ثم ينتقل الخطاب إلى الرسول [ ص ] يعرفه طريقه حين يتولى عنه من يتولى ، ويصله بالقوة التي تحميه وتكفيه :
( فإن تولوا فقل : حسبي الله ، لا إله إلا هو ، عليه توكلت ، وهو رب العرش العظيم ) .
فإليه تنتهي القوة والملك والعظمة والجاه ، وهو حسب من لاذ به وحسب من والاه .
إنه ختام سورة القتال والجهاد : الارتكان إلى الله وحده ، والاعتماد على الله وحده ، واستمداد القوة من الله وحده . .
وبعد فإن هذه السورة المحكمة تحتوى بيان الأحكام النهائية في العلاقات الدائمة بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات حوله - كما بينا في خلال عرضها وتقديمها - ومن ثم ينبغي أن يرجع إلى نصوصها الأخيرة بوصفها الكلمة الأخيرة في تلك العلاقات ؛ وأن يرجع إلى أحكامها بوصفها الأحكام النهائية المطلقة ، حسبما تدل عليها نصوص السورة . كما ينبغي ألا تقيد هذه النصوص والأحكام النهائية بنصوص وأحكام وردت من قبل - وهي التي سميناها أحكاما مرحلية - مستندين في هذه التسمية : أولا وبالذات إلى ترتيب نزول الآيات . ومستندين أخيرا إلى سير الأحداث في الحركة الإسلامية ، وإدراك طبيعة المنهج الإسلامي في هذه الحركة . . هذه الطبيعة التي بيناها في التقديم للسورة وفي ثناياها كذلك . .
وهذا هو المنهج الذي لا يدركه إلا الذين يتحركون بهذا الدين حركة جهادية لتقرير وجوده في واقع الحياة ؛ برد الناس إلى ربوبية الله وحده ، وإخراجهم من عبادة العباد !
إن هنالك مسافة شاسعة بين فقه الحركة ، وفقه الأوراق ! إن فقه الأوراق يغفل الحركة ومقتضياتها من حسابه ، لأنه لا يزاولها ولا يتذوقها ! أما فقه الحركة فيرى هذا الدين وهو يواجه الجاهلية ، خطوة خطوة ، ومرحلة مرحلة ، وموقفا موقفا . ويراه وهو يشرع أحكامه في مواجهة الواقع المتحرك ، بحيث تجيء مكافئة لهذا الواقع وحاكمة عليه ؛ ومتجددة بتجدده كذلك
وأخيرا فإن تلك الأحكام النهائية الواردة في السورة الأخيرة ؛ إنما جاءت وواقع المجتمع المسلم ، وواقع الجاهلية من حوله كذلك ، كلاهما يحتم اتخاذ تلك الإجراءات وتنفيذ تلك الأحكام . . فأما حين كان واقع المجتمع المسلم وواقع الجاهلية من حوله يقتضي أحكاما أخرى . . مرحلية . . فقد جاءت في السور السابقة نصوص وأحكام مرحلية . .
وحين يوجد المجتمع المسلم مرة أخرى ويتحرك ؛ فإنه يكون في حل من تطبيق الأحكام المرحلية في حينها . ولكن عليه أن يعلم أنها أحكام مرحلية ، وأن عليه أن يجاهد ليصل في النهاية إلى تطبيق الأحكام النهائية التي تحكم العلاقات النهائية بينه وبين سائر المجتمعات . .
129 { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } .
أي : فإن أعرضوا عن رسالتك ، وكفروا بدعوتك ؛ فالجأ إلى الله واعتصم به فهو الإله ولا إله غيره ومن توكل عليه ؛ حفظه وكفاه ، وهو مالك الملك ومدبر أمره وجميع الخلق في قبضته .
جاء في التفسير المنير ص90 جزء 11 ما يأتي :
وصف الله تعالى هذا الرسول بخمس صفات :
الأولى : قوله : { من أنفسكم } . أي : من العرب ، والمقصود منه : ترغيب العرب في نصرته .
الثانية : { عزيز عليه ما عنتم } . أي : شديد عليه عنتكم أي : مشقتكم ولقاؤكم المكروه في الدنيا والآخرة ؛ إذ هو منكم ، يتألم لألمكم ويفرح لفرحكم .
الثالثة : { حريص عليكم } . أي : حريص على هدايتكم ، وإيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة .
الرابعة والخامسة : { بالمؤمنين رءوف رحيم } . أي : شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : سماه الله باسمين من أسمائه .
{ فإن تولوا } . أي : أعرض المشركون والمنافقون عنك ، وعن الإيمان برسالتك ، والاهتداء بشرعك ؛ فقل حسبي الله . أي : الله كافي في النصر على الأعداء . { لا إله إلا هو } ، أي : لا معبود سواه أدعوه وأخضعه له . { عليه توكلت } . فوضت أمري إليه وحده ، فلا أتوكل إلا عليه .
روى أبو داود عن أبي الدرداء قال : من قال إذا أصبح وإذا أمسى : ( حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) سبع مرات ؛ كفاه الله ما أهمّه ، صادقا كان أو كاذبا . 163
وحكى النقاش عن أبي بن كعب أنه قال : أقرب القرآن عهدا بالله تعالى : هاتان الآيتان : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم . . . }إلى آخر السورة . وقد اتفق الصحابة حين جمع القرآن على وضع هاتين الآيتين في آخر سورة براءة .
روى أحمد والبخاري والترمذي عن زيد بن ثابت ، في جمع القرآن وكتابته في عهد أبي بكر أنه قال : ( حتى وجدت من سورة براءة آيتين عن خزيمة الأنصاري ، لم أجدها مع أحد غيره : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم . . . } إلى آخرها ، أي : لم يجدهما مكتوبتين عند غيره ، وإن كانتا محفوظتين عنده وعند غيره ، كما ذكر ابن حجر ) . 164
وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
انتهى تفسير سورة التوبة والحمد لله رب العالمين .
1 من كتاب أهداف كل سورة ومقاصدها في القرآن الكريم للدكتور : عبد الله شحاتة .
رواه الترمذي في الحج( 871 ) وفي التفسير( 3092 ) والدارمي في المناسك( 1919 ) وأحمد في مسنده( 4 ، 595 ) من حديث زيد بن أثيع قال : سألت عليا بأي شيء بعثت قال : بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا ، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لا مدة له فأربعة أشهر . ورواه البخاري في الصلاة( 369 ) وفي الحج( 1622 ) وفي الجزية( 3177 ) وفي المغازي( 4363 ) وفي تفسير القرآن( 4655 ، 4656 ، 4657 ) ومسلم في الحج( 1347 ) وأبو داود في المناسك( 1946 ) والنسائي في مناسك الحج( 2957 ) والدارمي في الصلاة( 1430 ) وفي السير( 2506 ) وأحمد في مسنده( 7917 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان قال حميد بن عبد الرحمان ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلى بن أبي طالب وأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا على يوم النحر في أهل مني ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان .
3 قال الزمخشري في تفسير الكشاف{ براءة } خبر مبتدأ محذوف أي : هذه براءة و{ من } لابتداء الغاية متعلق بمحذوف أي : براءة كائنة من الله . أو واصلة من الله ورسوله ، ويجوز أن تكون{ براءة } مبتدأ ، والخبر إلى{ الذين عاهدتم من المشركين } كما تقول رجل من بني تميم في الدار .
4 تفسير القرآن الكريم لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ : محمود شلتوت .
5 حاشية الجمل على الجلالين 2/ 263 .
7 تفسير القاسمي وقد أسند هذا القول إلى ابن القيم .
8 أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله :
رواه مسلم في الإيمان أيضا( 22 ) من حديث عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله . رواه البخاري في الصلاة( 393 ) وأبو داود في الجهاد( 2641 ) والترمذي في الإيمان( 2608 ) والنسائي في تحريم الدم( 3966 ) وفي الإيمان( 5003 ) وأحمد في مسنده( 12643 ، 12935 ) من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا ؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله . ورواه مسلم في الإيمان( 21 ) وأبو داود في الجهاد( 2640 ) والترمذي في الإيمان( 2606 ) والنسائي في الجهاد( 3093 ) وفي تحريم الدم( 3971 ) وابن ماجة في الفتن( 3927 ) وأحمد في مسنده( 68 ، 8678 ، 9190 ) من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله . ورواه الترمذي في التفسير( 3341 ) وابن ماجة في الفتن( 3928 ) وأحمد في مسنده( 13797 ، 14150 ) جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ{ إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر } قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . ورواه النسائي في تحريم الدم( 3979 ) من حديث النعمان بن بشير قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فساره فقال : اقتلوه ثم قال : أيشهد أن لا إله إلا الله . قال : نعم ولكنما يقولها تعوذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه فإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ؟ فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله . ورواه النسائي في تحريم الدم أيضا( 3983 ) وأحمد في مسنده( 15727 ) من حديث أوس بن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ثم تحرم دماؤهم وأموالهم إلا بحقها . ورواه أحمد في مسنده( 241 ) من حديث عمر أنه قال لأبي بكر : كيف تقاتل الناس يا أبا بكر وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا : لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : والله لأقتالن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها ، قال عمر رضي الله عنه : فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر رضي الله عنه للقتال فعرفت أنه الحق .
10 أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله :
رواه البخاري في الصلاة( 393 ) وأبو داود في الجهاد( 2641 ) والترمذي في الإيمان( 2607 ) والنسائي في تحريم الدم( 3966 ) وفي الإيمان( 5003 ) وأحمد في مسنده( 12643 ، 12935 ) من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا ؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله . وانظر ما قبله .
11 انظر تفسير ابن كثير للآية ، فقد كتب طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة تتصل بتفسير الآية .
12 من أمن رجلا على دمه فقتله :
ذكره السيوطي في الجامع الصغير( 8271 ) بلفظ : من أمن رجلا على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل ، وإن كان المقتول كافرا . ونسبه للبخاري في التاريخ والنسائي عن عمرو بن الحمق . قال الهيثمي في المجمع : عن رفاعة القتباني قال : دخلت على المختار فألقى إلى وسادة وقال : لولا أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك قال فأردت أن أضرب عنقه فذكرته حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما مؤمن أمن على دمه فقتله أنا من القاتل بريء – قلت : روى له ابن ماجة : من أمن رجلا على دمه فقتله فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة . رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات .
وعن عمرو بن الحمق قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أمن رجلا على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرا . رواه الطبراني بأسانيد كثيرة وأحدها رجاله ثقات . فرواه ابن ماجة في الديات( 2688 ) وأحمد في مسنده( 21439 ) من حديث رفاعة بن شداد القتباني قال لولا كلمة سمعتها من عمرو بن الحمق الخزاعي لمشيت فيما بين رأس المختار وجسده سمعته يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أمن رجلا على دمه فقتله ، فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة . قال البوصيري في الزوائد : إسناده صحيح ورجاله ثقات ؛ لأن رفاعة بن شداد ، أخرجه النسائي في سننه ووثقه وذكره ابن حبان في الثقات ، وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم .
13 لكل غادر لواء يوم القيامة :
رواه البخاري في الجزية( 3187 ) ومسلم في الجهاد( 1737 ) وأحمد في مسنده( 12035 ) من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لكل غادر لواء يوم القيامة قال أحدهما ينصب وقال الآخر يرى يوم القيامة يعرف به . رواه البخاري في الجزية( 3188 ) وفي الحيل( 6966 ) وفي الفتن( 7111 ) ومسلم في الجهاد( 1735 ) والترمذي في السير( 1581 ) وأحمد في مسنده( 4824 ) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم : لكل غادر لواء ينصب بغدرته يوم القيامة . ورواه مسلم في الجهاد( 1736 ) وابن ماجة في الجهاد( 2872 ) والدارمي في البيوع( 2542 ) وأحمد في مسنده( 3890 ) من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لكل غادر لواء يوم القيامة يقال : هذه غدرة فلان . ورواه مسلم في الجهاد( 1738 ) والترمذي في الفتن( 2191 ) وابن ماجة في الجهاد( 2873 ) وأحمد في مسنده( 10910 ) من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة .
14 تفسير سورة التوبة د . محمد سيد طنطاوي الطبعة الثانية ص 61 .
15 انظر تفسير الفخر الرازي ، والكشاف للزمخشري ، والمنار والقرطبي وأحكام القرآن للجصاص ، وأحكام القرآن لابن عربي ، والتفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي .
16 انظر التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي دار الفكر دمشق سوريا10/ 125
17 تفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم لقاضي القضاة الإمام أبي السعود محمد بن محمد العمادي المتوفى سنة 951ه 4/ 49
18 أسباب النزول للواحدي ، وتفسير الكشاف ، وحاشية الجمل على الجلالين ، وتفسير المنار .
19 قارن بتفسير المنار 10/ 249 .
20 مقتبس من تفسير الآلوسي وغيره .
21 التفسير المنير للأستاذ الدكتور/ وهبة الزحيلي دار الفكر المعاصر بيروت 10/ 141 .
22 حاشية الجمل على الجلالين 2/ 370 .
23 انظر حاشية الجمل على الجلالين ، والتفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي 10/ 141 حيث نقل ذلك عن الواحدي .
24 من بنى لله مسجدا ؛ بنى الله له بيتا في الجنة :
البخاري في الصلاة( 450 ) ومسلم في المساجد( 533/ 24 ، 25 ) ، والترمذي في الصلاة( 318 ) وقال : " حديث حسن صحيح " ، وابن ماجة في المساجد( 736 ) كلهم عن عثمان بن عفان .
25 إنما عمار المساجد هم أهل الله :
قال ابن كثير في تفسيره : وروى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما عمار المساجد هم أهل الله " .
26 إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد :
رواه الترمذي في الإيمان( 2617 ) وفي التفسير( 3039 ) وابن ماجه في المساجد( 802 ) والدارمي في الصلاة( 1223 ) من حديث أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان قال الله تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله } . الآية . قال المناوي في الفيض : قال الترمذي : حسن غريب وقال الحاكم ترجمة صحيحة مصرية وتعقبه الذهبي بأن فيه دراج وهو كثير المناكير وقال مغلطاي في شرح ابن ماجة حديث ضعيف .
رواه البخاري في الأذان( 662 ) ومسلم في المساجد( 669 ) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من غدا إلى المسجد وراح ؛ أعد الله له نزله في الجنة كلمة غدا أو راح .
29 نقلا عن التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية الحزب التاسع عشر ص 1174 .
30 إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، هل رضيتم ؟
رواه البخاري في الرقاق باب : صفة الجنة والنار( 6183 ) وفي التوحيد باب : كلام الرب مع أهل الجنة( 7080 ) ومسلم في الجنة ، وصفة نعيمها وأهلها باب إحلال الرضوان على أأأهل الجنة ، فلا يسخط عليهم أبدا( 2829 ) والترمذي في صفة الجنة( 2680 ) من حديث أبي سعيد الخدري . وتمام لفظه : " إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك . فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا " . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
31 التفسير المنير ، للدكتور وهبة الزحيلى 10/ 149 . دار الفكر المعاصر بيروت – لبنان ودار الفكر دمشق سورية .
32 لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده :
رواه البخاري في الإيمان( 14 ) والنسائي في الإيمان( 5015 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده . ورواه البخاري في الإيمان( 15 ) ومسلم في الإيمان( 44 ) والنسائي في الإيمان( 5013 ) وابن ماجه في المقدمة( 67 ) والدارمي في الرقاق( 2741 ) وأحمد في مسنده( 12403 ) من حديث أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين . ورواه البخاري في الأيمان والنذور( 6632 ) وأحمد في مسنده( 18482 ) من حديث عبد الله بن هشام قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال له عمر : يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر : فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الآن يا عمر .
33 لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه :
رواه البخاري في الهبة( 2620 ) وفي الجزية( 3183 ) ومسلم في الزكاة( 1003 ) وأبو داود في الزكاة( 1668 ) وأحمد في مسنده( 26375 ) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قال : قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت وهي راغبة : أفأصل أمي ؛ قال : تعم صلي أمك .
35 تفسير سورة التوبة د . محمد سيد طنطاوي ص 89 الطبعة الثانية نقلا عن بعض العلماء ولم يذكر الإسم ولا المصدر .
36 انظر تفسير الطبري وابن كثير والقرطبي وابي السعود ونور اليقين في سيرة سيد المرسلين للشيخ محمد الخضري .
38 تفسير سورة التوبة د . محمد سيد طنطاوي نقلا عن تفسير القاسمي 10/ 3099 .
39 لو أنكم توكلون على الله حق توكله :
رواه الترمذي في الزهد( 2344 ) وابن ماجة في الزهد( 4164 ) وأحمد في مسنده( 372 ، 205 ) من حديث عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير تغدو وخماصا وتروح بطانا " . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه وأبو تميم الجيشاني اسمه : عبد الله بن مالك . تنبيه : لم يروه البخاري ، ولم أر من عزاه له ، فليحرر .
40 انظر تفسير فخر الدين الرازي للآية .
41 تفسير ابن كثير باختصار وتصرف .
42 هذه خلاصة لما ورد في كتب التفسير ، مثل تفسير الجمل على الجلالين ، والتفسير المنير للدكتور وهبة الزحلي وتفسير الكشاف ، وفتح القدير وتفسير سورة التوبة للدكتور محمد سيد طنطاوي .
43 انظر تفسير أبي السعود المجلد 2 جزء 4 ص 59 ، وتفسير سورة التوبة للدكتور طنطاوي ص 105 .
رواه أبو داود في الجزية( 3053 ) وأحمد في مسنده( 1950 ) من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على المسلم جزية . حدثنا محمد بن كثير قال : سئل سفيان عن تفسير هذا فقال : إذا أسلم فلا جزية عليه .
48 انظر تفسير القاسمي ، والقرطبي ، والمنار ، والكشاف .
51 تفسير القرطبي ج 8 ص 110 طبعة دار الكتب المصرية 1961 م .
52 كتاب الخراج لأبي يوسف ص 14 .
54 التفسير الوسيط : مجمع البحوث الإسلامية ص : 1690 .
55 تفسير المنار بتصرف ، وانظر أيضا تفسير في ظلال القرآن .
56 تفسير سورة التوبة د . محمد سيد طنطاوي ص 115 .
58 إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون :
رواه الترمذي في التفسير( 2954 ) وأحمد في مسنده( 4/ 378 ) من حديث عدي بن حاتم قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فقال القوم : هذا عدي بن حاتم وجئت بغير أمان ولا كتاب فلما دفعت إليه أخذ بيدي وقد كان قال قبل ذلك : إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي قال : فقام فلقيته امرأة وصبي معها فقالا : إن لنا إليك حاجة فقام معهما حتى قضى حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها وجلست بين يديه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما يفرك أن تقول لا إله إلا الله فهل تعلم من إله سوى الله قال : قلت : لا ، قال : ثم تكلم ساعة ثم قل : إنما تفر أن تقول الله أكبر وتعلم أن شيئا أكبر من الله قال : قلت لا ، قال : فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضلال قال : قلت : فإني جئت مسلما قال فرأيت وجهه تبسط فرحا قال : ثم أمر بي فأنزلت عند رجل من الأنصار جعلت أغشاه آتيه طرفي النهار قال فبينما أنا عنده عشية إذ جاءه قوم في ثياب من الصوف من هذه النمار قال : فصلى وقام فحث عليهم ثم قال ولو صاع ولو بنصف صاع ولو بقبضة ولو ببعض قبضة يقي أحدكم وجهه حر جهنم أو النار ولو بتمرة ولو بشق تمرة فإن أحدكم لاقى الله وقائل له : ما أقول لكم : ألم أجعل لك سمعا وبصرا فيقول : بلى ؛ فيقول : ألم أجعل لك مالا وولدا فيقول : بلى فيقول : أين ما قدمت لنفسك فينظر قدامه وبعده وعن يمينه وعن شماله ثم لا يجد شيئا يقي به وجهه حر جهنم ؛ ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة فإني لا أخاف عليكم الفاقة فإن الله ناصركم ومعطيكم حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة أو أكثر ما تخاف على مطيتها السرق قال : فجعلت أقول في نفسي فأين لصوص طيئ قال : أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب . ثم ذكر بسنده من حديث عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال فذكر الحديث بطوله .
رواه مسلم في الفتن( 2889 ) ، والترمذي في الفتن ح 2176 ، وأبو داود في الفتن ح 2176 ، وابن ماجة في الفتن( 3952 ) ، وأحمد 5/ 278 ، 284 ، من حديث ثوبان . وقال الترمذي : حسن صحيح .
