغلال وقد مردوا عليه . أو تلك الجموع المضللة او المنحرفة أو المنحلة التي تستثقل أحكام شريعة الله وتشغب عليها . . لا تقف خشيتهم لهؤلاء جميعا ولغيرهم من الناس دون المضي في تحكيم شريعة الله في الحياة . فالله - وحده - هو الذي يستحق أن يخشوة . والخشية لا تكون إلا لله . .
كذلك علم الله - سبحانه - أن بعض المستحفظين على كتاب الله المستشهدين ؛ قد تراودهم أطماع الحياة الدنيا ؛ وهم يجدون أصحاب السلطان ، وأصحاب المال ، وأصحاب الشهوات ، لا يريدون حكم الله فيملقون شهوات هؤلاء جميعا ، طمعا في عرض الحياة الدنيا - كما يقع من رجال الدين المحترفين في كل زمان وفي كل قبيل ؛ وكما كان ذلك واقعا في علماء بني إسرائيل .
( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلًا ) . .
وذلك لقاء السكوت ، أو لقاء التحريف ، أو لقاء الفتاوي المدخولة !
وكل ثمن هو في حقيقته قليل . ولو كان ملك الحياة الدنيا . . فكيف وهو لا يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقابا ومصالح صغيرة ؛ يباع بها الدين ، وتشترى بها جهنم عن يقين ؟ !
إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن ؛ وليس أبشع من تفريط المستحفظ ؛ وليس أخس من تدليس المستشهد . والذين يحملون عنوان : " رجال الدين " يخونون ويفرطون ويدلسون ، فيسكتون عن العمل لتحكيم ما أنزل الله ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، لموافأة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله . .
بهذا الحسم الصارم الجازم . وبهذا التعميم الذي تحمله ( من ) الشرطية وجملة الجواب . بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان ، وينطلق حكما عاما ، على كل من لم يحكم بما أنزل الله ، في أي جيل ، ومن أي قبيل . .
والعلة هي التي أسلفنا . . هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله ، إنما يرفض ألوهية الله . فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية . ومن يحكم بغير ما أنزل الله ، يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب ، ويدعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر . . وماذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك ؟ وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان ، والعمل - وهو أقوى تعبيرا من الكلام - ينطق بالكفر أفصح من اللسان ؟ !
إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل ، لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة . والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكم عن مواضعه . . وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد .
والربانيون : جمع رباني ؛ وهو المنسوب إلى الرب . والمراد : الزهاد والعباد .
والأحبار : جمع حبر ؛ وهو : العالم ، أو رؤساء العلماء عند اليهود .
استحفظوا : كلفوا من الله بالمحافظة عليه .
شهداء : أي : رقباء يحمونه من التغيير والتبديل .
44-إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ . . . الآية .
هذا كلام مستأنف لبيان علو شأن التوراة فهو سبحانه الذي انزلها من عنده لتكون مصدر هداية للناس إلى سبيل الله مشتملة على الأحكام والتكاليف والشرائع .
ومشتملة على النور من بيان للعقائد السليمة والمواعظ الحكيمة والأخلاق القويمة .
والمعنى : إنا أنزلنا التوراة على نبينا موسى مشتملة على ما يهدي الناس إلى الحق من أحكام وتكاليف وعلى ما يضئ لهم حياتهم من عقائد ومواعظ وأخلاق فاضلة .
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ . .
النبيون . هنا هم الأنبياء بني إسرائيل من بعد موسى .
الَّذِينَ أَسْلَمُواْ . صفة للنبيين أي : أخلصوا وجوههم لله
قال الشوكاني : وفيه إرغام لليهود بأن أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام ، الذي دان به محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يقال لنبي من الأنبياء : إنه يهودي أو نصراني ، بل كانوا جميعا مسلمين .
لِلَّذِينَ هَادُواْ . أي : رجعوا عن الكفر ، والمراد لهم اليهود .
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء .
َالرَّبَّانِيُّونَ . العلماء الحكماء .
وقال مجاهد : الربانيون : الفقهاءُو العلماء وهم فوق الأحبار ، وقال ابن عباس : الربانيون : هم الذين يسوسون الناس بالعلم ، ويربونهم بصغاره قبل كباره .
والحبر والحبر : الرجل العالم وهو مأخوذ من التحبير وهو التحسين ، فهم يخبرون العلم أي : يبينونه ويزينونه ، وهو محبر في صدورهم {[242]}
بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ . أي : أمرهم الأنبياء بحفظ التوراة عن التغيير والتبذيل والمحافظة على تطبيق أحكامها ، وأن يكونوا رقباء على تنفيذ حدودها ، وتطبيق أحكامها ؛ حتى لا يهمل شيء منها .
والمعنى : إنا أنزلنا التوراة فيها هداية للناس إلى الحق ، وضياء لهم من ظلمات الباطل ، وهذه التوراة يحكم بها بين اليهود أنبياؤهم الذين أسلموا وجوههم لل ، ه وأخلصوا له العبادة والطاعة ، ويحكم بها أيضا الربانيون والأحبار الذين التزموا طريقة الأنبياء .
وكان هذا الحكم منهم بالتوراة بين اليهود ، بسبب انه تعالى حملهم أمانة حفظ كتابه والقيام على تنفيذ أحكامه ، وشرائعه وتعاليمه .
قوله تعالى : بما استحفظوا من كتاب الله .
والثاني : أن يحفظ فلا يضيع ، وقد اخذ الله على العلماء حفظ كتابه من هذين الوجهين :
أحدهما : أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم .
الثاني : ألا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه {[243]}
فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ .
الخشية : خوف يشوبه تعظيم ، وأكثر ما يكون ذلك على علم بما يخشى منه ، ولذلك خص العلماء بها في قوله : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء . . {[244]} ( فاطر : 20 ) .
