وتختم السورة بآيتين ورد أنهما مكيتان ، وورد أنهما مدنيتان . ونحن نأخذ بهذا الأخير ، ونلمح مناسبتهما في مواضع متفرقة في هذا الدرس وفي جو السورة على العموم . آيتين تتحدث إحداهما عن الصلة بين الرسول وقومه ، وعن حرصه عليهم ورحمته بهم . ومناسبتها حاضرة في التكاليف التي كلفتها الأمة المؤمنة في مناصرة الرسول ودعوته وقتال أعدائه واحتمال العسرة والضيق . والآية الثانية توجيه لهذا الرسول أن يعتمد على ربه وحده حين يتولى عنه من يتولى ، فهو وليه وناصره وكافيه :
( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ، عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم ، فإن تولوا فقل حسبي الله ، لا إله إلا هو ، عليه توكلت ، وهو رب العرش العظيم )
ولم يقل : جاءكم رسول منكم . ولكن قال : ( من أنفسكم ) وهي أشد حساسية وأعمق صلة ، وأدل على نوع الوشيجة التي تربطهم به . فهو بضعة من أنفسهم ، تتصل بهم صلة النفس بالنفس ، وهي أعمق وأحسن .
لا يلقي بكم في المهالك ، ولا يدفع بكم إلى المهاوي ؛ فإذا هو كلفكم الجهاد ، وركوب الصعاب ، فما ذلك من هوان بكم عليه ، ولا بقسوة في قلبه وغلظة ، إنما هي الرحمة في صورة من صورها . الرحمة بكم من الذل والهوان ، والرحمة بكم من الذنب والخطيئة ، والحرص عليكم أن يكون لكم شرف حمل الدعوة ، وحظ رضوان الله ، والجنة التي وعد المتقون .
{ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ 128 فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ 129 } .
عزيز عليه ما عنتم : شاق عليه ما تكرهون من مشاق الحياة ، والعنت : المشقة .
حريص عليكم : لا يفرط فيما يصلحكم .
رءوف رحيم : الرأفة : شدة الرحمة ، ولا تكون مع الكراهية ، أما الرحمة فقد تكون مع الكراهية .
128 { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ . . . } الآية .
تأتي هاتان في آخر سورة التوبة كالتتمة ؛ لما اشتملت عليه ؛ فقد بدأت السورة بالبراءة من المشركين ، وكشفت حيل المنافقين وفضحتهم وبعثرتهم ، وكأنها تتجه إلى جزيرة العرب كلها ؛ تدعوهم إلى الإيمان بهذا النبي الكريم ، الذي أرسل إلى العرب خاصة وإلى الناس عامة .
المعنى : لقد أرسل إليكم أيها العرب رسولا من خالص نسبكم ، أو من جنسكم من العرب بلسان عربي مبين ، شاق عليه وقوعكم في العنت والهلاك ، حريص على هدايتكم ، بالغ الرأفة والرحمة بكم .
قوله : { من أنفسكم } . يقتضي مدحا لنسب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه من صميم العرب وخالصها ، وفي صحيح مسلم عن وائلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم )161 .
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني من نكاح ولست من سفاح ) . 162
و قال الزجاج : إن الخطاب في الآية الكريمة لجميع البشر ؛ لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم ، ومعنى كونه { من أنفسكم } : أنه من جنس البشر ، قال تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } . ا ه ( الأنبياء : 107 ) .
ولا تعارض بين الرأيين ؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل للعرب خاصة وللناس عامة .
{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم } يعني : النبي صلى الله عليه وسلم ، والخطاب للعرب أو لقريش خاصة أي : من قبيلتكم حيث تعرفون حسبه وصدقه وأمانته أو لبني آدم كلهم أي : من جنسكم وقرئ { من أنفسكم } بفتح الفاء أي : من أشرفكم .
{ عزيز عليه ما عنتم } أي : يشق عليه عنتكم ، والعنت : هو ما يضرهم في دينهم أو دنياهم وعزيز صفة للرسول ، و{ ما عنتم } فاعل ب{ عزيز } ، و{ ما } مصدرية أو { ما عنتم } مصدر ، و{ عزيز } خبر مقدم والجملة في موضع الصفة { حريص عليكم } أي : حريص على إيمانكم وسعادتكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.