61 لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر :
رواه أحمد في مسنده( 23302 ) من حديث المقداد بن الأسود يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل إما يعزهم الله عز وجل فيجعلهم من أهلها أو يذلهم فيدينون لها . ورواه أحمد في مسنده( 16590 ) من حديث تميم الداري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر وكان تميم الداري يقول : قد عرفت ذلك في أهل بيتي لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية . قال الهيثمي في المجمع : رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح .
62 والذي نفسي بيده ليتمن الله .
رواه أحمد في مسنده( 17796 ) من حديث عدي بن حاتم قال لما بلغني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرهت خروجه كراهة شديدة خرجت حتى وقعت ناحية الروم وقال يعني يزيد ببغداد حتى قدمت على قيصر قال : فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهيتي لخروجه قال : فقلت والله لولا أتيت هذا الرجل فإن كان كاذبا لم يضرني وإن كان صادقا علمت قال : فقدمت فأتيته فلما قدمت قال الناس عدي بن حاتم قال : فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا عدي بن حاتم أسلم تسلم ثلاثا قال قلت إني على دين قال أنا أعلم بدينك منك فقلت أنت أعلم بديني مني قال : نعم ألست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك قلت بلى قال : فإن هذا لا يحل لك في دينك قال : فلم يعد أن قالها فتواضعت لها فقال : أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإسلام تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة له وقد رمتهم العرب أتعرف الحيرة قلت : لم أرها وقد سمعت بها قال فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد وليفتن كنوز كسرى بن هرمز قال : قلت : كسرى بن هرمز قال : نعم كسرى بن هرمز وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد قال عدي بن حاتم : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها . ورواه البخاري في المناقب( 3612 ، 3852 ) وفي الإكراه( 6943 ) ، وأبو داود في الجهاد( 2649 ) وأحمد ح 20568 ، 26675 من حديث خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة به في ظل الكعبة قلنا له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا قال : كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون .
بوّب به البخاري في كتاب الزكاة فقال : باب ما أدى زكاته فليس بكنز لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمسة أواق صدقة ، ورواه أبو داود في الزكاة( 1564 ) من حديث أم سلمة قالت : كنت ألبس أوضاحا من ذهب فقلت : يا رسول الله أكنز هو ؟ فقال : ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكى فليس بكنز .
64 تفسير الكشاف للزمخشري 2/ 191 .
65 من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته .
رواه البخاري في الزكاة ح 1403 ، 1404 ، وفي تفسير القرآن ح 4565 ، والنسائي في الزكاة ح 2482 ، وابن ماجة في الزكاة ح 1787 ، وأحمد ح 8447 من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرعا له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك ثم تلى{ لا يحسبن الذين يبخلون } الآية .
66 ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا .
رواه البخاري في الرقاق( 6444 ) والدارمي في الرقاق( 2767 ) وأحمد في مسنده( 20815 ) من حديث أبي ذر قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة فاستقبلنا أحد فقال يا أبا ذر قلت لبيك يا رسول الله قال : ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي على ثالثة وعندي منه دينار إلا شيئا أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه ثم مشى فقال : إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم ثم قال لي : مكانك لا تبرح حتى آتيك ثم انطلق في سواد الليل حتى توارى فسمعت صوتا قد ارتفع فتخوفت أن يكون قد عرض للنبي صلى الله عليه وسلم فأردت أن آتيه فذكرت قوله لي : لا تبرح حتى آتيك فلم أبرح حتى آتاني قلت : يا رسول الله لقد سمعت صوتا تخوفت فذكرت له فقال : وهل سمعته قلت : نعم قال : ذاك جبريل أتاني فقال : من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال : وإن زنى وإن سرق . ورواه البخاري في الاستقراض( 2389 ) ومسلم في الزكاة( 991 ) وأحمد في مسنده( 9694 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرني أن لا يمر على ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين . ورواه أحمد في مسنده( 2719 ) من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم التفت إلى أحد فقال : والذي نفس محمد بيده ما يسرني أن أحدا يحول لآل محمد ذهبا أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت أدع منه دينارين إلا دينارين أعدهما لدين إن كان فمات وما ترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة وترك درعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين صاعا من شعير .
رواه أحمد في مسنده( 2259 ) من حديث عبد الله بن أبي الهذيل قال : حدثني صاحب لي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تبا للذهب والفضة قال : فحدثني صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله قولك تبا للذهب والفضة ماذا ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة تعين على الآخرة . ورواه الترمذي في تفسير القرآن ح( 3019 ) وابن ماجة في النكاح( 1856 ) وأحمد في مسنده( 21358 ، 22022 ) من حديث ثوبان قال : لما نزلت{ والذين يكنزون الذهب والفضة } قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه : أنزل في الذهب والفضة ما أنزل لو علمنا أي المال خير فنتخذه فقال أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه . وقال أبو عيسى : حديث حسن . قلت : وهو كما قال إلا أن سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان – راوي الحديث – فهو مرسل .
68 ما من إنسان أو قال : أحد ؛ ترك صفراء أو بيضاء :
رواه أحمد في مسنده( 20969 ) من حديث أبي مجيب قال : لقي أبو ذر أبا هريرة وجعل أراه قال قبيعة سيفه فضة فنهاه وقال أبو ذر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من إنسان أو قال : أحد ترك صفراء أو بيضاء إلا كوى بها .
69 تفسير الكشاف للزمخشري 2/ 191 .
رواه البخاري في الإيمان( 46 ) وفي الصوم( 1891 ) وفي الشهادات( 2678 ) وفي الحيل( 6956 ) ومسلم في الإيمان( 11 ) ومالك في الموطإ كتاب النداء للصلاة( 425 ) وأبو داود في الصلاة( 391 ) وفي الإيمان والنذور( 3252 ) والنسائي في الصلاة( 458 ) وفي الإيمان( 5028 ) والدارمي في الصلاة( 1578 ) وأحمد في مسنده( 1393 ) من حديث طلحة بن عبيد الله يقول جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوت ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات في اليوم والليلة فقال : هل على غيرها ؟ قال : لا إلا أن تطوع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وصيام رمضان قال : هل على غيره قال : لا إلا أن تطوع قال : وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة ؛ قال : هل على غيرها ؛ قال : لا إلا أن تطوع قال : فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفلح إن صدق .
71 الزمان قد استدار كهيئته يوم .
رواه البخاري في بدء الخلق( 3197 ) وفي المغازي( 4406 ) وفي التفسير( 4662 ) وفي الأضاحي( 5550 ) وفي التوحيد( 7447 ) ومسلم في القسامة( 1679 ) وأبو داود في المناسك( 1947 ) وأحمد في مسنده( 19873 ) من حديث أبي بكرة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان .
72 تفسير الكشاف 2/ 192 ، تفسير أبي السعود 4/ 63 .
73 ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم .
رواه الترمذي في المناقب( 3701 ) وأحمد في مسنده( 20107 ) من حديث عبد الرحمان بن سمرة قال : جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار قال الحسن بن وقاع : وكان في موضع آخر من كتابي في كمه حين جهز جيش العسرة فينثرها في حجره قال عبد الرحمان : فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه .
74 التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي 10/ 215 .
75 ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه .
رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها ح 2858 ، والترمذي في الزهد ح 2323 ، وابن ماجة في الزهد ح 4108 ، وأحمد ح 17547 ، 17548 ، 17551 ، 17553 ، 17559 ، 17560 من حديث المستورد . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
76 إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة .
قال السيوطي في الدر : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم وابن مردوية عن أبي عثمان النهدي قال : قلت : يا أبا هريرة ، سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول : سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة " فقال أبو هريرة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة ، ثم تلا هذه الآية{ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } فالدنيا ما مضى منها إلى ما بقي عند الله قليل ، وقال : { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة }( البقرة : 245 ) فكيف الكثير عند الله تعالى إذا كانت الدنيا ما مضى منها وما بقي عند الله قليل .
77 ما ظنك باثنين الله ثالثهما .
رواه البخاري في التفسير( 4663 ) ومسلم في فضائل الصحابة( 2371 ) والترمذي في التفسير( 3096 ) وأحمد في مسنده( 12 ) من حديث أنس قال : حدثني أبو بكر رضي الله عنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فرأيت آثار المشركين قلت : يا رسول الله ، لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا قال : ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ .
78 هذا ثابت في صحاح السيرة ، وإن لم يثبته أهل الحديث .
79 من إعراب الآية 40 من سورة التوبة .
{ إلا تنصروه } . بإدغام لا في نون إن الشرطية .
{ فقد نصره الله } . جواب الشرط .
{ إذ أخرجه } . منصوب ب { نصره الله } .
{ ثاني اثنين } . أي : أحد اثنين وهو منصوب على الحال في هاء أخرجه ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم .
{ إذ هما في الغار } . منصوب على البدل من قوله تعالى : { إذ أخرجه الذين كفروا } . وهو بدل اشتمال .
{ إذ يقول لصاحبه } : بدل من قوله : إذ هما في الغار . وهاء صاحبه يراد بها أبو بكر .
{ لا تحزن } . جملة فعلية في موضع نصب بيقول . وهاء أيده . يراد بها النبي صلى الله عليه وسلم .
{ وكلمة الله } . مبتدأ مرفوع وهي . ضمير فصل . العليا . خبره .
وقرأ بعضهم بالنصب ، والجمهور على رفع كلمة . وهو أبلغ ؛ لأن الجملة الإسمية تدل على الدوام والثبوت .
80 تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد .
رواه البخاري في الإيمان( 36 ) وفي فرض الخمس( 3123 ) وفي التوحيد( 7475 ، 7463 ) رواه مسلم في الإمارة واللفظ له –( 1876 ) ومالك في الموطأ كتاب الجهاد( 974 ) والنسائي في الجهاد( 3122 ، 3123 ) وفي الإيمان وشرائعه( 5029 ) وابن ماجة في الجهاد( 2753 ) والدارمي في الجهاد( 2391 ) وأحمد في مسنده( 8757 ، 8923 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد . . . الحديث . روى الحديث بأكثر من لفظ منها : انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الإيمان . . . الحديث . ومنها : أعد الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي . . . الحديث . وفي إحدى الروايات : تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي . . . الحديث .
82 لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين .
رواه البخاري في الأذان( 677 ) وفي الأحكام( 7224 ) ومالك في الموطإ كتاب النداء للصلاة( 292 ) والنسائي في الإمامة( 848 ) والدارمي في الصلاة( 1212 ) وأحمد في مسنده( 7284 ) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم إنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء وذكره البخاري تعليقا في مواقيت الصلاة باب ذكر العشاء والعتمة ، ثم وصله في الأذان( 657 ) ومسلم في المساجد( 651 ) وابن ماجة في المساجد( 797 )( 9202 ، 9687 ، 9750 ، 10496 ) والدارمي في الصلاة( 1273 ) من حديث أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم ثم آمر رجلا يؤم الناس ثم آخذ شعلا من نار فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد . ورواه أحمد في مسنده( 20758 ، 20767 ) وأبو داود في الصلاة( 554 ) والنسائي في الإمامة( 843 ) والدارمي في الصلاة( 1269 ) من حديث أبي بن كعب أنه قال : صلى الله عليه وسلم الصبح فقال : شاهد فلان ؟ فقالوا : لا فقال : شاهد فلان ؟ فقالوا : لا . فقال : شاهد فلان ؟ فقالوا : لا فقال إن هاتين الصلاتين من أثقل الصلوات على المنافقين ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا والصف المقدم على مثل صف الملائكة ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع رجل وما كان أكثر فهو أحب على الله تبارك وتعالى .
83 اليمين الغموس تدع الديار بلاقع .
ذكره الهندي في كنز العمال( 46383( اليمين الغموس تدع الديار بلاقع . ونسبه لأبي الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي في جزئه – عن واثلة قال الهيثمي في المجمع : وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم إنهم ليكونون فجار فتنموا أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم وإن أعجل المعصية عقوبة : البغي والجناية واليمين الغموس تذهب المال وتثقل في الرحم وتذر الديار بلاقع . رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبو الدهماء الأصعب وثقه النفيذي وضعفه ابن حبان . قال السيوطي في الدر : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس مما عصي الله به هو أعجل عقابا من البغي ، وما من شيء أطيع الله فيه أسرع ثوابا من الصلة . واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع " . ( بلاقع : البلاقع جمع بلقع وبلقعة وهي الأرض القفر التي لا شيء بها ، يريد أن الحالف بها يفتقر ويذهب ما في بيته من الرزق . ا . ه 1/ 153 النهاية ب ) .
86 اخرجه الطبراني وأبو نعيم وابن مردوية عن ابن عباس . وأخرجه ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله .
87 ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب .
رواه البخاري في المرضى باب : ما جاء في كفارة المرضى( 5642 ) ومسلم في البر والصلة والآداب ، باب : ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن( 2573 ) عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه ، حتى الشوكة يشاكها " . ورواه البخاري فيما تقدم( 5318 ) عن أبي سعيد الخدري ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما يصيب المسلم ، من نصب ولا وصب ، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه " . رواه الترمذي في تفسير القرآن باب ومن سورة النساء( 5029 ) عن أبي هريرة قال : ولما نزلت{ من يعمل سوءا يجز به } ، شق ذلك على المسلمين فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " قاربوا وسددوا . وفي كل ما يصيب المؤمن كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها " هذا حديث حسن غريب .
88 دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض .
بوب به البخاري في كتاب المرضي ، ورواه الترمذي في الزهد ح 2398 ، وابن ماجة في الفتن ح 4023 ، وأحمد ح 1484 ، 1497 ، 1558 ، 1610 ، والدارمي في الرقاق ح 2783 من حديث سعد بن أبي وقاص قال : قلت : يا رسول الله : أي الناس أشد بلاء . قال : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلي الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه فما يبرح البلاء بالبعد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئته .
90 واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل .
رواه مسلم في القدر( 2664 ) وابن ماجة في المقدمة( 79 ) وفي الزهد( 4167 ) وأحمد في مسنده( 8573 ، 8611 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان .
رواه مسلم في الجنائز( 918 ) ومالك في الموطأ كتاب الجنائز( 558 ) وأحمد في مسنده( 15909 ) من حديث أم سلمة أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله{ إنا لله وإنا إليه راجعون } اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها . قالت : فلما مات أبو سلمة قلت : أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له فقلت : إن لي بنتا وأنا غيور فقال : أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها وأدعو الله أو يذهب بالغيرة .
92 من علامات الإيمان الشكر على النعماء .
ذكره السيوطي في الجامع الصغير( 3489 ) بلفظ : ثلاث يدرك بهن العبد رغائب الدنيا والآخرة : الصبر على البلاء ، والرضا بالقضاء ، والدعاء في الرخاء . ونسبه لأبي الشيخ ابن حبان عن عمران بن حصين . ورمز لضعفه .
أخرجه مسلم( 2999 ) واللفظ له ، وأحمد( 18455 و 18460 و 23406 و 23412 ) والدارمي( 2777 ) ، من حديث صهيب بن سنان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له .
94 تكفل الله لمن جاهد سبيله لا يخرجه إلا الجهاد .
95 فإن الله لا يمل حتى تملوا .
رواه مسلم في صلاة المسافرين( 746 ) من حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته وكان إذا نام من الليل أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة قالت : وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى الصباح وما صام شهرا متتابعا إلا رمضان ورواه أبو داود في الصلاة( 1368 ) والنسائي في القبلة( 762 ) من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب العمل إلى الله أدومه وكان إذا عمل عملا أثبته .
96 إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا .
رواه مسلم في الصلاة( 1015 ) والترمذي في تفسير القرآن( 2989 ) والدارمي في الرقاق( 2717 ) وأحمد في مسنده( 8748 ) من حديث أبي هريرة مرفوعا : أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } وقال : { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك !
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب وإنما نعرفه من حديث فضيل بن مرزوق وأبو حازم هو الأشجعي اسمه : سلمان مولى عزة الأشجعية .
97 إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ .
رواه البخاري( 1 ، 6689 ، 6953 ) ومسلم في كتاب الإمارة حديث رقم( 3530 ) ، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد حديث رقم( 1571 ) والنسائي في كتاب الطهارة حديث رقم( 74 ) وفي الطلاق حديث رقم( 3383 ) وفي الأيمان والنذور حديث رقم( 3734 ) ، وأبو داود في كتاب الطلاق حديث رقم( 1882 ) ، وابن ماجة في كتاب الزهد حديث رقم( 4217 ) ، وأحمد في مسنده حديث رقم( 163 ، 283 ) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله على المنبر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه .
98 ورد هذا المعنى في تفسير الفخر الرازي .
100 ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ ! .
رواه البخاري في المناقب( 3610 ) وفي استتابة المرتدين( 6933 ) ومسلم في الزكاة( 1063 ) وابن ماجة في المقدمة( 172 ) وأحمد( 14390 ) من حديث جابر بن عبد الله ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال : يا رسول الله ، اعدل ، فقال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ؟ ! فقال عمر : يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته .
102 لخصنا فصل مصارف الزكاة من بحث لصاحب الفضيلة الأستاذ محمد أبو زهرة في مجلة لواء الإسلام من مجلد سنة 1951 ص 832 .
103 جاء في القانون الروماني المسمى : قانون الألواح الإثنى عشر " المدين إذا عجز عن دفع ديونه يحكم عليه بالرق إن كان حرا ويحكم عليه بالحبس أو بالقتل إذا كان رقيقا " .
ذكره السيوطي في الجامع الصغير( 3580 ) بلفظ : جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها . ونسبه لابن عدي في الكامل وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود ، وصحح البيهقي في شعب الإيمان وقفه ، ورمز السيوطي لضعفه . قال المناوي في فيض القدير ؛ وكذا أبو الشيخ( ابن حبان ) وابن حبان في روضة العقلاء والخطيب في التاريخ وآخرون كلهم من طريق إسماعيل بن أبان الخياط قال : بلغ الحسن بن عمارة أن الأعمش وقع فيه فبعث إليه بكسوة فمدحه فقيل له : ذميته ثم مدحته فقال : إن خيثمة حدثني( عن ابن مسعود ) فذكره وأورده ابن الجوزى في الواهيات وقال : لا يصح فإن إسماعيل الخياط مجروح قال أحمد : كتبت عنه ثم وجدته حدث بأحاديث موضوعة فتركناه وقال يحيى هو كذاب وقال الشيخان والدارقطني : متروك وقال ابن حبان : يضع على الثقات . انتهى وفي لسان الميزان في ترجمة إسماعيل الخياط قال الأزدي : هو كوفى زائغ وهو الذي روى حديث جبلت القلوب قال الأزدي : هذا الحديث باطل . انتهى . ( وصحح هب وقفه ) ابن مسعود وقال : إنه المحفوظ وقال ابن عدي : المعروف وقفه وتبعه الزركشي وقال السخاوي : هو باطل مرفوعا وموقوفا وقول البيهقي كابن عدي الموقوف معروف عن الأعمش يحتاج لتأويل فإنهما أورداه كذلك بسند فيه من اتهم بالكذب والوضع إلى هنا كلامه وأقول : رأيت بخط ابن عبد الهادي في تذكرته قال مهنأ : سألت أحمد ويحيى عنه فقالا : ليس له أصل وهو موضوع .
قال الحافظ بن حجر في الإصابة : ( 7846 ) مخشي بسكون الخاء بعدها شين معجمة بن حمير مصغرا بالتثقيل الأشجعي له ذكر في مغازي بن إسحاق في غزوة تبوك وفي تفسير ابن الكلبي بسنده إلى ابن عباس وبسند آخر إلى ابن مسعود أنه ممن نزل فيه{ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } قال : فكان ممن عفى عنه مخشى بن حمير فقال يا رسول الله : غير اسمى واسم أبى فسماه عبد الرحمان فدعا مخشى ربه أن يقتل شهيدا حيث لا يعلم به فقتل يوم اليمامة ولم يعلم له أثر .
107 تفسير ابن كثير ، وقد أخرج الحديث ابن أبي حاتم أيضا عن كعب بن مالك ، وانظر التفسير المنير 10/ 287 للدكتور وهبة الزحلي ، وتفسير القاسمي مجلد 4 ص 163 .