فالخشية خوف يشوبه تعظيم ومحبة للمخشي ، بخلاف الخوف فهو أعم من أن يكون من مرهوب معظم محبوب أو مرهوب مبغوض مذموم .
والمعنى : إذا كان شأن التوراة ، أن تنفذ أحكامها وتعاليمها فلا تخافوا يا علماء اليهود ، أحدا من الناس كائنا من كان ، وعليكم أن تطبقوا أحكام الله كما أنزلها الله وأن تجعلوا خشيتكم مني وحدي ، لا من أحد من الناس فانا الذي بيدي نفع العباد وضرهم .
وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً . أي : لا تتركوا الحكم بما أنزل الل ؛ ه خوفا من احد أو رغبة في مصلحة أو رشوة .
قال الدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسير سورة المائدة .
والاشتراء هنا معناه : الاستبدال ، والمراد بالآيات : ما اشتملت عليه التوراة من أحكام وتشريعات وبشارات بالنبي صلى الله عليه وسلم .
والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال والجاه ، وما إلى ذلك من متع الحياة الدنيا .
أي : ولا تستبدلوا بأحكام آياتي التي اشتملت عليها التوراة ، أحكاما أخرى تغايرها وتخالفها لكي تأخذوا في مقابل هذا الاستبدال ثمنا قليلا من حظوظ الدنيا .
وهذا الثمن لا يكون إلا قليلا- وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا- بالنسبة لطاعة الله والرجاء في رحمته ورضاه .
وهذا النهي ، وإن كان موجها إلى رؤساء اليهود وأحبارهم ، إلا أنه يتناول الناس جميعا في كل زمان ؛ لأنه نهى عن رذائل يجب أن يبتعد عنها كل إنسان يتأتى له الخطاب . وإلى هذا المعنى أشار الآلوسي بقوله : فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . . خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات- إذا انتقل من الحديث عن الأحبار السابقين منهم إلى خطاب هؤلاء المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم- ويتناول غير أولئك المخاطبين بطريق الدلالة {[245]}
وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ .
هذه الآية ، وما يأتي من قوله تعالى : فأولئك هم الظالمون .
وقوله تعالى : فأولئك هم الفاسقون . نزلت كلها في الكفار وعلى هذا رأى أكثر المفسرين .
فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة {[246]}
قال القرطبي {[247]} قوله تعالى : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ .
والظالمون والفاسقون . نزلت كلها في الكفار ؛ ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء ، وقد تقدم . وعلى هذا المعظم فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة . وقيل : فيه إضمار ؛ أي : ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن ، وحجدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر ؛ قاله ابن عباس ومجاهد ، فالآية عامة على هذا .
قال ابن مسعود والحسن : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار ، أي : معتقدا ذلك ومستحلا له ؛ فأما من فعل ذلك ، وهو معتقد أنه راكب محرم ؛ فهو من فساق المسلمين ، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له .
وقال ابن عباس في رواية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار . وقيل أي : ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله ؛ فهو كافر ، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع ؛ فلا يدخل في هذه الآية ، والصحيح الأول ، إلا أن الشعبي قال : هي في اليهود خاصة ، واختاره النحاس ؛ قال : ويدل على ذلك ثلاثة أشياء منها : أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله : للذين هادوا . فعاد الضمير عليهم ، ومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك ، ألا ترى أن بعده وكتبنا عليهم . فهذا الضمير لليهود بإجماع ؛ وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص . فإن قال قائل : من إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها ؟ قيل له : من . هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلة ؛ والتقدير : واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك الكافرين ؛ فهذا من أحسن ما قيل في هذا .
ويروي أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني إسرائيل ؟ قال : نعم هي فيهم ، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل . وقيل : الكافرون . للمسلمين ، والظالمون لليهود ، والفاسقون . للنصارى ؛ وهذا اختيار أبي بكر بن العربي ، قال : لأنه ظاهر الآيات ، وهو اختيار ابن عباس وجابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة والشعبي أيضا . قال طاوس وغيره : ليس بكفر ينقل عن الملة ، ولكنه كفر دون كفر {[248]} .
{ النبيون الذين أسلموا } هم الأنبياء الذين بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، ومعنى أسلموا هنا أخلصوا لله وهو صفة مدح أريد به التعريض باليهود لأنهم بخلاف هذه الصفة ، وليس المراد هنا الإسلام الذي هو ضد الكفر ؛ لأن الأنبياء لا يقال فيهم أسلموا على هذا المعنى ، لأنهم لم يكفروا قط ، وإنما هو كقول إبراهيم عليه السلام :{ أسلمت لرب العالمين }[ البقرة :131 ] ، وقوله تعالى :{ فقل أسلمت وجهي لله }[ آل عمران : 20 ] .
{ للذين هادوا } متعلق بيحكم أي يحكم الأنبياء بالتوراة للذين هادوا ، ويحملونهم عليها ، ويتعلق بقوله :{ فيه هدى ونور } .
{ بما استحفظوا } أي : كلفوا حفظه ، والباء هنا سببية قاله الزمخشري ، ويحتمل أن تكون بدلا من المجرور في قوله : يحكم بها .
{ فلا تخشوا الناس } وما بعده خطابا لليهود ، ويحتمل أن تكون وصية للمسلمين يراد بها التعريض باليهود ، لأن ذلك من أفعالهم .
{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال ابن عباس : نزلت الثلاثة : في اليهود الكافرون ، والظالمون ، والفاسقون ، وقد روي في هذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال جماعة : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم ، إلا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان ، وقال الشافعي : الكافرون في المسلمين ، والظالمون في اليهود ، والفاسقون في النصارى .