رواه البخاري في الإيمان ح 33 وفي الشهادات ح 2628 ، وفي الوصايا 2749 ، وفي الأدب ح 6095 ، ومسلم في الإيمان ح 59 ، 74 ، والترمذي في الإيمان ح 2631 . وقال : حسن صحيح .
110 مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم .
البخاري في الأدب( 6011 ) ، مسلم في البر والصلة والآداب( 2586 ) ، وأحمد ح 17632 ، 17648 من حديث النعمان ابن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر بالسهر والحمى .
111 المؤمن كالبنيان يشد بعضه .
رواه البخاري في الصلاة( 481 ) وفي المظالم( 2446 ) وفي الأدب( 6026 ) ومسلم في البر والصلة( 2585 ) والترمذي في البر والصلة( 1928 ) والنسائي في الزكاة( 5/ 79 ) وأحمد في مسنده( 19127 ) من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدد بعضه بعضا وشبك أصابعه .
رواه البخاري في تفسير القرآن( 4878 ، 4880 ) وفي التوحيد( 7444 ) ومسلم في الإيمان( 180 ) وفي الجنة( 2838 ) والترمذي في صفة الجنة( 2527 ) وابن ماجة في المقدمة( 186 ) والدارمي في الرقاق( 2833 ) وأحمد في مسنده( 19183 ) من حديث عبد الله بن قيس( أبي موسى الأشعري ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من كذا آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن .
رواه البخاري في الجهاد والسير ح ، وفي التوحيد ح ، وأحمد ، من حديث أبي هريرة مرفوعا : من آمن بالله وبرسوله . . . الحديث ورواه الترمذي في صفة الجنة ح 2529 ، وأحمد ح 21582 ، من حديث معاذ بن جبل مرفوعا : من صام رمضان وصلى الصلوات . . . الحديث ورواه الترمذي أيضا في صفة الجنة ح 2530 .
وأحمد ح 22187 ، 22232 ، من حديث بن الصامت مرفوعا : في الجنة مائة درجة . . . . الحديث . وأشار الترمذي إلى حديث معاذ أصح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنهما .
114 إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة ، يا أهل الجنة هل رضيتم ؟
115 من رأى منكم منكرا فليغيره .
مسلم في الإيمان ح 70 والترمذي في الفتن ح 2098 وقال : حديث حسن صحيح ، والنسائي في الإيمان ح 4922 ، 4923 ، وأبو داود في الصلاة 963 ، وفي الملاحم ح 3777 ، وابن ماجة في إقامة الصلاة ح 1265 ، وفي الفتن ح 4003 ، وأحمد 10651 ، 11034 ، 11091 ، 11442 من حديث أبي سعيد الخدري .
117 تفسير المنار 10/ 553 ، قال صاحب المنار ، إن قول عبد الله بن أبي هذا قد رواه الشيخان وغيرهما .
118 انظر تفسير القرطبي ، وابن كثير ، والتفسير المنير للدكتور وهبة الزحلي ، وتفسير سورة التوبة للدكتور محمد سيد طنطاوي وتفسير أبي السعود ، حيث ذكر أن المشهور أن الآيات نزلت في ثعلبة بن حاطب وقيل : نزلت فيه وفي سهل بن الحرث ، وجد قيس ومعنب بن قشر ، أي : عدد من المنافقين ، ورجح ذلك رشيد رضا في تفسير المنار .
119 لعل الله اطلع إلى أهل بدر .
رواه البخاري في المغازي( 3983 ) من حديث علي رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد الغنوي والزبير ابن العوام وكلنا فارس قال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا الكتاب فقالت ما معنا كتاب فأنحناها فالتمسنا فلم نر كتابا فقلنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخرجن الكتاب أو لنجردنك فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته فانطلقنا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : يا رسول الله ، قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما حملك على ما صنعت ؟ قال حاطب : والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق ولا تقولوا له إلا خيرا فقال عمر : إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه فقال : أليس من أهل بدر ؟ فقال : لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو فقد غفرت لكم فدمعت عينا عمر وقال : والله ورسوله أعلم .
121 انظر تفسير أبي السعود ، والفخر الرازي ، وتفسير الكشاف للزمخشري ، وحاشية الجمل على الجلالين .
122 تفسير الكشاف 2/ 205 نشر دار المصحف ، عبد الرحمان محمد .
123 حاشية الجمل على الجلالين 2/ 304 .
124 اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
رواه البخاري في أحاديث الأنبياء( 3477 ) وفي استتابة المرتدين( 6929 ) ومسلم في الجهاد( 1792 ) وابن ماجة في الفتن( 4025 ) وأحمد في مسنده( 3600 ) من حديث عبد الله بن مسعود قال : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكى نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون .
125 تفسير سورة التوبة للدكتور محمد سيد طنطاوي ص 249 .
126 ناركم هذه جزء من واحد من سبعين .
رواه البخاري( 3265 ) ومسلم في الجنة( 3843 ) والترمذي في صفة جهنم( 2589 ) والدارمي في الرقاق( 2847 ) وأحمد في مسنده( 7283 ) من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال : فإنها فضلت عليها تسعة وستين جزءا كلها مثل حرها . ورواه الترمذي في صفة جهنم( 2590 ) من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم لكل جزء منها حرها . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . ورواه ابن ماجة في الزهد( 4318 ) من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم بها وإنها لتدعو الله عز وجل أن لا يعيدها فيها .
127 إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان .
رواه البخاري في الرقاق( 6561 ، 6562 ) ومسلم في الإيمان( 213 ) والترمذي في صفة جهنم( 2604 ) وأحمد في مسنده( 17923 ) من حديث النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا .
128 إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه .
رواه الترمذي في المناقب( 3682 ) وأحمد في مسنده( 5123 ) من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه . وقال ابن عمر : ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر أو قال ابن الخطاب فيه شك خارجة إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر . قال أبو عيسى وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وخارجة بن عبد الله الأنصاري هو ابن سليمان بن زيد ثابت وهو ثقة . رواه أبو داود في الخراج( 2962 ) وابن ماجة في المقدمة( 108 ) وأحمد في مسنده( 20788 ) من حديث أبي ذر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به . ورواه أحمد في مسنده( 8960 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه .
129 إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون وإنه .
رواه البخاري في المناقب ح 3469 ، 3689 من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون وإنه كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطب . ورواه مسلم ح 2398 ، وأحمد 23764 ، والترمذي 3693 من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم قال ابن وهب : تفسير محدثون : ملهمون .
130 تفسير أبي السعود 4/ 93 ؛ وتفسير الكشاف للزمخشري 2/ 208 دار المصحف : عبد الرحمان محمد – القاهرة .
131 زبدة التفسير من فتح القدير ، محمد سليمان عبد الله الأشقر طبعة أولى وزارة الأوقاف بالكويت ص 256 .
أخرجه مسلم( 55 ) والنسائي( 4197 و 4198 ) وأبو داود( 4944 ) ، وأحمد( 16493 و 16494 و 16498 و 16499 ) من حديث تميم الداري . وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس ، وابن عمر .
133 إن المدينة لرجالا ما قطعتم واديا .
رواه البخاري في الجهاد( 2839 ) ومسلم في الإمارة( 1911 ) وابن ماجة في الجهاد( 2764 ، 2765 ) وأحمد في مسنده( 3/ 103 ، 300 ) .
بحمد الله وبها تم الجزء العاشر .
رواه أحمد في مسنده ( 18145 ) من حديث البراء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من بدا جفا " . ورواه أحمد في مسنده أيضا ( 8619 ) من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من بدا ؛ جفا ، ومن اتبع الصيد ؛ غفل ، ومن أتى أبواب السلطان ؛ افتتن ، وما ازداد عبد من السلطان قربا ؛ إلا ازداد من الله بعدا " .
135 وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة :
رواه مسلم في الفضائل ( 2317 ) من حديث عائشة قالت : قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أتقبلون صبيانكم ؟ فقالوا : نعم ، فقالوا : لكنا والله ما نقبل ، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة ، وقال ابن نمير : من قلبك الرحمة . ورواه البخاري في الأدب ( 5997 ) ومسلم في الفضائل ( 2318 ) ، وأبوا داود في الأدب ( 5218 ) ، والترمذي في البر ( 1911 ) ، وأحمد في مسنده ( 7081 ) ، من حديث أبي هريرة قال : قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا ؛ فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا ؛ فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : من لا يرحم لا يرحم .
136 انظر تفسير ابن كثير حيث بين فضل الصحابة ، حيث قد رضي الله عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو سب بعضهم ، لاسيما الخليفة الأعظم : أبو بكر الصديق !
138 أحكام القرآن للجصاص 3/148 .
139 ما نقصت صدقة من مال و ما زاد الله عبدا بعفو .
رواه مسلم في البر والصلة ح 2588 ، والترمذي في البر والصلة 2029 ، وأحمد ح 8165 ، 8782 ، والدارمي في الزكاة ح1676 ، من حديث أبي هريرة ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .
140 إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربى :
رواه البخاري في الزكاة ( 1410 ) وفي التوحيد ( 7429 ) ، ومسلم في الزكاة ( 1014 ) ، والترمذي في الزكاة ( 661 ) ، و النسائي في الزكاة ( 2525 ) ، وابن ماجة في الزكاة ( 1842 ) ، والدارمي في الزكاة ( 1675 ) ، وأحمد في مسنده ( 8181 ، 8738 ، 9142 ، 9281 ، 9738 ، 10562 ) ، من حديث أبي هريرة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب ، وإن الله يتقبلها بيمينه ، ثم يربيها لصاحبه ، كما يربي أحدكم فلوه ؛ حتى تكون مثل الجبل ) . ورواه أحمد في مسنده ( 25604 ) من حديث عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة ؛ كما بربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يكون مثل أحد ) .
141 لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء :
رواه أحمد في مسنده ( 10846 ) ، من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة ؛ لخرج عمله للناس كائنا ما كان ) . قال الهيثمي في المجمع : رواه أحمد وأبو يعلى وإسنادهما حسن . وذكره السيوطي في الجامع الصغير( 7402 ) ، ونسبه لأحمد في مسنده ، وأبو يعلى في مسنده ، وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك ، ورمز لحسنه .
142 وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل :
رواه البخاري في الرقاق ( 2502 ) ، من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قال : من عادى لي وليا ؛ فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ؛ كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني ؛ لأعطينه ، ولئن استعاذني ؛ لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، يكره الموت ، وأنا أكره مساءته ) . قلت : تفرد به البخاري وهو من رواية خالد بن مخلد ، وقد قال بعضهم : لولا هيبة الصحيح ؛ لعدوه من منكرات خالد بن مخلد .
أخرج أحمد ( 16630 ) ، من حديث أبي مسعود الأنصاري . قال الهيثمي في المجمع : ورواه أحمد بنحو : حديث مرسل يأتي ، وفيه مجالد أيضا ، ولم يسق لفظه ، وذكره بعد هذا وهو : وعن الشعبي قال : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة ، قال : ليتكلم متكلمكم ، ولا يطل ؛ فإن عليكم من المشركين عينا ، وإن يعلموا بكم ؛ يفضحوكم ، قال قائلهم ، وهو أبو أمامة : سل يا محمد لربك ما شئت ، ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت ، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله عز وجل ، وعليكم إذا فعلنا ذلك قال : أسأل لربي عز وجل : أن تعبدوه ولا تشركوا بها شيئا ، وأسألكم لنفسي ولأصحابي : أن تؤوونا ، وتنصرونا ، وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم ، قالوا : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال : لكم الجنة . قالوا : فلك ذلك . . رواه أحمد هكذا مرسلا ورجاله رجال الصحيح ، وقد ذكر الإمام أحمد بعده سندا إلى الشعبي : عن أبي مسعود عقبة بن عامر قال بنحو هذا قال : وكان ابن مسعود أصغرهم سنا ، وفيه مجالد وفيه ضعف وحديثه حسن إن شاء الله . قال السيوطي في الدر : أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اشترط لبرك ولنفسك ما شئت . قال : أشترط لربي . أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي : أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم . قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال : الجنة . قال : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل . فنزلت : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم . . . الآية } . وقال في موضع آخر : وأخرج عبد بن حميد عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله : { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله }قال : قد كان ذلك بحمد الله جاءه سبعون رجلا فبايعوه عند العقبة ، فنصروه وآووه حتى أظهر الله دينه ولم يسم حي من السماء قط باسم لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم ، وذكر لنا : أن بعضهم قال : هل تدرون ما تبايعون هذا الرجل ؟ ! إنكم تبايعونه على محاربة العرب كلها أو يسلموا ، وذكر لنا : أن رجلا قال : يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأشترط لنفسي : أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ، قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله ؟ قال : ( لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة ) ، ففعلوا ؛ ففعل الله .
144 انظر تفسير القاسمي8/3273 ، والتفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلى الجزء 11 ص55 .
145 زبدة التفسير في فتح القدير ، مطابع الأنباء ، الكويت ص 261 .
146 أي عم ، قل : لا إله إلا الله ؛ أحاج لك بها عند الله :
رواه البخاري1360 ، 3884 ، 4675 ، 4772 ، 6681 ، ومسلم 24 في الإيمان من حديث المسيب بن حزن ، والد سعيد ابن المسيب .
147 انظر مختصر تفسير ابن كثير للصابوني المجلد الثاني ص173 ، واللفظ المذكور للبخاري .
148 تفسير القاسمي الجزء 8 ص 241 .
149 الأستاذ عبد الكريم الخطيب ، التفسير القرآني للقرآن ، المجلد 3 ص 905 .
150 الأستاذ عبد الكريم الخطيب ، التفسير القرآني للقرآن 3/907 .
151 مختصر تفسير ابن كثير للشيخ محمد علي الصابوني2/175 ط 4 بيروت 1401 ه .
152 تفسير القاسمي8/345 بتصرف .
153 التفسير القرآني للقرآن للأستاذ عبد الكريم الخطيب 11/909 .
155 انظر التفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ، الحزب 21 ص29 .
156 عليكم بالصدق ؛ فإن الصدق يهدي إلى البر :
رواه البخاري في الأدب ( 6094 ) ومسلم في البر ( 2607 ) وأبو داود في الأدب ( 4989 ) والترمذي في البر( 1971 ) وابن ماجة في المقدمة ( 46 ) والدارمي في الرقاق ( 2715 ) وأحمد في مسنده ( 3631 ) من حديث عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق ؛ حتى يكون صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور ، يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب ؛ حتى يكتب عند الله كذابا ) . ورواه أحمد في مسنده ( 45 ) من حديث أوسط بن عمرو قال : قدمت المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بسنة ، فألفيت أبا بكر يخطب الناس ، فقال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه سلم عام الأول ، فخنقته العبرة ثلاث مرات ، ثم قال : ( يا أيها الناس ، سلوا الله المعافاة ؛ فإنه لم يؤت أحد مثل يقين بعد معافاة ولا أشد من ريبة بعد كفر وعليكم بالصدق ؛ فإنه يهدي إلى البر ، وهما في الجنة ، وإياكم والكذب ، فإنه يهدي إلى الفجور ، وهما في النار ) .
157 لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه :
رواه البخاري في الإيمان ( 15 ) ومسلم في الإيمان ( 44 ) والنسائي في الإيمان ( 5013 ) وابن ماجة في المقدمة ( 67 ) والدارمي في الرقاق ( 2741 ) وأحمد في مسنده ( 12403 ) من حديث أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم ؛ حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين .
159 من يرد الله به خيرا ؛ يفقهه في الدين :
رواه البخاري في العلم ( 71 ) وفي فرض الخمس ( 3116 ) وفي الاعتصام ( 7312 ) ومسلم في الزكاة وابن ماجة في المقدمة ح 223 ، وأحمد 21208 ، و الدرامي في المقدمة 342 . ورواه مسلم في الذكر ( 2699 ) من حديث أبي هريرة .
ورواه مالك في الموطإ كتاب الجامع ( 1667 ) وابن ماجة في المقدمة( 221 ) والدرامي في المقدمة ( 224 ) وأحمد في مسنده ( 16397 ) من حديث معاوية يرفعه : من يرد الله به خيرا ؛ يفقهه في الدين . . الحديث . ورواه الترمذي في العلم ( 2645 ) وأحمد في مسنده ( 2786 ) والدارمي في المقدمة ( 225 ) وفي الرقاق ( 2706 ) في حديث ابن عباس : وقال : حديث حسن صحيح . ورواه ابن ماجة في المقدمة ( 220 ) من حديث أبي هريرة .
160 من سلك طريقا يلتمس فيه علما :
رواه البخاري في العلم معلقا ، والترمذي في العلم ح2682 ، وأبو داود في العلم 3641 ، وابن ماجة في المقدمة ح 223 ، وأحمد ح 21208 ، والدرامي في المقدمة ح 342 ، ورواه مسلم في الذكر ( 2699 ) من حديث أبي هريرة .
161 إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل :
رواه مسلم في الفضائل ( 2276 ) والترمذي في المناقب ( 3605 ، 3066 ) وأحمد في مسنده ( 16539 ) من حديث واثلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم .
162 خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح :
أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ( 1/118 ) من حديث أنس بلفظ : أنا محمد بن عبد الله ، بن عبد المطلب . . الحديث . وفيه : فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي ؛ فأنا خيركم نسبا ، وخيركم أبا . وذكره السيوطي في الجامع الصغير أيضا ( 3901 ) بلفظ : خرجت من نكاح غير سفاح . ونسبه لابن سعد عن عائشة . وقال : حسن . قال المناوي في فيض القدير : قال الذهبي : فيه الواقدي هالك . وذكره السيوطي في الجامع الصغير أيضا ( 3902 ) بلفظ : خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح . ونسبه لابن سعد عن ابن عباس . وقال : حسن . قال الهيثمي في المجمع : رواه الطبراني عن المديني عن أبي الحويرث ، ولم أعرف المديني ولا شيخه ، وبقية رجاله وثقوا . قال الهيثمي في المجمع : وعن علي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي . وقال : رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه محمد بن جعفر بن علي ، صحح له الحاكم في المستدرك وقد تكلم فيه ، وبقية رجاله ثقات . قال الزيلعي في نصب الراية : أخرجه البيهقي في «سننه » ، والطبراني في «معجمه » عن هشيم : حدثني المديني عن أبي الحويرث عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ولدني شيء من سفاح الجاهلية ، وما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام ) ، انتهى . وروى ابن الجوزي في «التحقيق » من طريق الواقدي : حدثني محمد بن أخي الزهري عن عمه عن عروة عن عائشة مرفوعا : خرجت من نكاح غير سفاح ، قال في « التنفيح » : الواقدي متكلم فيه ، وفي الأول المديني ، وهو إن كان والد على فهو ضعيف ، وكذا إن كان إبراهيم بن أبي يحيى ، وقال الطبراني : هو عندي فليح بن سليمان ، وأبو الحويرث اسمه : عبد الرحمان بن معاوية ، وهو متكلم فيه ، انتهى . قال العجلوني في كشف الخفاء ( 1206 ) رواه البخاري في الأدب والطبراني في الأوسط عن علي رفعه بزيادة : من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء ، وفي لفظ من رواية ابن سعد عن ابن عباس : خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح .
163 من قال إذا أصبح وإذا أمسى : حسبي الله :
رواه أبو داود في الأدب ( 5081 ) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال : من قال إذا أصبح وإذا أمسى : حسبي الله لا إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم . سبع مرات : كفاه الله ما أهمه صادقا كان بها أو كاذبا .
164 التفسير المنير . للأستاذ الدكتور/ وهبة الزحيلى 11/90 ، 91 .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{فإن تولوا} عنك يعني فإن لم يتبعوك على الإيمان يا محمد، {فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت}، يعني به واثق، {وهو رب العرش العظيم} يعنى بالعظيم العرش، فنزلت هاتان الآيتان بمكة...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: فإن تولى يا محمد هؤلاء الذين جئتهم بالحقّ من عند ربك من قومك، فأدبروا عنك ولم يقبلوا ما أتيتهم به من النصيحة في الله وما دعوتهم إليه من النور والهدى، "فقل حسبي الله": يكفيني ربي "لا إلَهِ إلاّ هُوَ": لا معبود سواه، "عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ "وبه وثقت، وعلى عونه اتكلت، وإليه وإلى نصره استندت، فإنه ناصري ومعيني على من خالفني وتولى عني منكم ومن غيركم من الناس. "وَهُوَ رَبّ العَرْشِ العَظِيم" الذي يملك كل ما دونه، والملوك كلهم مماليكه وعبيده. وإنما عني بوصفه جلّ ثناؤه نفسه بأنه ربّ العرش العظيم، الخبر عن جميع ما دونه أنهم عبيده وفي ملكه وسلطانه لأن العرش العظيم إنما يكون للملوك، فوصف نفسه بأنه ذو العرش دون سائر خلقه، وأنه الملك العظيم دون غيره، وأن من دون في سلطانه وملكه جار عليه حكمه وقضاؤه...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وقوله تعالى: (فإن تولوا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ) أي يكفيني الله (لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). ويحتمل قوله: (فإن تولوا) عنك، وردوا إجابتك والطاعة لك والانقياد، وهموا أن يكيدوك، ويمكروا بك (فقل حسبي الله لا إله إلى هو عليه توكلت) أي على ما وعدني من النصر والظفر، "توكلت "أي اتكلت على وعده، ووكلت أمري إلى الله. ويحتمل وقوله (فإن تولوا) عن نصرتك ومعونتك على الأعداء (فقل حسبي الله) في النصر والمعونة على الأعداء، ويكفيني عليهم...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" حسبي الله "ومعناه كفاني الله وهو من الحساب لأنه تعالى يعطي بحسب الكفاية التي تغني عن غيره، ويزيد من نعمه مالا يبلغ إلى حد ونهاية، اذ نعمه دائمة ومننه متظاهرة.
وقوله "إله إلا هو "جملة في موضع الحال، وتقديره حسبي الله مستحقا لإخلاص العبادة والإقرار بأن لا إله إلا هو...
... قيل: تولوا عن قبول التكاليف الشاقة المذكورة في هذه السورة، وقيل: تولوا عن نصرتك في الجهاد.
واعلم أن المقصود من هذه الآية بيان أن الكفار لو أعرضوا ولم يقبلوا هذه التكاليف، لم يدخل في قلب الرسول حزن ولا أسف، لأن الله حسبه وكافيه في نصره على الأعداء، وفي إيصاله إلى مقامات الآلاء والنعماء..
{لا إله إلا هو} وإذا كان لا إله إلا هو وجب أن يكون لا مبدئ لشيء من الممكنات ولا محدث لشيء من المحدثات إلا هو، وإذا كان هو الذي أرسلني بهذه الرسالة، وأمرني بهذا التبليغ كانت النصرة عليه والمعونة مرتقبة منه.
ثم قال: {عليه توكلت} وهو يفيد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه وهو رب العرش العظيم..والسبب في تخصيصه بالذكر أنه كلما كانت الآثار أعظم وأكرم، كان ظهور جلالة المؤثر في العقل والخاطر أعظم، ولما كان أعظم الأجسام هو العرض كان المقصود من ذكره تعظيم جلال الله سبحانه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم أقبل عليه مسلياً له مقابلاً لإعراضهم إن أعرضوا بالإعراض عنهم والبراءة منهم ملتفتاً إلى أول السورة الآمر بالبراءة من كل مخالف، قائلاً مسبباً عن النصيحة بهذه الآية التي لا يشك عاقل في مضمونها: {فإن تولوا} أي اجتهدوا في تكليف فطرهم الأولى أو ولوا مدبرين عنك بالانصراف المذكور أو غيره بعد النصيحة لهم بهذه الآية {فقل} أي استعانة بالله تفويضاً إليه {حسبي} أي كافي؛ قال الرماني: وهو من الحساب لأنه جل ثناه يعطى بحسب الكفاية التي تغني عن غيره، ويزيد من نعمته مالا يبلغ إلى حد ونهاية إذ نعمه دائمة ومننه متظاهرة {الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له، وإنما كان كافياً لأنه {لا إله إلا هو} فلا مكافئ له فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه.
ولما قام الدليل على أنه لا كفؤ له، وجب قصر الرغائب عليه فقال: {عليه} أي وحده {توكلت} لأن أمره نافذ في كل شيء {وهو رب} أي مالك ومخترع ومدبر؛ ولما كان في سياق القهر والكبرياء بالبراءة من الكفار والكفاية للأبرار، كان المقام بالعظمة أنسب كآية النمل فقال: {العرش العظيم} أي المحيط بجميع الأجسام الحاوي لسائر الأجرام الذي ثبت بآية الكرسي وغيرها أن ربه أعظم منه لأن عظمته على الإطلاق فلا شيء إلا وهو في قبضته وداخل في دائرة مملكته، وإذا كان كافي فأنا بريء ممن تولى عني وبعد مني كائناً من كان في كل زمان ومكان فقد عانق آخر السورة أولها وصافح منتهاها مبتدأها وتأكد ما فهمته من سر الالتفات في {فسيحوا} وفي {فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله} والله تعالى أعلم.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ} هذا التفات عن خطاب أمة الرسول أو قومه الذين امتن الله تعالى عليهم بمجيئه رسولا إليهم من أنفسهم وبفضائله العائدة عليهم، إلى خطابه صلى الله عليه وسلم وبيان ما يجب عليه في حال إعراضهم عن الاهتداء والانتفاع بما خاطبهم به ربهم في شأنه، يقول: فإن تولوا وانصرفوا عن الإيمان بك والاهتداء بما جئتهم به، فقل: حسبي الله، أي هو محسبي الذي يكفيني أمر توليهم وإعراضهم، وما يعقبه من عداوتهم لي وصدهم عن سبيله، وقد بلغت وما قصرت.
{لا إِلَهَ إِلاَّ هُو} أي لا معبود غيره ألجأ إليه بالدعاء والاستعانة كما يلجؤون إلى آلهتهم المنتحلة.
{عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ} وحده، فلا أكل أمري فيما أعجز عنه إلى غيره، وكيف لا أخصه بالتوكل {وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} الذي هو مركز تدبير أمور الخلق كلها، كما قال في الآية الثالثة من السورة التالية {ثم استوى على العرش يدبر الأمر} [يونس: 3].
قرأ جمهور القراء العظيم بالخفض على أنه صفة للعرش، وقرئ بالرفع على أنه صفة لرب، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير.
وعظمة العرش بعظمة الرب الذي استوى عليه، وعظمة الملك الكبير الذي هو مركز تدبيره ووحدة النظام فيه، وعظمتهما في الملأ الأعلى وفيما دونه هي المظهر الوجودي لعظمة هذا الرب التي لا تحد، ولا يدرك كنهها أحد، ودليل على أنه الإله الحق الذي لا يصح أن يعبد غيره ولا يتوكل على سواه، وكيف يعبد غيره بالدعاء أو غيره أو يتوكل على سواه من يعلم أنه هو الرب المالك للعالم كله، والمدبر لأموره، ويراجع هنا تفسير {يا أيها النبي حسبك الله} [الأنفال: 64] (في ج 10)، وفسر بعضهم العرش هنا بالمُلك (بالضم) لأنه يطلق عليه تجوزا، وهو خطأ منهم؛ لأن هذا التجوز لا مسوغ له، ولا يصح في كل الآيات التي ورد فيها اللفظ، والمعنى الحقيقي أبلغ منه وأعم، فإنه يدل على المعنى المجازي وزيادة؛ إذ ليس لكل ملك في الأرض عرش حقيقي هو المركز الوحيد لتدبير كل شيء فيه. فالعرش العظيم يدل على الملك العظيم وعلى وحدة النظام والتدبير فيه، ولفظ: الملك العظيم لا يدل على هذا، لاحتمال وجود الخلل فيه، وكون تدبيره ليس له مرجع وحدة تكفل النظام، وتمنع الخلل والفساد، ونظار المتكلمين ومفسروهم يتأولون العرش والاستواء عليه فرارا من التشبيه الذي يستلزمه بزعمهم المبني على قياس عالم الغيب على عالم الشهادة، وقياس الخالق على المخلوق، وهو قياس باطل بإجماعهم، وقال ابن عباس: سمي العرش عرشا لارتفاعه، وفي الدر المنثور روايات في وصف العرش ومادته هي من الإسرائيليات لا يصح فيها شيء مرفوع...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم ينتقل الخطاب إلى الرسول [صلى الله عليه وسلم] يعرفه طريقه حين يتولى عنه من يتولى، ويصله بالقوة التي تحميه وتكفيه: (فإن تولوا فقل: حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم). فإليه تنتهي القوة والملك والعظمة والجاه، وهو حسب من لاذ به وحسب من والاه. إنه ختام سورة القتال والجهاد: الارتكان إلى الله وحده، والاعتماد على الله وحده، واستمداد القوة من الله وحده.. (وهو رب العرش العظيم)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والفاء في قوله: {فإن تولوا} للتفريع على إرسال النبي صلى الله عليه وسلم صاحب هذه الصفات إليهم فإن صفاته المذكورة تقتضي من كل ذي عقل سليم من العرب الإيمان به واتباعه لأنه من أنفسهم ومحب لخيرهم رؤوف رحيم بمن يتبعه منهم، فتفرع عليه أنهم محقوقون بالإيمان به فإن آمنوا فذاك وإن لم يؤمنوا فإن الله حسيبه وكافيه. وقد دل الشرط على مقابله لأن {فإن تولوا} يدل على تقدير ضده وهو إن أذعنوا بالإيمان.
وبعد التفريع التفت الكلام من خطاب العرب إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بما كان مقتضى الظاهر أن يخاطَبُوا هُم به اعتماداً على قرينة حرف التفريع فقيل له: {فإن تولوا فقل حسبي الله}. والتقدير: فإن توليتم عنه فحسبه الله وقل حسبي الله. فجيء بهذا النظم البديع الإيجاز مع ما فيه من براعة الإيماء إلى عدم تأهلهم لخطاب الله على تقدير حالة توليهم.
والتولي: الإعراض والإدبار: وهو مستعار هنا للمكابرة والعناد.
والحسْب: الكافي، أي كافيك شر إعراضهم لأنهم إن أعرضوا بعد هذا فقد أعرضوا عن حسد وحنق. وتلك حالة مظنة السعي في الكيد والأذى.
ومعنى الأمر بأن يقول: {حسبي الله} أن يقول ذلك قولاً ناشئاً عن عقد القلب عليه، أي فاعلم أن حسبك الله وقُل حسبي الله، لأن القول يؤكد المعلوم ويرسخه في نفس العالم به، ولأن في هذا القول إبلاغاً للمعرضين عنه بأن الله كافيه إياهم. والتوكل: التفويض. وهو مبالغة في وَكَل. وهذه الآية تفيد التنويه بهذه الكلمة المباركة لأنه أمر بأن يقول هذه الكلمة بعيْنِها ولم يؤمَر بمجرد التوكل كما أمر في قوله: {فتوكل على الله إنك على الحق المبين} [النمل: 79]. ولا أخبر بأن الله حسبه مجردَ إخبار كما في قوله: {فإن حسبك الله} [الأنفال: 62].
وجملة: {لا إله إلا هو} مستأنفة للثناء، أو في موضع الحال وهي ثناء بالوحدانية.
وفي هاتين الآيتين إشعار بالإيداع والإعذارِ للناس، وتنبيه إلى المبادرة باغتنام وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ليتشرفوا بالإيمان به وهم يشاهدونه ويقتبسون من أنوار هديه، لأن الاهتداء بمشاهدته والتلقي منه أرجى لحصول كمال الإيمان والانتفاع بقليل من الزمان لتحصيل وافر الخير الذي لا يحصل مثله في أضعاف ذلك الزمان. وفيهما أيضاً إيماء إلى اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم لأن التذكير بقوله: {لقد جاءكم} يؤذن بأن هذا المجيء الذي مضى عليه زمن طويل يوشك أن ينقضي، لأن لكل وارد قفولاً، ولكل طالع أفولاً.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
ثم عقب على ذلك بما يفيد أنه إذا ضل المسلمون طريقهم، وهجروا كتابهم، وأهملوا شريعتهم، وعادوا إلى الجاهلية الأولى، مولين الأدبار، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبرأ من أعمالهم، ويكلهم إلى أنفسهم، ولا يغني عنهم من الله شيئا، وذلك قوله تعالى هنا في إيجاز وإعجاز {فإن تولوا} أي أدبروا ورجعوا عن التمسك بالإسلام وشريعته – {فقل حسبي الله} مصداقا لقوله تعالى في آية ثانية {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} [الفرقان: 30]، وقوله تعالى في آية ثالثة: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} [طه: 124]، وقوله تعالى في آية رابعة: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون، فتوكل على العزيز الرحيم} [الشعراء: 215، 216، 217].
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
لا يضر الرسالة إعراض الناس عنها:
{فَإِن تَوَلَّوْاْ} وأعرضوا عن الاستماع إلى دعوتك، والسير في خط رسالتك، بالرغم من كل الأجواء الحميمة الحلوة التي تحيط بها في عمق المشاعر وروعة الأحاسيس، فلا تتعقد من ذلك، ولا تتراجع عن دعوتك في شعورٍ بالخذلان والسقوط، بل انطلق في طريقك انطلاقة الرسول الواثق بربّه، المؤمن برسالته، الذي يرى أن من واجبه أداء الرسالة بحسب ما يستطيع، من دون أن يكون مسؤولاً عن النتائج السلبيّة إن حدثت لأنها لا تكون ناشئةً عن فعل تقصير، بل عن ظروفٍ وأوضاعٍ وأسبابٍ خارجةٍ عن إرادته، وتحرّك بقوّة، بعيداً عن كل مشاعر الضعف، {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} فهو ربّ القوّة وخالقها، وهو الذي يكفي الإنسان من كل عدوٍّ ومن كل شر، ويوحي إليه بالثقة المطلقة، وبذلك يكون التوكل عليه حركةً داخليّةً وخارجيةً في خطّ الشعور بالأمن والطمأنينة بسلامة الاتجاه وفاعليته وروحيّته.
{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} ومن يتوكل على الله فهو حسبه في كل شيء. وتلك هي نقطة القوّة لدى المؤمنين عندما يتحركون في خط الرسالة، فلا يشعرون بالضعف إذا خذلهم الناس، بل يجدون الله معهم في كل موقف، فيحسون معه بالقوة التي يستريحون إليها وينطلقون معها ويستمرون من خلالها على الخط المستقيم...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
خلاصة سورة براءة (التوبة) وهي خمسة أبواب وفيها فصول:
(هذه السورة آخر السور المدنية الطول نزولا، فيقل فيها ذكر أصول الدين وما يناسبها من الحجج العقلية والسنن الكونية وكذا أحكام العبادات البدنية. راجع مقدمة خلاصة سورة الأنفال والتناسب بين السورتين في ج 10).
الباب الأول في صفات الله تعالى وأفعاله وشؤونه في خلقه وأحكامه وسننه فيها، وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول في الأسماء والصفات الإلهية والإضافات إليه تعالى:
الأسماء والصفات في هذه السورة من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى: الغفور الرحيم، الرؤوف الرحيم، العليم الحكيم، العزيز الحكيم، السميع العليم، عالم الغيب والشهادة. ومنها المكرر مرتين وثلاثا أو أكثر، وكل منها موضوع في موضعه المناسب لمعناه في السياق أو الآية. وأما الفائدة العامة لذكر أسماء الله تعالى وصفاته وتكرارها في المواضع المختلفة فهي تذكير تالي القرآن وسامعه المرة بعد المرة بربه وخالقه، وما هو متصف به من صفات الكمال الذي يثمر له زيادة تعظيمه وحبه، والرجاء في رحمته وإحسانه، والخوف من عقابه لمن أعرض عن هداية كتابه، أو خالف حكمته وسننه في خلقه، وهذا أعلا مقاصد القرآن، في إكمال الإيمان، وإعلاء شأن الإنسان (فراجعه في ج 10). ومما ورد فيها في العلم الإلهي قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ونَجْواهُمْ وأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [التوبة:78] وقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ ولَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} [التوبة: 16] إلى قوله {والله خبير بما تعملون} [التوبة: 16] وهما أعظم ما يجدد في القلب مراقبته عزّ وجلّ عند كل قول وعمل، وحسبك بهما وازعا ورافعا.
المعية الإلهية في هذه السورة من المعية العليا قوله تعالى في آية الغار عن رسوله صلى الله عليه وسلم {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، وهي معية النصر والمعونة، والحفظ والعصمة، والتأييد والرحمة، كما يقتضيه المقام في حال الهجرة، وهذه المعية أفضل من كل ما ورد في معناها، ومن أعظمه قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون عليهما السلام: {لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} [طه: 46] فراجع (ج 10) وفي الآية 123 {واعلموا أن الله مع المتقين}، وهذه معية النصر؛ لأنها معطوفة على الأمر بالقتال، ويقال في كل منها مع العلم بمعناها أنها معية تليق به تعالى.
الدرجة والعندية الإلهية وسكينته تعالى قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وهَاجَرُواْ وجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ} [التوبة:20]، وقد قلنا في تفسير هذه العندية [ج 10] أنها حكمية [بضم الحاء] شرعية، ومكانية جزائية، أي هم أعظم درجة في الفضل والكمال في حكم الله، وأكبر مثوبة في جوار الله. وقال بعد بشارتهم بالرحمة والرضوان والجنات والنعيم المقيم والخلود فيها من الآية {إن الله عنده أجر عظيم} [التوبة: 22]، وهو استئناف بياني، فالعندية فيه مفسرة لما قبلها. وقال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوات والأَرْضَ} [التوبة: 36]، فالعندية هنا يفسرها ما بعدها وهو كتاب الله الذي كتب فيه مقادير السماوات والأرض ونظام الأيام والليالي والشهور والسنين. وقيل: كتابه المنزل الذي فيه حكمه التشريعي في الشهور، وهو قوله بعدما ذكر [منها أربعة حرم] الخ. وفي الآية {ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة: 52] فعندية العذاب عبارة عن كونه بفعله تعالى دون كسب للمؤمنين، وهو ما يسمى بالمصائب السماوية، بدليل مقابلته بقوله: {أو بأيدينا}، والإضافة في العندية الحكمية للتوقيف والتعريف، وفي العندية المكانية للتشريف، ومثلها إضافة السكينة إليه تعالى.
حب الله ورضاه وكرهه وسخطه وغضبه قال تعالى: {إن الله يحب المتقين} [التوبة: 7]، وقال في المهاجرين والأنصار {رضي الله عنهم ورضوا عنه} [التوبة: 100]، وقال في جزاء المهاجرين المجاهدين {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72]، ويدخل في معناه ما صح في الأحاديث من مقام الرؤية كما بيناه في تفسيرها، وقال في شأن المنافقين {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96]، أسند الله تعالى إلى نفسه الحب والرضى في هذه الآيات وفي سور أخرى، كما أثبت لنفسه الكره في قوله من هذه السورة {ولكن كره الله انبعاثهم} [التوبة: 47]، والسخط والغضب في سور أخرى. والمتكلمون يتأولون هذه الصفات بالإثابة والإحسان من لوازم الحب والرضى، وبالعقاب من لوازم السخط والكره والغضب، فرارا من تشبيه الخالق بعبيده الذين تعد هذه الصفات انفعالات نفسية لهم يتنزه الله عنها. ومذهب السلف الصالح إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وأثبته له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، فيقولون: إن حب الله تعالى وكرهه ورضاه وغضبه صفات تليق به تترتب عليها آثارها، وهي لا تماثل ما سمي باسمها من صفات البشر، كما أن ذاته ونفسه وعلمه وقدرته لا تماثل ذوات البشر وعلمهم وقدرتهم بلا فوق. بل نقول: إن من خلق الله في عالم الغيب من الجن والملائكة لا يماثل في إدراكاته ولا في غيرها ما في عالم الشهادة؛ بل روي في ثمر الجنة أنه يشبه ثمر الدنيا وليس مثله، وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء. وقال تعالى في نعيم الآخرة: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيره له: "قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، وأمر بقراءة الآية، متفق عليه.
وأما الكلام مع أهل التأويل من ناحية الأدلة العقلية التي يزعمون الانفراد بها دون علماء السلف فهو أن حب الحق والخير كالإيمان والعدل وأهلهما، وكراهة الباطل كالكفر، والشر كالظلم ومجترحيهما، كلاهما من صفات الكمال المحض، وكل ما كان كمالا محضا فالعقل يوجبه لواجب الوجود بأعلا مما يكون منه للوجود الممكن، فقد اتفق العقل مع النقل على إثبات هذه الصفات لله بمعنى أكمل مما هي في خيار الناس، ولكن لا يمكن وضع أسماء لها من كلام الناس تدل على الفرق بين مسمياتها في الخالق والمخلوق، فوجب الرجوع في ذلك إلى الوحي الفاصل، وهو قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]، فالتنزيه في الجملة الأولى السالبة أزال ما يستلزمه التشبيه في الجملة الثانية الموجبة، بل قال الشيخ محيي الدين بن عربي في تفسير هذه الآية: إن الإيمان الصحيح هو الجمع بين التنزيه والتشبيه.
الفصل الثاني: أفعال الله في تصرفه وتدبير لأمور خلقه بمقتضى سننه، لا بجعلهم مجبرين بقدرته قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ ويُخْزِهِمْ ويَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 14] الآية، يتوهم أهل الجبر أنها تدل على نحلتهم، ويرده أنه تعالى أمرهم بقتال المشركين، ولو كانوا مجبرين لكان أمرهم لغوا وعبثا، وقوله: {يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ} معناه يعذبهم بتمكين أيديكم من رقابهم قتلا، ومن صدورهم ونحورهم طعنا، ويؤكده الوعد بعده بنصرهم، وفي معناه قوله: {ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة: 52]. وقال تعالى: {واللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 19] وقال في آيتي 24 و80 {واللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} وقال: {واللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين} [التوبة:37]، وليس معنى هذه الآيات أن الله تعالى منعهم من الهداية بقدرته فصاروا عاجزين عنها ومجبرين على الفسق والظلم والكفر إجبارا، وإنما معناها ما بيناه في تفسيرها وهو أن هذه الصفات التي رسخت في أنفسهم بكسبهم منافية لهدى الله تعالى الذي بعث به رسله بحسب سنته تعالى في الأسباب والمسببات (راجع ج 10)، ويقابله قوله تعالى قبل الآية الأولى من هذه اٍٍلآيات، فيمن ترجى لهم الهداية بحسب سنن الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وأَقَامَ الصَّلاَةَ وآتَى الزَّكَاةَ ولَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18].
ويدخل في هذا الباب من بيان السنن وطبائع البشر قوله في خوالف المنافقين {وطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 87]، ثم قوله فيهم {وطُبِعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يعلمون} [التوبة: 93]، فهو بيان لسنة الله في تأثير أعمالهم التي منها رضاهم بخطة الخسف والذل وهو التخلف عن الجهاد أن قلوبهم كالمطبوع عليها التي لا تفقه كنه حالها ولا تعلم سوء مآلها (ج10)، وفي معناه قوله في الذين ينصرفون منهم متسللين من مجلس القرآن {ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون} [التوبة: 127]، أي بسبب أنهم قوم فقدوا صفة الفقاهة الفطرية وفهم الحقائق وما يترتب عليها من الأعمال لعدم استعمال عقولهم فيها الخ ما فصلناه في تفسيرها (ج 11)، وبهذه المرآة ترى حقيقة المراد من قوله تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم} [التوبة: 46]، وراجعه في ج 10 وقوله: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] وراجعه في ج 10.
الفصل الثالث: في تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه وسننه فيهما
ترى تعليل الأمر بإتمام العهود الموقتة بقوله تعالى: {إن الله يحب المتقين} [التوبة: 4].
ترى تعليل الأمر بتخلية سبيل التائبين من المشركين بقوله تعالى: {إن الله غفور رحيم} [التوبة: 5].
ترى تعليل الأمر بإجازة المشرك المستجير لسماع كلام الله بقوله: {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} [التوبة: 6].
ترى تعليل الأمر بقتال المشركين الناكثين للعهد بقوله: {لعلهم ينتهون} [التوبة: 12].
ترى تعليل عدم قبول صدقات المنافقين بفسقهم ثم بكفرهم في آيتي 53 و54. 6 ترى تعليل عدم المغفرة لهم بكفرهم بالله ورسوله وفسقهم في الآية 79.
ترى تعليل النهي عن الصلاة على موتاهم بكفرهم بالله ورسوله في الآية 84.
ترى تعليل الأمر بأخذ الصدقة من المؤمنين بتطهيرهم وتزكيتهم بها 103.
ترى تعليل فتنة المنافقين في كل عام بأمل التوبة والتذكر 126.
فيعلم من كل تعليل أن حكمته تعالى في أفعاله وأحكامه منفعة عباده ومصلحتهم وخيرهم. سننه تعالى في أفراد البشر وأقوامهم وأممهم. بيّنا سنن الله تعالى في تأثير العقائد والصفات النفسية في الأعمال وترتب الأعمال عليها في مواضع منها إخزاء الكافرين في الآية الأولى، ومنها نفي هداية الله تعالى للظالمين والفاسقين والكافرين في الآيات 19 و24 و37 و80، ومنها كراهته تعالى انبعاث المنافقين للقتال وتثبيطه لهم، وقوله: {اقعدوا مع القاعدين} في الآية 46، ومنها طبعه على قلوبهم في الآيتين 87 و93، وفي معناه صرف قلوبهم عن الإيمان بالقرآن في الآية 127، وتقدم بيان هذا في الفصل الذي قبل هذا. ومن بيان سننه تعالى في الأمم قوله تعالى: {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} [التوبة: 39]، فبقاء الأمم وعزتها يتوقفان على قوة الدفاع الحربية (راجع تفسيرها)، ومنها قوله: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً} [التوبة: 47] فراجع تفسيرها، ومنها قوله: {ومَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يتُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التوبة: 47].
الفصل الرابع: في قضاء الله وقدره وولايته للمؤمنين وتوكلهم عليه هذه عدة عقائد من أصول الإيمان، وكمال التوحيد والإيقان، جمعت كلها في آية واحدة من هذه السورة، أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد بها على المنافقين الذين أخبره عنهم بأنهم تسوءهم كل حسنة تصيبه كالنصر والغنيمة في غزوة بدر، وتفرحهم كل مصيبة تصيبه كالنكبة التي وقعت في غزوة أحد، وهي {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُو مَوْلاَنَا وعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة:51]، فتصور حال مؤمن يوقن أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، وأنه إن لم يكن يعرف هذا المكتوب له بعينه فهو يعتقد أنه لا يعدو في جملته وعده تعالى له من حيث هو مؤمن من الخير والنصر والشهادة في سبيل الله، المعبر عنهما بالحسنيين في الآية التي بعد هذه أي آية 52، ويعتقد أن الله تعالى هو مولاه الذي يتولى نصره وتوفيقه، فهو بمقتضى إيمانه يتوكل عليه ويفوض أمره إليه، تصور حال مؤمن تمكنت هذه العقائد من نفسه، وملكت عليه وجدانه، هل يخاف من غير الله؟ هل ييأس من روح الله؟ هل يمنعه أي خطب من الخطوب عن الجهاد لإعلاء كلمة الله، وإقامة دين الله، وبذل الجهد، في إقامة الحق والعدل، ومد بساط البر والفضل؟ وتصور حال أمة يغلب على أفرادها ما ذكر ألا تكون أعز الأمم نفسا، وأشدها بأسا؟ ويؤيد هذه العقائد ويزيدها رسوخا في قلب تالي هذه السورة ختمها بقوله عزّوجلّ: {فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129]، فينبغي للمؤمن أن يتأمل معناها ويطالب نفسه بالتحقق به، فإنه يجد به من حلاوة الإيمان وعزة النفس ما يحتقر به خسائس المادة التي يتكالب الماديون عليها، ويبخعون أنفسهم انتحارا إذا فاتهم أو أعياهم شيء منها، وقد ورد في ذلك عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه من قال إذا أصبح وإذا أمسى: "حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ "سبع مرات كفاه الله ما أهمه "وقد تقدم هذا في تفسير الآية.
الباب الثاني: في مكانة محمد رسول الله وخاتم النبيين عند ربه، وفي هداية دينه، وحقوقه على أمته، وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في اقتران اسمه باسم ربه، وحقه صلى الله عليه وسلم بحقه عزّ وجلّ، وفيه أربعة عشر شاهدا:
و 2 افتتحت هذه السورة بقوله تعالى: {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ ورَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} وعطف عليها قوله تعالى: {وأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ ورَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَر} الخ، فقرن تعالى اسم نبيه باسمه في تبليغ أحكامه وتنفيذها.
قال تعالى في وصف كلمة المؤمنين من الآية {وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ ولاَ رَسُولِهِ ولاَ الْمُؤْمِنِينَ ولِيجَةً} [التوبة: 16]، أي دخيلة وبطانة من غيرهم يطلعونهم على الأسرار، ولهذا أشرك المؤمنين في هذا لأنه يتعلق بحقوقهم في ولاية بعضهم لبعض دون أعدائهم، ويضرهم أن يكون بينهم ولائج ودخائل من غيرهم. دون ما قبله الذي هو تشريع هو حق الله تعالى وتبليغ وتنفيذ: هما حق رسوله صلى الله عليه وسلم في عهده، وورثته من بعده.
قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وأبناؤكم وإِخْوانُكُمْ وأَزْواجُكُمْ وعَشِيرَتُكُمْ وأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ومَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ ورَسُولِهِ وجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24]، فجعل كمال الإيمان مشروطا بتفضيل حب الله تعالى ورسوله على كل ما يحب في هذا العالم من الناس والمصالح والمنافع، ولكنه جعل الجهاد في سبيل الله وحده دون رسوله لأنه عبادة يتقرب بها إلى الله وحده، وليس للرسول صلى الله عليه وسلم أدنى حق ولا شركة مع الله عزّ وجلّ في عبادته.
قوله تعالى في صفات أهل الكتاب الذين شرع قتالهم من الآية [29] {ولاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ ورَسُولُهُ} على القول بأن "رسوله" في الآية هو الفرد الأكمل خاتم النبيين، وهو قول للمفسرين يقابله أن المراد به رسوله تعالى إليهم وهو موسى (11 عليه السلام) لليهود، وعيسى (عليه السلام) للنصارى. وهل العطف في الآية يدل على أن الرسول قد أعطاه الله حق التحريم من تلقاء نفسه أم حظه منه التبليغ عن الله تعالى نصا ولو في غير القرآن أو استنباطا؟ اختلف علماؤنا في التشريع الدنيوي في هذه المسألة دون الدين المحض، فذهب بعضهم إلى الأول، وجعلوا منه تحريمه صلى الله عليه وسلم للمدينة كمكة أن يصاد صيدها، أو يختلى خلاها الخ، وذهب آخرون إلى الثاني، ومنهم الإمام الشافعي، وقد بينا هذه المسألة في موضع آخر بالتفصيل.
قوله تعالى في سبب منع المنافقين أن تقبل منهم نفقاتهم من الآية 54 {أنهم كفروا بالله ورسوله}، ومثله في سبب عدم انتفاعهم باستغفار النبي صلى الله عليه وسلم من الآية 79 {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله}، وهذا ظاهر، فإن الدين إنما يكون بالجمع بين الإيمان برسوله وما جاء به، وأنى يعرف الله وما يرضيه من عبادته إلا من طريق رسله وما أوحاه إليهم؟
قوله تعالى في الذين لمزوا النبي صلى الله عليه وسلم- أي عابوه- في قسمة الصدقات، وكانوا يرضون إذا أعطوا ويسخطون إذا منعوا: {ولَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ ورَسُولُهُ وقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة:59] والجمع فيها بين اسم الله واسم رسوله في موضعين أحدهما الرضاء بما آتيا وأعطيا بالفعل، والثاني الرجاء فيما يؤتيان من بعد، فأما العطاء من الله تعالى فهو أنه هو الذي أنعم وينعم بالغنائم في الحرب، وهو الذي شرع قسمتها بين الغانمين، وجعل خمسها فيما تقدم في أول الجزء العاشر في مصالح المسلمين، ومنها مواساة الفقراء والمساكين، وهو المنعم بسائر الأموال، والذي فرض فيها ما تقدم تفصيله من الصدقات، وأما الرسول الله فهو القاسم للغنائم والصدقات بإعطائها لمستحقيها بالحق والعدل، ولذلك خص الله تعالى في الآية بالفضل، وفيها من أصول التوحيد، والتمييز بين ما لله وحده وما له وللرسول أمران:
أحدهما: أن المحسب الكافي للعباد هو الله وحده، وهذا أرشدهم أن يقولوا: "حسبنا الله"، ولم يقل ورسوله كما قال في الإيتاء.
وثانيهما: أن توجه المؤمن فيما يرغبه ويرجوه من الرزق وغيره يجب أن ينتهي إلى الله تعالى وحده، وهو نص قوله: {إنا إلى الله راغبون} [التوبة: 59]، ومنه {وإلى ربك فارغب} [الشرح: 8]، أي دون غيره، (راجع ج 10).
قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ واللّهُ ورَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62] فمقتضى الإيمان الذي لا يصح بدونه تحري المؤمن إرضاء الله ورسوله في المرتبة الأولى، وإرضاء المؤمنين بما يتعلق بمعاملتهم في المرتبة الثانية التابعة للأولى، ذلك بأن كل ما يرضي الله عز وجل يرضي رسوله، وكل ما يرضي رسوله صلى الله عليه وسلم يرضيه، فهما متلازمان، وأما المؤمنون فقد يرضي بعضهم ما لا يرضي الله ورسوله لجهله بما يرضيهما، أو غفلته عنه، أو اتباعه لهواه فيه. ومنه في موضوع الآية أن بعض المؤمنين من الصحابة الكرام ربما كانوا يصدقون أولئك المنافقين الذين يحلفون لهم بأنهم صادقون في اعتذارهم عما اتهموا به في غزوة تبوك، لأنهم لا يعلمون ما يعلمه الله تعالى من باطن أمرهم، وما أعلم به رسوله منه، ولذلك قال في آية أخرى {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96].
قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ ورَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [التوبة: 63] الآية وهذه مقابلة لما قبلها، فإن من يحادد الله -أي يعاديه- يعادي رسوله، كما أن من يرضي أحدهما يرضي الآخر، ومن ثم كان الجزاء واحدا.
قوله تعالى في المنافقين الذين كانوا يخوضون في مسألة غزوة تبوك، ويهزؤون بمحاولة غزو الروم، ورجاء الرسول صلى الله عليه وسلم النصر عليهم، وبما كان وعد به أصحابه من الظفر بملكهم {ولَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وآيَاتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تستهزئون} [التوبة: 65]، فحكم الاستهزاء بالله وآياته الكفر، وهو حكم الاستهزاء برسوله، لأن الله تعالى هو الذي وعد رسوله بالنصر، وأمره بالغزو، ورسوله إنما بلغ عنه آياته، ووعده في ذلك.
قوله تعالى: {وجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ ورَسُولَهُ} [التوبة: 90] الآية، معنى كذبهم إياها إظهار الإيمان بهما كذبا وخداعا، ومن كذب الرسول في دعوى الإيمان فقد كذب الله وإن لم يشعر بذلك واستحق الجزاء الذي في الآية.
قوله تعالى في أصحاب الأعذار الصادقة في التخلف عن الجهاد الواجب {لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ ورَسُولِهِ} [التوبة: 91]، فاشترط لقبول عذرهم في القعود عن القتال النصح لله ورسوله في كل قول وعمل يقدرون عليهما في مقاومة الأعداء ومساعدة المؤمنين وغير ذلك، فالنصح من أعظم شعب الإيمان، وراجع تفسير الآية.
قوله تعالى في المعتذرين من المنافقين عن الخروج إلى تبوك {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ} [التوبة: 94] الآية، والمراد من ذكر رؤية الرسول لها إعلامهم أنه هو الذي سيعاملهم بمقتضاها في الدنيا، دون أقوالهم في الاعتذار عن تخلفهم وغيره من سيئاتهم. وأما رؤية الله تعالى لها فهي التي عليها مدار الجزاء في الآخرة كما صرح به في تتمة الآية (ج 11)، وفي معناها قوله تعالى: {وقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ والْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] هذه الآية حث على العمل النافع للدنيا والآخرة، وإنما ذكر المؤمنون هنا بعد ذكر الله ورسوله لتذكير العاملين بأن الله يرى أعمالهم، وهو الذي يجازيهم عليها، فيجب عليهم الإحسان والإخلاص له، والوقوف عند حدود شرعه فيها. وبأن رسوله يراها ويعاملهم بمقتضاها وهذا خاص بحال حياته صلى الله عليه وسلم وهو الشهيد عليهم فيها عند الله تعالى ليتحروا أن يشهد لهم لا عليهم، ثم لتذكيرهم بأن المؤمنين يرونها، فينبغي لهم أن يتبعوا فيها سبيلهم، ويتحروا فيها ما يوافق المصلحة العامة التي يشتركون فيها وجماعة المؤمنين شهداء بعضهم على بعض وشهادتهم مقبولة عند الله تعالى (راجع تفسير الآية ج 11).
قوله تعالى: {ومِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ} [التوبة: 99] فهذا ضرب من اقتران اسم الرسول صلى الله عليه وسلم باسم الله تعالى في موضوع واحد مع الفصل فيه بين ما له تعالى وما لرسوله. فالذي لله عزّ وجلّ من هذه العبادة هو قصد القربة وابتغاء المرضاة والمثوبة، والذي للرسول صلى الله عليه وسلم هو طالب صلواته أي أدعيته، إذ كان يدعو للمتصدقين كما بيناه في تفسير الآية (ج11). وكل هذه الآِيات مما يفند دعوى بعض الملاحدة أن دين الإسلام هو القرآن وحده دون سنة رسوله، وكذلك ما ترى في الفصلين اللذين بعده.
الفصل الثاني: في علو مكانته، وعناية الله تعالى به، وتكريمه وتأديبه، تكميله إياه وفيه 11 منقبة بالإجمال، وأضعاف ذلك بالتفصيل:
المنقبة الأولى: جعل الإيمان به وطاعته وحبه وإرضائه مقرونة في المرتبة والثناء والثواب بما له عزّ وجلّ من ذلك على عباده، وجعل ما يقابل ذلك من الكفر به وعصيانه وبغضه وإغضابه وإيذائه مقرونة في الحظر والكفر والوعيد واستحقاق العذاب الأليم بالكفر بالله وعصيانه الخ، وتجد ما في السورة من الأمرين مفصلا في الفصل الأول الذي قبل هذا، فهي بضع عشرة لا منقبة واحدة.
الثانية: إنزال الله سكينته عليه، وتأييده بجنوده من الملائكة في يوم حنين حين انهزم المؤمنون وولوا مدبرين، كما هو مبين في الآيتين 25 و26 (ويراجع تفسيرهما في ج 10).
الثالثة: نصر الله له عند خروجه للهجرة مع صاحبه الصديق، ومعيته الخالصة لهما، وإنزال سكينته عليهما، وتأييدهما بجنوده من الملائكة، وفيها عدة مناقب كما تراه في آية الغار (40) وتفسيرها البديع.
الرابعة: إتمام الله تعالى نوره به كما تراه في الآية 32، وقال بعض المفسرين: إنه هو صلى الله عليه وسلم نور الله المراد من الآية، فانظر تفسيرها في ج 10. الخامسة: قوله تعالى بعدها {هُو الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] الآية وهي مشتملة على عدة مناقب فانظر تفسيرها في ج 10.
السادسة: قوله تعالى له {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] الآية، وفيها من لطفه تعالى به وتكريمه إياه أن أعلمه بعفوه عنه قبل إعلامه بخطأ الاجتهاد في إذنه لبعض المنافقين بالتخلف عن الخروج معه إلى تبوك، وتجد في تفسيرها تحقيق الكلام في ذنوب الأنبياء عليهم السلام ص 464.
السابعة: إعلامه تعالى إياه بأن استغفاره للمشركين وعدمه سيان في جانب حكم الله فيهم، وهو أنه لا يغفر للمصرين على نفاقهم، وذلك في الآية 70، وهذا تقييد لنفع الدعاء والشفاعة.
الثامنة: إعلامه تعالى بأنه ليس من شأن النبي -من حيث هو نبي- ولا من شأن المؤمنين أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى بعد العلم بموتهم على كفرهم بعد أن فعلوا ذلك، وهذا نص اٍلآية 113، وهي إرشاد من الله لهم فيها يجب أن يقفوا عنده من مودة القرابة والنسب (راجع ج 11).
التاسعة: نهيه تعالى إياه عن الصلاة على المنافقين أو القيام على قبورهم عند الدفن بعد صلاته على زعيمهم الأكبر الأكفر عبد الله بن أبي بن سلول، والقيام على قبره عند دفنه، تكريما لنجله المؤمن الصادق، وتأليفا لقومه، وكان أكثر المنافقين منهم، وهذا النهي يتضمن الإنكار والتأديب والحد الذي يجب الوقوف عنده في معاملة المنافقين، وسيأتي تفصيله.
العاشرة: نهيه عن الإعجاب بأموالهم وأولادهم، وإعلامه بأن الله يعذبهم في الدنيا قبل الآخرة، وهو في الآيتين 55 و85 على القول بأن الخطاب فيهما له صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يكون عاما لكل من يسمع القرآن أو يقرؤه، وهو على كل تقدير تأديب من الله تعالى وتكميل للنبي والمؤمنين بالسمو بأنفسهم عن تعظيم شأن قوة الأموال وعزة الأولاد وزينتها يكونان للمحرومين من قوة الإيمان وعزته وهما اللتان لا يعلوهما شيء، وتعليمهم ما لم يكونوا يعلمون من أن النعم الصورية الدنيوية لا تتم لأهلها النعمة بها إلا باطمئنان القلوب بنعمة الإيمان، وتزكي الأنفس بأعمال الإسلام، وأن السعادة الحقيقية إنما هي سعادة النفس بالعلم والعرفان وعلو الأخلاق، ومن متمماتها الدنيوية كثرة الأموال والأولاد، وأن هؤلاء المنافقين بفقدهم لهذه النعم الباطنة لا سعادة لهم بتلك النعم الظاهرة، وإنما هي منغصات لهم في الدنيا نفسها بما بيناه في تفسير الآيتين (في ج 10). الحادية عشرة: توبته تعالى عليه وعلى خيار أصحابه المؤمنين، وهذا منتهى التطهير والتزكية لهم من ربهم عزّ وجلّ في أثر غزوة تبوك التي أرهقوا فيه أشد العسر، وقاسوا أعظم الجهد، من الجوع والظمأ والنصب، ومفارقة موسم الرطب، في شدة الحر، وقلة الزاد والظهر (الرواحل)، فكان لا بد أن يعرض لهم بعض الهفوات الجديرة برأفة الله ورحمته في جانب تلك الحسنات، التي أشير إلى مضاعفة أجرها فيما يلي الإخبار بالتوبة عليهم من الآيات، وهو قوله عزّ وجلّ: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ والْمُهَاجِرِينَ والأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 117]، ثم ذكر فيما يليها توبته على الذين خلفوا من هؤلاء الصادقين عن تبوك بغير عذر {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم} الخ. والتوبة من العبد إلى ربه هي رجوعه إليه عن كل ما لا يرضيه، وتحريه ما يرضيه، وهي تختلف باختلاف حال التائبين فيما يتوبون عنه، حتى إن منهم من يتوب إليه ويستغفره من الغفلة، ومن التقصير في استكمال الجهد في الطاعة. وأما التوبة من الرب على عبده فهي قبول توبته، والتجاوز عن ذنبه أو هفوته، أو عن تقصيره في عبادته، والخطأ في الاجتهاد في إقامة سنته، وتنفيذ شريعته، وعطفه عليه بما يكون مزيد كمال في إعلاء درجته، ولذلك قال بعض المحققين: إن التوبة هي أول درجات الطاعة والمعرفة، وهي آخر درجات الكمال في الإيمان وثمراته، وإنها كالطهارة في الصلاة، لا بد من استمرارها من أول سن التكليف إلى آخرها (راجع ج 11). الفصل الثالث: في فضله صلى الله عليه وسلم على أمته، وحقوقه الواجبة عليها، وحكم إخلالها بها وتقصيرها، فيها وهي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في صفاته الخاصة، وفيه بضع مزايا وفضائل:
الأولى: وصف الله تعالى إياه بأنه صلوات الله وسلامه عليه في الآية 61 {أذن خير} في الرد الحكيم على قول بعض المنافقين هو أذن، يعنون أنه يصدق كل ما يقال له، فيسهل عليهم خداعه، وقد فسر وصفه بأنه أذن خير بقوله تعالى: {يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين}، ووجه الرد عليهم بهذا أنه صلى الله عليه وسلم إنما يؤمن بالله ويصدق ما يوحيه إليه في شأن المنافقين وغيرهم، وهو التصديق القطعي اليقيني، ويليه أنه يصدق المؤمنين بالله تعالى وبرسالته تصديق ثقة بهم وائتمان لهم فيها هو خير في نفسه، وخير للناس حتى المنافقين منهم، لأنه لا يسمع سماع قبول إلا ما كان حقا وخيرا، دون الكذب والغيبة والنميمة. راجع تفسيرها في ج 10.
الثانية: وصفه تعالى إياه بعد ما ذكر بقوله: {ورحمة الذين آمنوا منكم} [التوبة: 61] أي بما كان سببا لهدايتهم، وإسباغ الله عليهم سعادة الدنيا والآخرة بإيمانهم به وعملهم بما دعاهم إليه من أسبابها، دون المنافقين المكذبين أو المرتابين فيها، وأما قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] فهو في معنى إرساله للناس كافة بما هو سبب الرحمة والسعادة. وما يأتي قريبا من وصفه بأنه رحيم بالمؤمنين فهو معنى آخر، وستعرف الفرق بينهما.
الثالثة: وصفه في آية 103 بتطهير المؤمنين وتزكيتهم بما يأخذه منهم من الصدقات، وذلك أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يكن مثله في تبليغه لفرض الصدقات والنفقات، وفي أخذه لها، وقسمتها على مستحقيها، كمثل الملوك والحكام الذين يجعلون المفروض على الناس من الأموال أتاوات وضرائب قهرية يؤدونها كما يؤدون سائر المغارم، ويعتقدون أنها تنفق بحسب أهواء الملوك والحكام، ويكون لهم منها أكبر نصيب بغير استحقاق، وإنما كان صلى الله عليه وسلم يبين للمؤمنين حكمة ما فرضه الله تعالى عليهم، وأن فيه خير الدنيا وسعادة الآخرة لهم في أفرادهم وجماعتهم، وكان يقسمه بين مستحقيه بالعدل، ويحرم بإذن الله على نفسه وعلى أهل بيته أخذ شيء منه، فبهذا وذاك أسند الله تعالى إليه فعل التطهير والتزكية لهم، وهو داخل في حكمة بعثته في قوله: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} وتجد التفصيل في تفسير الآية (ج 11).
الرابعة: وصف دعائه للمتصدقين بعد ما ذكر بأنه سكن لهم تطمئن به قلوبهم، وترتاح إليه أنفسهم، ويثقون بقبول الله لصدقاتهم، ونقول: إن كل مؤمن متصدق مخلص يناله حظ من دعائه صلى الله عليه وسلم للمتصدقين إلى يوم القيامة، ولكن لم يرد في القرآن ولا في السنة ولا في سيرة الصحابة والتابعين أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه بعد وفاته الدعاء لأحد.
الخامسة: وصفه تعالى إياه بما امتن به على قومه من قوله في خاتمة السورة {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم} فأثبت له شدة الحب لهم والحرص على هدايتهم وسعادتهم، وأنه يعز ويشق عليه أن يصيبهم العنت والإرهاق في دينهم أو دنياهم.
السادسة: وصفه بعد ما تقدم بقوله: {بالمؤمنين رءوف رحيم} وهاتان الصفتان من أعظم صفات الربوبية غير الخاصة بالله عزّ وجلّ إلا في كمالهما، ورأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين غير إرسال الله تعالى إياه رحمة لهم خاصة، وغير إرساله رحمة للناس كافة، فإن رحمته بهم من صفات نفسه الشريفة القدسية التي ظهر أثرها في سياسته ومعاشرته لهم، وتأديبه إياهم، وتنفيذ حكم الله تعالى فيهم، كما ترى في هذه السورة كغيرها، وشواهد سيرته صلى الله عليه وسلم في تفسيرها، فتأمل خطبته صلى الله عليه وسلم في الأنصار في أثر إنكار بعض شبانهم وعوامهم حرمانه إياهم من غنائم حنين (ج 10)، فهي العجب العجاب، والكمال الذي لم يتم لبشر كما تم له عليه الصلاة والسلام. وأما إرساله رحمة للعالمين وللمؤمنين فهو بيان لحكمة رسالته وفوائدها فيما اشتملت عليه من الحق والعدل والخير التي هي أسباب رحمة الله ومثوبته ورضوانه لمن اهتدى بها، كما تقدم بيانه في محله.
القسم الثاني: فيما يجب له على أمته، وفيه خمس واجبات:
الأول: وجوب حبه صلى الله عليه وسلم بالتبع لحب الله تعالى، وفي الدرجة التي تلي درجته في ثمرة الإيمان، وتفضيل نوع حبها على كل ما يحب بمقتضى الفطرة ومصالح الدنيا، فراجع بيان ذلك في تفسير الآية 25 تجد فيه ما لا تجد مثله في تفسير آخر (ج 10).
الثاني: وجوب تحري مرضاته بالتبع لمرضاة الله عزّ وجلّ في الآية 62.
الثالث: وجوب طاعته بالتبع لطاعة الله في صفات المؤمنين من الآية 71.
الرابعة: وجوب النصح له بالتبع للنصح لله عزّ وجلّ في صفات المعذورين في التخلف عن القتال من الآية 91. وهذه الواجبات له قد ذكرت في الفصل الأول من هذا الباب في سياق آخر. الخامس: وجوب نصره كما يؤخذ من آية {إلا تنصروه فقد نصره الله} [التوبة: 40]، ويؤيدها ما يأتي في القسم الثالث من حظر التخلف عنه.
القسم الثالث: فيما يحظر عليهم من إيذاء وتقصير في حقه، وهو خمسة محظورات: الأول: حظر إيذائه -فداؤه أبي وأمي ونفسي- والوعيد عليه في الآية 61.
الثاني: حظر محادته- أي معاداته -والوعيد عليها في الآية 63.
الثالث: الكفر الصريح بالاستهزاء به في الآية 65.
الرابع: حظر القعود عن الخروج معه للجهاد في الآيتين 81 و90.
الخامس: حظر تخلفهم عنه والرغبة بأنفسهم عن نفسه في الآية 120، وهذا تعبير بليغ جدا يتضمن أن كل من يصون نفسه عن جهاد وعمل بذل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه فيه فهو مفضل لنفسه على نفسه الكريمة في عهده، ويمكن أن يقال ذلك فيمن بعده، وإن كان الفرق بين الحالين ظاهرا من ناحية ملاحظة ذلك وعدمها، ومن ناحية قيام الحجة على من كان معه بما لا تقوم به على من لم يكن معه فضلا عمن بعده، وإنما نعني بالإمكان أنه ينبغي لكل مؤمن أن يتأسى به صلى الله عليه وسلم في بذله ماله ونفسه لله والجهاد في سبيل الله بقدر إمكانه {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} فراجع تفسير الآية (ج 11).
الباب الثالث: في دين الإسلام وما في السورة من حججه وأصوله وصفات أهله، وفيه 3 فصول:
الفصل الأول: في حجج الإسلام من البشارات والنذر والإخبار بالغيب، وهي عشر: الأولى: قوله تعالى للمشركين في الآية الأولى {واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين}.
الثانية: قوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ ويُخْزِهِمْ ويَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 14].
الثالثة: قوله للمؤمنين {وإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 28].
الرابعة: بشارته بخذل اليهود والنصارى فيما يحاولون من إطفاء نوره تعالى (الإسلام)، ووعده بإتمامه، وإظهار دينه على الدين كله، وذلك في الآيتين {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ} إلى قوله: {ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32، 33]. الخامسة: قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم} [التوبة: 64].
السادسة: قوله: {ولَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ} [التوبة: 65] الآية ولذلك كله ولما سيأتي قال: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ونَجْواهُمْ وأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [التوبة: 78].
السابعة والثامنة والتاسعة: قوله: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} [التوبة: 94] الآية وقوله: {سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} [التوبة: 96] وقوله: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} [التوبة: 96] الآيات وهي أظهر في خبر الغيب من قوله: {ويَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ} [التوبة: 56] وقوله: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ} [التوبة: 62] لاحتمال أن يكون الإخبار بهذين الحلفين بعد وقوعهما لبيان غرضهم، وما في باطنهم، وهو عين تعليل حلفهم في الآية 96.
العاشرة: قوله: {ومِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ومِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} [التوبة: 101] أي في الدنيا. وقد تم كل ذلك وصدق وعد الله ووعيده وخبره. وفي السورة أخبار أخرى بالغيب يحتمل أن تكون من باب طبيعة العمران وسنن الله في البشر، وترى مثاله في الفصل الثالث من الباب الأول.
الفصل الثاني: في صفة الإسلام ومدخله وأعم أصول التشريع فيه، وفيه عشرة أصول:
الأصل الأول: أن دين الإسلام هو نور الله تعالى العام، وهداه الكامل التام، الذي نسخ به ما تقدمه من الأديان، ووعد الله عزّ وجلّ بإتمامه، وخذلان مريدي إطفائه، وذلك نص الآيتين (32 و 33)، وتجد في تفسيرهما (في ج 10) ما لا تجد مثله في شيء من كتب التفسير الأخرى، من إظهاره على جميع الأديان بالحجة والبرهان، والهداية والعرفان، والعلم والعمران، والسيادة والسلطان.
الأصل الثاني: مدخل الإسلام ومفتاحه وما يتحقق به، وهو قوله تعالى في المشركين {فَإِن تَابُواْ وأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] ويؤكدها قوله: {فَإِن تَابُواْ وأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11]، والمراد التوبة من الشرك وتحصل بالإقرار بالشهادتين، وتجد في تفسيرهما خلاف العلماء في كفر تارك الصلاة ومانع الزكاة من أفراد المسلمين (ج 10).
الأصل الثالث: بناء الإسلام على العلم الصحيح دون التقليد الذي ذمه القرآن في آيات كثيرة، وشنع به على المشركين. ودليله في هذه السورة قوله تعالى في تعليل الأمر بإجازة المشرك الحربي في دار الإسلام ليسمع القرآن {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون}، وقوله في الآية 11 {ونفصل الآيات لقوم يعلمون}، وأصرح منهما قوله في مقلدة أهل الكتاب {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، مع تفسير النبي صلى الله عليه وسلم ذلك باتباعهم إياهم فيما يحلون لهم ويحرمون عليهم (ج 10).
الأصل الرابع: أن التكليف العام من العبادات والحلال والحرام الديني لا يثبت إلا بنص قطعي، وهو ما كان عليه السلف الصالح وأصل مذهب الحنفية، وشاهده في هذه السورة قوله تعالى: {ومَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] وبيانه في تفسيرها (ج 11).
الأصل الخامس: جهاد المشركين في سبيل الله وعدم السماح لهم بالإقامة في بلاد العرب أو يدخلوا في الإسلام، وهو في آيات منها الآية التي سموها آية السيف وهي الخامسة {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ}، وهي غير ناسخة لآٍيات العفو والصفح والإعراض عن المشركين كما قيل، وترى في تفسيرها تحقيق الآيات الناسخة والمنسوخة (ج10)، وستأتي أحكام القتال وقواعده في الباب الرابع الآتي.
الأصل السادس: جعل الغاية من قتال أهل الكتاب أداء الجزية لنا بشرطها إلا أن يدخلوا في الإسلام، وهو في الآية 29، وستذكر في أحكام القتال.
الأصل السابع: المساواة بين الرجال والنساء في ولاية الإيمان المطلقة وصفاته الشخصية والعامة المشتركة في قوله: {والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ويُطِيعُونَ اللّهَ ورَسُولَه} [التوبة: 71]، ويدخل في إطلاق الولاية ولاية النصر والدفاع عن الأمة والبلاد، إلا أنه لا يجب على النساء القتال إلا في حال النفير العام (ج 10). الأصل الثامن: المساواة بين الرجال والنساء في جميع نعيم الآخرة تبعا للمساواة في التكليف، وهو نص قوله تعالى: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات} [التوبة: 72] الخ.
الأصلان التاسع والعاشر: وجوب طلب العلم والتفقه في الدين، ووجوب بث العلم مقرونا بالوعظ والإنذار الذي يرجى تأثيره النافع، وهما في الآية 116، وفي السورة من أصول الإيمان عقيدة البعث، وجزاء المؤمنين والكافرين والمنافقين في آيات كثيرة كسائر القرآن (تراجع الآيات 3 و 17 و 18 و 19 و 21 و 22 و31 و 44 و 45 و 49 و 61 و 63 و 68 و 69 و 74 و 81 و 95). وفائدة هذا التكرار أن ترسخ هذه العقيدة في قلوب المتعبدين بتلاوة القرآن بكثرة تذكرها في المواضع المختلفة من ذكر الأعمال التي يترتب عليها ذلك الجزاء، وأن من ضروب إعجاز القرآن أن يرد فيه المعنى الواحد في العشرات أو المئات من المواضع، ولا يمل تكراره القارئ ولا السامع.
الفصل الثالث: في آيات الإيمان الصادق وصفات أهله وطبقاتهم، وفيه 32 شاهدا: الشاهد الأول: آية صدق الإيمان -المميزة بين الصادقين والمنافقين ومرضى القلوب- التي تظهر بالامتحان وهو الجهاد وحفظ أسرار الملة والدولة أن يفضى بها إلى وليجة أو بطانة من دون المؤمنين، ومنهم جواسيس الأعداء. وهو نص الآية 16 (ج 10). 2 آية صدق الإيمان وما ينافيه من ولاية الآباء والإخوان الذين يستحبون الكفر على الإيمان في الآية 23 (ج10).
آية صدق الإيمان تفضيل حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على حب الآباء والأبناء والإخوان والعشيرة والمال والتجارة والمساكن المرضية، وذلك مفصل في الآية 24، وتجد من بيان معانيها في تفسيرها ما لا تجد مثله في شيء من كتب التفسير.
أخوة الإسلام الدينية في الآية 11 وتفسيرها في ج 10.
و 6 عمارة مساجد الله حسا ومعنى، وعدم خشية أحد إلا الله في الآية 18.
ولاية بعض المؤمنين لبعض ذكورا وآناثا.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
صفات المؤمنين المميزة لهم من المنافقين في المقابلة بين الآيتين 44 و45 وبين الآية 68 وما بعدها، والآية 71 وما بعدها، والآية 86 وما بعدها، والآية 88 وما بعدها، وبين الآيتين 98 و99 (ج 11) وبين الآيات 124 127.
طبقات خيار المؤمنين الثلاث: المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان في الآية المتممة للمائة وفي الآية 117.
المؤمنون الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا في الآية 102، والمؤمنون الذين أرجأ الله قبول توبتهم في الآية 106.
الإخلاص في الإنفاق في سبيل الله ابتغاء القربات عند الله، وصلوات الرسول -أي أدعيته- الآية 99.
العمل النافع للدنيا والدين الذي يرضي الله ورسوله والمؤمنين، الآية 105. 15 حب التطهر من الأدران الحسية والأرجاس المعنوية، 108.
بيع المؤمنين أنفسهم وأموالهم لله تعالى بالجنة في الآية 111.
25 صفات هؤلاء المؤمنين: التوبة، العبادة الخالصة، الحمد لله على كل حال، السياحة، ركوع الخضوع، سجود الخشوع، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحفظ لحدود الله في الآية 112.
آية المؤمنين عدم الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى، الآية 113.
إنذار الناس وتعليمهم، الآية 122.
الغلظة في القتال على الكفار المحاربين، الآية 123.
زيادة الإيمان بنزول القرآن في الآيتين 124 و125.
الباب الرابع: في المسائل المالية والعسكرية والسياسية، وما فيها من أحكام القتال والعهود، وفيه 3 فصول:
الفصل الأول: في أحكام الأموال؛ تقدم في سورة الأنفال أحكام الغنائم، وما في معناها من أموال الحرب، وفرض الخمس فيها، ومصارفه، وحق آل الرسول صلى الله عليه وسلم فيه، وحكمته، وما للأمة فيه من المصلحة، وبيان أنواع الأموال الشرعية في الإسلام، وأمهات مقاصدها في الدولة الإسلامية. فما في هذه السورة متمم لما قبله في الأموال، كما أنها متممة لما فيها من أحكام القتال وشؤون المنافقين والكفار. والكلام في هذا الموضوع ثلاثة أقسام:
المسائل الدينية والاجتماعية في الأموال.
فوائد إصلاح الإسلام المالي للبشر.
القسم الأول: في مكان إنفاق المال من الإيمان، والبخل به من النفاق وفيه 10 مسائل:
المسألة الأولى: كون الزكاة المعينة أحد أركان الإسلام، لا تقبل دعواه من الكفار بدون التزامها، ولا تحصل أخوته الدينية إلا بأدائها، واعتبار مانعيها من الجماعات مرتدين تجب مقاتلتهم. وفي الأفراد خلاف تقدم تحقيق الكلام فيه. ونص ذلك في قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] وقوله: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين} [التوبة: 11]، ويؤكده عد الزكاة كالصلاة من صفات المؤمنين الراسخة في آية {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة: 71] الخ.
المسألة الثانية: كون بذل الأموال في سبيل الله آية الإيمان الصحيح وقوام الدين، ومن شواهده الآيتان المشار إليهما آنفا في فريضة الزكاة، ومنها الآية {الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ} [التوبة: 20] إلى قوله في الآية (22) {إن الله عنده أجر عظيم}، ومنها الوعيد الشديد لمن أمواله وتجارته وسائر حظوظه أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله، وهو في الآية (24)، ومنها قوله تعالى في آية النفير العام {انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} [التوبة: 41]، وقوله: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} [التوبة: 44]، ويتم معناها الآيتان بعدها. ومنها قوله تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في حياة الدنيا} [التوبة: 55].
المسألة الثالثة: كون البخل والامتناع عن الإنفاق في سبيل الله آية الكفر والنفاق، فمن شواهده عدم قبول نفقة المنافقين، وكون أموالهم بلاء ووبالا عليهم في الدنيا والآخرة في الآيات 53 و 54 و 55، ومنها لمز المنافقين للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الصدقات للطمع في المال في الآية 58، ومنها وصف المنافقين بالبخل وقبض الأيدي عن الإنفاق في قوله: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} [التوبة: 68] إلى قوله: {ويقبضون أيديهم} [التوبة:68]، ويؤكدها ضرب المثل لهم في الآية 70 بعدها بالذين من قبلهم من المغرورين بالقوة والمال، ووصف المؤمنين بعدها بصفات منها (إيتاء الزكاة)، ومنها قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} [التوبة: 75] الآية، والوعيد الشديد على البخل في الآيات التي بعدها، ومنها لمز المنافقين للمتطوعين من المؤمنين في الصدقات في الآية 76، ومنها {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} [التوبة: 81].
المسألة الرابعة: وصف كثير من رؤساء الدين من أهل الكتاب بأكل أموال الناس بالباطل تحذيرا من فعلتهم، ورفعا لقدر كل مسلم أن يسفّ ويسفل إلى دركتهم. المسألة الخامسة: الوعيد على كنز الأموال وعدم إنفاقها في سبيل الله في الآيتين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} إلى قوله: {فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35].
المسألة السادسة: آية {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما} [التوبة: 98]، وهم منافقوهم كبني أسد وغطفان، كانوا يعطون الصدقات رياء وخوفا لا يرجون منها نفعا بتأييد الإسلام ولا ثوابا في الآخرة لعدم إيمانهم، فهي في نظرهم مغارم يلتزمونها ليصدقوا بما يظهرون من إسلامهم، وهكذا شأن المنافقين في الدين وفي القومية والوطنية، لا يبذلون شيئا من مالهم لأجل المصلحة العامة، بل للرياء والسمعة، وهو في نظرهم غرامة.
المسألة السابعة: آية {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} [التوبة: 99]، وهم بنو أسلم وغفار وجهينة وحسبك شهادة الله تعالى لهم بصدق وحسن نيتهم في نفاقاتهم، وحكمها عام. المسألة الثامنة: الترغيب في الصدقات بالتعبير عن قبولها والإثابة عليها بأخذ الله عز وجل لها كما في الآية (104).
المسألة التاسعة: الترغيب فيها بقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [التوبة: 111] الآية.
المسألة العاشرة: فضل النفقة في الجهاد قلت أو كثرت، وكون الجزاء عليها أحسن الجزاء، وهو نص الآية (121) و تفسيرها في ج 11.
القسم الثاني: أنواع الأموال الشرعية وأحكامها بالإجمال ومصارفها، وفيه 14 مسألة:
مال الجزية، وقد بينا معناها وتاريخها وأحكامها وشروطها في تفسير آية الجزية (29) وهو في ج 10.
أنواع الصدقات الواجبة المقدرة الموقوتة، وهي النقدان من الذهب والفضة والتجارة في استغلالهما، والأنعام والزرع الذي عليه مدار الأقوات والركاز، وهو المدفون في الأرض يعثر عليه والمعدن (ج 10).
سهم الفقراء والمساكن وهل هما صنفان أو صنف واحد ينقسم بالوصف إلى قسمين؟ (راجع ج 10).
سهم العاملين على الصدقات من جباة وخزنة وكتبة.
سهم المؤلفة قلوبهم وهم ستة أصناف.
سهم الرقاب، أي تحرير الرقيق، بإعانته على شرائه لنفسه المعبر عنه بالكتابة، أو شرائه من مالكه وعتقه.
سهم الغارمين الذين ركبتهم ديون تعذر عليهم أداؤها، والذين يغرمون عمدا ما ينفقونه لإصلاح ذات البين، ومنع الفتن الثائرة.
سهم الإنفاق في سبيل الله على الغزاة والمرابطين الذين لا نفقة لهم من بيت المال، وما يدخل في عموم ذلك من المصالح العامة.
سهم ابن السبيل، وهو المنقطع عن بلده في سفر، لا يتيسر له فيه الوصول إلى ماله إن كان له مال فيعطى لفقره العارض ما يتعين به على إتمام سياحته والعود إلى بلده وأهله.
الدليل على كون عروض التجارة مما تجب فيه الزكاة.
توزيع الصدقات على الأصناف كلهم أو بعضهم.
الزكاة المطلقة والمعينة ومكانتها في الدين وحكم دار الإسلام ودار الكفر فيها والبلاد المذبذبة بين الدارين.
لا تعطى الزكاة للمرتدين ولا للإباحيين والملاحدة.
إلتزام أداء الزكاة كاف لإعادة مجد الإسلام. فصل في فوائد الزكاة المفروضة والصدقات وإصلاح الإسلام المالي للبشر وامتياز الإسلام بذلك على جميع الأديان وفيه مقدمة في منافع المال، وارتباط جميع مصالح البشر الدنيوية والدينية به، وشأنهم في حبه وكسبه وإنفاقه وإمساكه، وإرشاد الدين فيه، وكون الإسلام وسطا بين اليهودية والمادية فيه، وغلو عباده من اليهود والإفرنج في جمعه واستغلاله، وبين بدعة البلشفية الاشتراكية في مقاومة الشعوب والدول المالية وغلوها في ذلك وفي هدم الأديان. وتلخيص الإصلاح الإسلامي المالي في أربعة عشر أصلا (فتراجع في ج 11).
الفصل الثاني: في أحكام القتال والمعاهدات والصلح، وهي 20 حكما:
الحكم الأول: البراءة من المشركين ونبذ عهود المعاهدين منهم، ذلك أن مشركي مكة ناصبوا النبي صلى الله عليه وسلم العداوة منذ دعا إلى التوحيد وتبعهم سائر العرب فكانوا حربا له ولمن آمن به، يقتلون كل من ظفروا به منهم، أو يعذبونه إذا لم يكن له من يحميه من المشركين، ولما هاجروا من مكة صاروا يقاتلونهم في دار هجرتهم، وكان الله ينصر رسوله والمؤمنين عليهم كما وعده. حتى إذا ما كثروا وصارت لهو شوكة اضطر المشركون إلى عقد أول صلح معهم في الحديبية، فعاهدوهم سنة ست للهجرة على السلم والأمان مدة عشر سنين، ولم تلبث قريش مع أحلافها من بني بكر أن غدروا ونقضوا العهد، فكان ذلك سببا لفتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة سنة ثمان، ثم جمع المشركون جموعهم لقتاله في حنين والطائف فنصره الله عليهم، وأمره في السنة التالية بأن ينبذ للمشركين عهودهم ويتبرأ منهم في موسم الحج (ج 10).
الثاني: أذان المشركين (إعلامهم) بذلك أذانا عاما في يوم الحج الأكبر وهو عيد النحر الذي تجتمع به وفود الحاج من جميع القبائل في منى، بحيث يعم هذا البلاغ جميع قبائل العرب في أقرب وقت، لأن الإسلام يحرم الغدر وأخذ المعاهدين على غرة، فكان لا بد من إعلامهم بذلك بما ينتشر في جميع قبائلهم، وكانت تلك الوسيلة الوحيدة لعلم كل فرد منهم بعود حالة الحرب بينهم وبين المسلمين، وهذا من عدل الإسلام ورحمته؛ لأن المشركين لم تكن لهم دولة ولا رئيس عام يبلغهم ما يتعلق بشؤونهم ومصالحهم العامة فيكتفي بإبلاغه مثل هذا كما هو المعهود في الدول الملكية أو الجمهورية المدنية، ولم يكن في عصرهم صحف منشرة عامة ولا آلات للأخبار البرقية تنشر مثل هذا البلاغ.
الثالث: منحهم هدنة أربعة أشهر يسيحون في الأرض حيث شاؤوا آمنين مطمئنين أحرارا في سيرهم وإقامتهم وسائر أعمالهم الدينية والدنيوية ليترووا في أمرهم، ويتشاوروا في عاقبتهم، وفي هذا من رحمة القادر بعدوه ما يفتخر به المسلمون بحق، وهذه الأحكام صريحة في الآيات الثلاث الأولى من السورة (ج 10).
الرابع: وعظهم بأنهم إن تابوا من شركهم وما يغريهم به من عداوة المؤمنين وقتالهم والغدر بهم فهو خير لهم، لأنهم لن يعجزوا الله في الأرض ولن يعجزوه هربا منها، وقد وعد بنصر رسوله عليهم من قبل أن يكثر أتباعه ويبايعه أنصاره، وأنجز له وعده في جملة غزواته معهم، وسبب هذا الوعظ أن الإيمان أمر اختياري طريقه الموصل إليه الدعوة ودلائل الإقناع، وذلك قوله في بقية الآية الثالثة {فإن تبتم فهو خير لكم} الخ، وفيها من الإخبار عن المستقبل ما صدقه الواقع.
الخامس: استثناء بعض المشركين من نبد العهد، وهم الذين عاهدهم المؤمنون عند المسجد الحرام في الحديبية سنة ست، ولم ينقصوهم من شروط العهد ومواده شيئا، ولم يظاهروا ويعاونوا عليهم أحدا من أعدائهم المشركين ولا أهل الكتاب، كما نقض أهل مكة العهد بمظاهرة أحلافهم بني بكر على أحلاف النبي صلى الله عليه وسلم بني خزاعة، والأمر بإتمام عهدهم إلى نهاية مدته، وتعليله بأنه من التقوى التي يحبها الله تعالى، وهذا نص الآية الرابعة بشرط أن يظلوا مستقيمين عليه كما بينه في الآية السابعة.
السادس: الأمر في الآية الثامنة باستعمال جميع أسباب القتال معهم بعد انسلاخ أشهر الهدنة التي ضربت له وحرم فيها، وهي القتل والأسر والحصر والقعود لهم في جميع المراصد لمراقبتهم ومنعهم من التجوال والتقلب في البلاد، وهو يدل على شرعية استعمال ما يتجدد بين البشر من وسائل القتال الموافقة لأصول الإسلام العادلة الرحيمة، فإن استعمل العدو ما هو مخالف لها قابلناه بالمثل لعموم قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ} [البقرة: 194].
السابع: تخلية سبيل من يتوبون من الشرك بالنطق بالشهادتين ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، لأنهم بهذا يدخلون في الإسلام، ومن قبل الصلاة والزكاة والتزامهما فلا بد أن يلتزم غيرهما، وهذا نص الآية الخامسة.
الثامن: إيجاب إجارة من يستجير النبي صلى الله عليه وسلم منهم وفي حكمه الإمام الأعظم ونائبه والقائد العام في حال الحرب لأجل أن يسمع كلام الله ويقف على دعوة الإسلام، وإبلاغه بعد ذلك المكان الذي يأمن فيه على نفسه من سلطان المسلمين.
التاسع: تعليل نبذ عهد المشركين السابق وعدم استئنافه معهم بالأسباب الآتية:
أ أنهم نقضوا عهد الحديبية بالغدر، فلم يخبروا المؤمنين بذلك ليأخذوا أهبتهم. ب أن من دأبهم وشأنهم أنهم إذا ظهروا على المؤمنين برجحان قوتهم لا يرقبون فيهم عهدا ولا ذمة ولا قرابة، بل يفتكون بهم بدون رحمة.
ج أنهم ينافقون ويكذبون عليهم في حال الضعف فيرضونهم بأفواههم، ويقولون بألسنتهم لهم ما ليس في قلوبهم، وأكثرهم -أي السواد الأعظم منهم- فاسقون، أي خارجون من قيود العهود والمواثيق والصدق والوفاء.
د أنهم يصدون عن سبيل الله، ويعادون الإسلام وأهله لأجل منفعة قليلة يتمتعون بها، ويخافون أن تسلب منهم بالتزام شريعته التي تحرم أكل أموال الناس بالباطل كالربا والقمار والغصب والغزو لأجل الكسب، وكانوا يستبيحون كل ذلك.
ه أنهم -على كونهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة في حال القوة ولا في حال الضعف- هم المعتدون على المسلمين بالقتال، فلا يمكن أن يظلوا معهم في كل حال. و أنهم نكثوا عهودهم السابقة، فكذلك ينكثون غيرها، فلا ثقة بها فتراعى. ز أنهم هموا بإخراج الرسول من وطنه، بل هم الذين اضطروه إلى الخروج هو وسائر من آمن معه، وذلك بعد أن تواطؤوا على قتله.
ح أنهم هم الذين بدؤوا المؤمنين بالقتال أول مرة، وبقيت الحرب مستمرة، فلما أنهت معاهدة الحديبية حالة القتال أعادوها بغدرهم فيها ونقضهم لها، وهذه الأسباب الثمانية صريحة في الآيات 7 10.
الحكم العاشر: وجوب قتال مشركي العرب كافة إلا أن يسلموا، وهو نص الآية الخامسة المعروفة بآية السيف، وقوله في الآية {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} ووجهه ما علم من جملة الآيات في قتال مشركي العرب، وهو عدم قبول الجزية منهم، وعدم إقرارهم على السكنى والمجاورة للمسلمين في بلادهم مع بقائهم على شركهم؛ لأنهم لا أمان لهم ولا عهود فيكمن أن يعيش المؤمنون معهم بسلام.
الحكم الحادي عشر: تحريم ولاية الكفار من الآباء والإخوان كغيرهم على المؤمنين، وكونها من الظلم العظيم في الآية 23.
الحكم الثاني عشر: حكم قتال أهل الكتاب بشرطه حتى يعطوا الجزية في الآية 29. ومن فروع هذه المسألة الفرق في القتال بين مشركي العرب وسائر الوثنيين، ومنها أن ما في هذه السورة من قتالهم و قتال أهل الكتاب إنما هو في بيان غايته لا في بدايته، وأن أول ما نزل من التشريع في القتال آيات سورة الحج 39، ثم آيات سورة البقرة التي أولها 190 (راجع ج 10 وما بعدها)، ويليها آيات سورة الأنفال، فسورة آل عمران، فسورة محمد فهذه السورة.
الحكم الثالث عشر: وصف أهل الكتاب الذين بين حكم قتالهم هنا بأربع صفات سلبية هي علة عداوتهم للإسلام، ووجوب خضوعهم لحكمه، ليأمن أهله على أنفسهم وحرية دينهم معهم (فيراجع تفسير آية الجزية). فصل في حقيقة الجزية لغة وشرعا، وتاريخها، وشروطها، وأحكامها، وسيرة الصحابة فيها ج 10. استطراد في حقيقة معنى الجهاد والحرب والغزو وإصلاح الإسلام فيه ج 10. فصل في دار الإسلام والعدل، ودار الحرب والبغي، وحقوق الأديان والأقوام في هذا العصر ج 10.
الحكم الرابع عشر: إبطال النسيء في الأشهر لأجل القتال، وكونه تشريعا جاهليا، وهو نص الآية 37.
الحكم الخامس عشر: النفير العام، وهو ما يكون القتال به واجبا بشرطه على الأعيان، كما فصل في الآيات 38 و39 و41، وأما النفير الخاص فهو في الآية 122. الحكم السادس عشر: الاستئذان في التخلف عن الجهاد بالمال والنفس من علامات النفاق ومنافيات الإيمان بالله واليوم الآخر، كما ترى في الآيتين 44 و45 وما قبلهما وبعدهما من أحوال المنافقين، وتتمة ذلك في الآيات 86 93.
الحكم السابع عشر: وجوب مجاهدة الكفار والمنافقين في المعاملات المدنية والأدبية، وهم الخاضعون لأحكام الإسلام، كما في الآية 73.
الحكم الثامن عشر: الأعذار المبيحة للتخلف عن الجهاد في قوله تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} إلى آخر الآية 93.
الحكم التاسع عشر: وجوب بذل الأنفس والأموال في القتال المشروع لإعلاء كلمة الله -وهي الحق والعدل- باشتراء الله إياهما من المؤمنين بأن لهم الجنة، وهو نص الآية 111، وتقدم تحريم الفرار من الزحف في سورة الأنفال.
الحكم العشرون: قتال الأقرب فالأقرب من الكفار الحربيين، وهو نص الآية 123.
الفصل الثالث: في القواعد والأصول السياسية والحربية المأخوذة من المسائل والأحكام السابقة وهي 13 أصلا:
جواز البراءة من العهود ونبذها للمعاهدين لدفع المفاسد المترتبة على بقائها، وهو في الآيتين الأولى والثانية من السورة.
عقد المعاهدات مع الدول والأمم من حقوق الأمة؛ لأن لها غنمها وعليها غرمها، وإنما يعقدها الإمام أو نائبه من حيث إنه هو الممثل لوحدة الأمة، وهو منطوق إسنادها إلى المؤمنين في قوله في الآية الأولى {عاهدتم من المشركين}، مع العلم بأن الذي تولى العقد وكتب باسمه في الحديبية هو النبي صلى الله عليه وسلم.
نبذ المعاهدات يجب أن يذاع وينشر بحيث يعرفه المخاطبون بالعمل به كما أمر الله بالأذان به يوم الحج الأكبر، والإذاعة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وأحوال البشر في حضارتهم وبداوتهم.
وجوب الوفاء بالمعاهدة ما دام الطرف الآخر من الأعداء يفي بها ولا ينقص منها شيئا، كما ترى في الآيات 4 و7 و12 و13 إكمالا لما تقدم في سورة الأنفال.
المعاهدة الموقوتة تنتهي بانتهاء مدتها بنص قوله تعالى: {فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم} [التوبة: 4]، وقوله: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} [التوبة: 7].
إن القبائل والشعوب التي ليس لها دين ولا شرع يحرم عليها نقض العهود وجرب عليها نكثها للأيمان لا يجب التزام معاهداتها السابقة، ولا تجديد ما انتهت مدته منها، كما تراه مفصلا في الآيات الثلاث عشرة الأولى من السورة، ودول الإفرنج تعمل بهذه القاعدة فلا تعقد المعاهدات إلا مع الدول المنظمة التي تلتزم الشرائع والقوانين الدولية.
الهدنة بين المحاربين مشروعة، وللمسلمين أن يبدؤوا بها إذا اقتضت ذلك المصلحة، ومنها الرحمة بالمشركين فيها لا يضر المؤمنين، وهو نص قوله تعالى في الآية الأولى {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر}.
تأمين الحربي بالإذن له بدخول دار الإسلام جائز للمصلحة، فإذا استأمن لأجل سماع كلام الله أو الوقوف على حقيقة الإسلام وجبت إجارته ثم إبلاغه مأمنه عند الخروج من دار الإسلام، وهو في الآية السادسة.
انتهاء قتال مشركي العرب منوط بالدخول في الإسلام، ومفتاحه التوبة من الشرك، والتزام أحكام الإسلام وأهمها ركنا الصلاة والزكاة.
انتهاء قتال أهل الكتاب ومن في معناهم يناط بالإسلام أو بإعطاء الجزية مع الخضوع لأحكام شرعنا، كما ترى في آية الجزية 29، وفي تفسيرها بيان حكم سائر الملل.
النفير العام الذي يكون به الجهاد فرضا على الأعيان في الآية 41، وترى في تفسيرها ما تكون به فرضيته، وما يكون به فرض كفاية.
امتناع نفر المؤمنين كلهم للجهاد في غير حال النفير العام في الآية 116.
العجز عن القتال أو عن الخروج إليه عذر في التخلف عنه، وتجد بيان أنواعه الشخصية والمالية في الآيات الثلاث 91 93، وهي تختلف باختلاف أحوال الزمان والمكان والاستعداد للقتال.
الباب الخامس في شؤون الكفار والمنافقين وحكم الإسلام عليهم وسياسته فيهم وفيه فصول الفصل الأول في ذم القرآن للكفار والمنافقين ونزاهته فيه عن السب والشتم تنبيه وتمهيد الذم الوصف بالقبيح، والسب والشتم ما يقصد به التعيير والتشفي من الذم سواء كان معناه صحيحا واقعا أو إفكا مفترى، والقرآن منزه عن ذلك، قال تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} [الأنفال: 108]، فنهى عن سب آلهة الكفار ومعبوداتهم ومنها الأصنام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان"، رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد من حديث عياض بن حمار بسند صحيح. فما في القرآن من ذم الكفار والمنافقين بيان لحقيقة حالهم وقبح أعمالهم، وما يعقبها من الفساد والضرر بهم وسخط الله تعالى عليهم، واستحقاقهم لعقابه، وبعدهم من رحمته وثوابه، بقصد الإنذار والوعظ، لأجل التنفير والزجر، ولذلك تراها موجهة إليهم بوصفهم أو إلى وصفهم العام: المشركين، الكافرين، المنافقين، الفاسقين، الظالمين، المجرمين، المفسدين. أو الخاص بطائفة منهم كبعض الأحبار والرهبان -لا كلهم- دون الأشخاص المعينين بأسمائهم وألقابهم، مهما يكن من شدة كفرهم وإيذائهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كعبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين الذي كان شرهم وأجرأهم على الضرر، فقد كان ضرره في المدينة أشد من ضرر أئمة الكفر والشرك في مكة (كأبي جهل).
ومن اطلع على شيء من هجاء العرب وسبابهم البذيء وقذعهم الفاحش أدرك نزاهة القرآن، وعلوه عن مثل بذاءتهم في الكلام.
ويستثني من هذه القضية الكلية في ذم الشخص المعين من أعداء الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم ما نزل في ذم أبي لهب وامرأته في سورة وجيزة لما بيناه من حكمة ذلك في قصة إبراهيم مع أبيه آزر، والاستطراد إلى آباء الأنبياء وأولي قرباهم، وما صح في الأحاديث في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم وعميه أبي طالب وأبي لهب، لإثبات قاعدة عظيمة في الفرق بين دين الله تعالى على ألسنة أنبيائه ورسله والأديان الوثنية، وهي أن دين الله تعالى مبني على أن مدار السعادة والنجاة من عذاب الآخرة والفوز بنعيمها إنما هو الإيمان الصحيح والأعمال الصالحة التي تتزكى بها الأنفس، وتكون بصفاتها العالية أهلا لجوار الله تعالى ومرضاته. وأن الأديان الوثنية مبنية على أن السعادة والنجاة والفوز إنما تكون بوساطة بعض المخلوقات التي توصف بالولاية والقداسة أو النبوة، ويدعي لها التأثير في النفع والضر بأنفسها، أو بالشفاعة عند الله تعالى، وكونها تحابي بشفاعتها ووساطتها أولي القرابة منها، والمتقربين إليها بالمدح لها، والاستغاثة بها، ودعائها من دون الله أو مع الله عز وجل. وقد كان أبو لهب أغنى بني هاشم، ومن أكثر المشركين غرورا بماله وثروته ونشبه ونسبه، وكان بهذا الغرور أول من جاهر بعداوة ابن أخيه محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه محتقرا له؛ لأنه هو وأبوه الذي لم يدركه وعمه الذي كفله بعد جده أفقر بني هاشم، وقال له حين جمع عشيرته وبلغهم دعوة ربه امتثالا لأمره {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214]: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ وكان يقول لقريش: خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب عليه، وكان أشد المشركين صدا للناس عنه وتكذيبا له كلما دعا أحدا منهم إلى الإسلام، وكان كلامه مقبولا عندهم أكثر من كلام سائر الرؤساء الذين جاهروا بعداوته كأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأبي سفيان بن حرب لقرابته، وكذلك امرأته أم جميل أخت أبي سفيان مسرفة في عداوته وذمه والصد عن دعوته بالنميمة ونقل الأخبار الكاذبة عنه لتبغيضه للناس، وهو المراد من كنيتها "حمالة الحطب" كما هو معروف عند العرب. وروي أنها كانت تجمع الحطب الشائك وتلقيه في طريقه بالفعل، ومع هذا كله لم تكن السورة التي نزلت فيه الادعاء عليه بالتباب -وهو الخسار المفضي إلى الهلاك- أو إخبارا به، وبكونه لا يغني عنه ماله الكثير وما كسبه من الجاه والولد شيئا، في مقابلة قوله للرسول صلى الله عليه وسلم تبا لك سائر اليوم، فهو إخبار بعاقبة أمرهما وموتهما على كفرهما، وخسرانهما سعادة الدنيا والآخرة، وقد صدق خبر الله ووعيده له، فهو قد مات بعد وقعة بدر -التي ساعد عليها بماله- آسفا لعجزه عن الخروج إليها بنفسه، فذاق وبال أمره بخذلان أقرانه من صناديد قريش ورؤوس الشرك، وخسران ماله الذي أنفقه فيها، مصداقا لقوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36]، ورأى بمصداقها مبادئ عز الإسلام ونصره. مات بعدها بأيام قليلة بالعدسة شر ميتة، وترك ميتا حتى أنتن، ثم استؤجر بعض السودان حتى دفنوه. وكان فجع بعد نزول السورة بولده عتبة الذي كان يعتز به، افترسه أسد في طريق الشام، ولو أسلم كما أسلم أخوه وثانيه في جمع المال العباس رضي الله عنه لرأى مثل ما رأى هو وذريته من عز الإسلام، وصدق ابن أخيه عليه أفضل الصلاة والسلام، في وعده لهم بأن كلمة "لا إله إلا الله" تجمع عليهم العرب، وتدين لهم بها العجم. ذكرت هذا التنبيه الطويل لبيان غلط بعض العلماء في قولهما: إن القرآن اشتمل على سبهم وسب آلهتهم، وتفنيدا لما يهذي به بعض ملاحدة الكتاب في المقارنة بين أدبه والأدب الجاهلي، وما روي من قول رؤوس المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم لقد سببت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة، فذكر السب والشتم فيه مبالغة في الإنكار، على أنه مرسل ضعيف السند، وفيه رجل مبهم.
وهاك ما وصف الله تعالى به أعداءه وأعداء رسوله والمؤمنين من هؤلاء المنافقين والكافرين في هذه السورة وهو أشده. شواهد ذم القرآن النزيه للكفار والمنافقين:
- 4: وصف المشركين في الآيات (8 و 9 و 10) بأنهم لا يرقبون ولا يراعون في أحد من المؤمنين إلاّ ولا ذمة، حتى قطعوا أرحامهم بهم، خلافا لعادتهم في عصبية النسب، وأنهم يصدون عن سبيل الله، وأن أكثرهم فاسقون، وأنهم هم المعتدون. 5: قوله تعالى في منعهم عن عمارة المسجد الحرام وغيره ومن التعبد فيه {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْر أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة: 17].
قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] وكانت نجاستهم معنوية وهي الشرك وخرافاته، وحسية إذ كانوا يأكلون الميتة ولا يدينون بالطهارة من النجاسة ولا الحيض والجنابة. 7- 10 وصف كفار أهل الكتاب في الآية 30 بأنهم باتخاذ ابن لله سبحانه يضاهئون قول الذين كفروا من قبلهم كوثني قدماء الهند والمصريين، وقوله: {قاتلهم الله أنى يؤفكون}، ووصفهم في الآية 31 بأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وفي الآية 32 بأنهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم -أي بكلامهم الباطل في الصد عن الإسلام -وفي الآية 34 بأن كثيرا من أحبارهم ورهبانهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله. وكل هذه الصفات ظاهرة معروفة في تاريخهم الماضي وسيرتهم في هذا الزمان، ومن دقائق الصدق في القرآن الحكم في مثل هذا على الكثير منهم دون الجميع، كما قال في المشركين {وأكثرهم فاسقون}، ولم يعهد مثل هذا التحري في كلام البشر، وأما وصفه لشرور المنافقين وذمهم فيها فنلخصه فيما يأتي تابعا في العدد لما قبله.
ذكر في استئذان المنافقين، واعتذارهم عن الخروج إلى غزوة تبوك، وبيان ما يكون شأنهم لو خرجوا من ابتغاء الفتنة، والإفساد بين المؤمنين بالتثبيط وغيره، ولم يزد فيها على قوله فيهم {والله عليم بالظالمين} وقوله: {إن جهنم لمحيطة بالكافرين} (راجع الآيات 42 49).
و 13 تعليل عدم قبول نفقاتهم في الآية 53 بفسقهم، وقوله بعده {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} .
و 15 وصفهم -بعد إثبات استهزائهم فيما بينهم بالله وآياته ورسله واعتذارهم عنه بقولهم: {إنما كنا نخوض ونلعب}- بأنهم كفروا بعد إيمانهم، وأنهم كانوا مجرمين، ثم قال بعد ذكر صفاتهم العامة من الآية 67 {نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي الخارجون من محيط هداية الدين وسلامه الفطرة.
قوله في لمزهم وعيبهم للمتطوعين من المؤمنين في الصدقات وسخريتهم منهم في الآية 79 {سخر الله منهم ولهم عذاب أليم}، وهذا التعبير يسمى بالمشاكلة، أي عاقبهم بمثل جرمهم، فجعلهم سخرية للمؤمنين بما فضح به نفاقهم الذي كانوا يخفونه.
قوله في تعليل عدم غفران الله لهم {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة:80]، {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84]، وقد نزل هذا في زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول ولكن جعل حكم النهي عاما.
و 19 أشد ما وصفهم به في الآية 95 أنهم رجس، وأنه كلما نزلت سورة من القرآن زادتهم رجسا إلى رجسهم، حتى ماتوا على كفرهم كما في الآية 25، وأنهم عند نزوله ينصرفون من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم عند غفلة المؤمنين عنهم، ثم قال: {صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون}، أي صرف الله قلوبهم عن الاهتداء بها بسبب أنهم لا يفقهون ما فيها من البينات والهدى بمقتضى سنته في ارتباط الأسباب بمسبباتها، وهذا آخر ما ذكروا به في هذه السورة من الآية 127.
فأنت ترى أن كل ما وصفوا به بيان لحقيقة حالهم بأنزه تعبير يدل عليه، مقرونا بتلك الأعمال القبيحة والأخلاق السافلة والسرائر التي هي شر منها، وأن المراد بوصفهم التنفير منه، لإعداد من فيه استعداد لقبول الحق بالرجوع إليه، وقد تاب أكثرهم ولله الحمد.
الفصل الثاني: في المنافقين وصفاتهم وأعمالهم وسياسة الإسلام فيهم:
النفاق خلق رديء ووصف خبيث تتلوث به الأنفس الدنيئة الفاسدة الفطرة، فلا يرى أهلها وسيلة إلى مطامعهم في المال ومطامحهم إلى الجاه إلا الكذب والرياء، ولقاء الناس بالوجوه المختلفة، والتصنع والخداع ولين القول، كما قال تعالى فيهم {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: 4]، وهم يوجدون في كل شعب وكل قبيلة، لا تخلوا منهم بادية ولا حاضرة. والنفاق قسمان: خاص وعام، فالخاص هو الشخصي الذي يحاول صاحبه لقاء كل أحد بما يرضيه عنه ويجيبه إليه، ولاسيما الحكام وأصحاب الجاه والمناصب والثراء الذين يرجى الانتفاع منهم أو يخشى ضرهم، فهو يلبس للصالحين منهم لباس التقوى والصلاح، ويخلع للفساق جلباب الحياء، ويفرغ على المستكبرين حلل الإطراء، وهو أهون المنافقين. وأما النفاق العام فهو ما يكون في الدين والدولة، وخيانة الأمة والملة، وما وجد النفاق في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بعد الهجرة، لما صار للإسلام قوة ودولة، إذ أسلم أكثر الأنصار بظهور نور هذا الدين القويم لهم، ولم يكن لهم مصلحة دنيوية تحجب هذا النور عن بصائرهم، أو تحملهم على مكابرة الحق وجحوده، ككبراء قريش المغرورين بثروتهم الواسعة، وجاههم في العرب بسدانة البيت الحرام، واستكبارهم على سائر الناس، وإسرافهم في التمتع بالسكر والزنا وأكل الربا والشهوات، فكانوا يرون أن الإسلام يساوي بينهم وبين سائر الناس في جميع الحقوق، ويفضل الفقير المتقي لله تعالى على الغني المسرف في الفسوق، ويقتص للسوقة من الأمراء والملوك، ويحقر المتكبرين، ويكرم المتواضعين، ويزدري الظالمين والفاسقين، فيسلبهم بهذا جميع ما يمتازون به على دهماء الناس. ولهذا كان أكثر من اهتدى به في مكة الفقراء وبعض أصحاب الفطرة السليمة والعقول الحرة من الطبقة الوسطى، وكان أعلاهم فطرة وأزكاهم نفسا أبو بكر الصديق وسائر العشرة الكرام المبشرين بالجنة. آمن بعض الأوس والخزرج أولا بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم في موسم الحج، ودعوا قومهم إلى الإسلام بعد عودتهم إلى المدينة، فصادفت دعوتهم رواجا لقوة المقتضى، وهو التوحيد وفضائل الإسلام، فلما كثروا هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، إذ عاهده نقباؤهم في منى على نصره ومنعه، "أي حماية والذب عنه" مما يمنعون أنفسهم وأهليهم، ومن المعقول أن يكون نور الإسلام لم يظهر لكل فرد منهم على سواء، وأن يكون منهم من اضطر إلى الدخول فيما دخل فيه قومهم مواتاة لهم، مع عدم وجود نظام لديانتهم الوثنية يرتبط به بعضهم ببعض فيقيمونه ويذبون عنه، فكان منافقو المدينة من هؤلاء وممن حولهم من قبائل الأعراب الذين لم يعقلوا الإسلام كأسد وغطفان. وكان هنالك يهود كثيرون يقيم أكثرهم في حصون لهم بالقرب من المدينة كبني قريظة وبني النضير، وقد عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم على حريتهم في دينهم وأنفسهم وأموالهم، ولكنهم كانوا ينقضون عهده، ويظاهرون عليه المشركين كلما جاؤوا لقتاله، بل كانوا يغرونهم ويحرضونهم عليه، فكانوا في إظهار الوفاء بعهده منافقين، وكان لهم أحلاف من عرب المدينة، فحافظ على مودتهم منافقوها بالسر، كما بينا ذلك كله في محله. فكانت سياسة الإسلام في الفريقين أن من أظهر الإسلام يعامل كما يعامل سائر المسلمين، لأن قاعدة الإسلام أن الحكم على الظواهر، وأن الله تعالى وحده هو الذي يحاسب ويعاقب على السرائر، وأن من حافظ على الوفاء بعهده من أهل الكتاب يوفى له، وكان اليهود ينقضون عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم سرا، فإذا ظهر شيء من خيانتهم وغدرهم اعتذروا عنه، حتى إذا ما افتضح أمرهم حاربهم صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عن البلاد، كما ترى في تفسير الآيات 55 58 من سورة الأنفال (ج 10). وقد قص الله علينا في سورة الحشر ما كان بين اليهود والمنافقين من الإخاء والولاء، وأنه لا خير فيه لأحد منهما، على أن اليهود ظاهروا المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن المنافقين لم يفوا لليهود بما وعدوهم به من نصرهم إذا هم أظهروا عداوتهم؛ لأن المنافق القح دون المتدين الكافر همة وشرفا وخلقا. قال تعالى: {أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ} [الحشر: 11، 12]. كان سبب معاهدة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود وإقراره إياهم على دينهم أن الإسلام دين حرية وعدل، ودعوته قائمة على البرهان والحجة، ولذلك منع المسلمين من أخذ أولادهم الذين تهودوا وانضموا إلى اليهود بالقوة، وأمرهم بأن يخيروهم إذ نزل فيهم قوله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} [البقرة: 256]. وقد تقدم أن سبب معاملة المنافقين بظاهر إسلامهم هو أن أمر السرائر لله وحده، فهو الذي يعلمها، وهو الذي يجازي عليها، ولا يباح لحاكم ولا لنبي أن يحكم على إنسان بأنه يسر الكفر في نفسه، ولا أن يتهمه بذلك، ويعاقبه عليه. ولا يثبت الكفر على من ظاهره الإسلام إلا بإقرار صريح منه، أو صدور قول أو فعل يدل عليه دلالة قطعية لا تحتمل التأويل، كتكذيب القرآن، أو النبي صلى الله عليه وسلم، أو جحود كونه خاتم النبيين لا نبي بعده، والشرك بالله بدعاء غيره، وغير ذلك مما هو مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة لا يقبل فيه تأويل، كجحود فرضية الصلاة والزكاة والصيام والحج، أو استحلال الزنا والربا وشرب الخمر. وأما حكمة ذلك وفائدته فهي أن من يلتزم شعائر الإسلام وأحكامه -ولو بغير إيمان يقيني- فإنه يرجى له بطول العمل أن ينشرح صدره للإيمان ويطمئن به قلبه، ويوقن به عقله، وإلا كانت استفادته وإفادته للأمة دنيوية فقط. فإن قيل: إن مقتضى حرية الدين التي امتاز بها الإسلام في معاملة أهل الكتاب -إذ أقرهم على العمل بدينهم حتى فيما بين لهم أنهم خالفوا فيه ما جاء به رسلهم- أن يسمح للمنافقين بأن يظهروا كفرهم، قلنا: إن الجمع بين إظهار كفرهم وحسبانهم من المسلمين لهم ما لهم من الحقوق، وليس عليهم ما عليهم من الواجبات، تناقض لا يقول به عاقل، ولا يحكم به عادل، ومثلهم فيه كمثل من يسمح له بحقوق الجنسية السياسية الوطنية ولا يطالب بالخضوع لقوانينها، ولا يعاقب على انتهاكها ومخالفة أحكامها، وإنما تكون حرية الدين المعقولة لأهله في دائره محيطه، بأن لا يحاسب أحدهم أحد على عقيدته ووجدانه فيه، ولا اجتهاده في فهمه، إلا من طريق البحث العلمي، وليس منها أن يخالف أصوله القطعية التي لا يكون المسلم مسلما بدونها ويعد مع ذلك مسلما، وإذا ليس لأحد أن يطالب حكومته المتدينة بالسماح له بالخروج على دينها، كما لا يصح له أن يطالبها بالسماح له بالخروج على قوانينها، فتكون حريته هنا متعارضة مع حريتها هي وحرية أمتها. فإن قيل: إن القرآن قد فضح بعض المنافقين في هذه السورة وحكم بكفرهم، ولم ينفذ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أحكام المرتدين عن الإسلام، بل بقي يعاملهم هو وأصحابه معاملة المسلمين، قلنا: إن ما بينه الله تعالى من حال المنافقين إنما كان وصفا لأناس غير معينين بأشخاصهم، إنذارا وزجرا لهم ليعرفوا حقيقة حالهم، ويخشوا سوء مآلهم، عسى أن يتوب المستعدون للتوبة منهم، وقد تاب الكثيرون منهم، بما ظهر لهم من إخبار القرآن عنهم بما لا يعلمه إلا الله تعالى من أمرهم. وكان الذين عرف النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أشخاصهم قليلين جدا، كالذين هموا باغتياله صلى الله عليه وسلم بتشريد راحلته في عقبة في الطريق منصرفهم من تبوك ليطرحوه منها، وقال بعضهم لبعض: لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير. وفيهم نزل {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} [التوبة: 74]، ولما استأمره أصحابه بقتلهم قال: "أكره أن يتحدث الناس ويقولوا: إن محمدا قد وضع يده في أصحابه"، أي في رقابهم بقتلهم، وهذا أكبر منفر عن الإيمان، فإن كثيرا من الناس كان يستحسن هذا الدين ويفضله على ما كانوا عليه من الشرك في أحكامه وآدابه لذاتها، قبل أن تقوم عندهم الحجة على اليقين بكونه وحيا من الله تعالى، فيدخلون فيه، ثم بعد زمن قليل أو كثير من معرفته التفضيلية تطمئن قلوبهم بالإيمان اليقيني، ومنهم من كان يدخل فيه تبعا لأكثر قومه من غير نظر إلى تفضيله لقلة علمه بدعوته، وكل هؤلاء يقبل إسلامهم ويعتد به شرعا، وفيهم نزل قوله تعالى من سورة الحجرات: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} [الحجرات: 14]، ولو سمع أمثال هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل بعض من اتبعه وصحبه لظهور شيء يدل على عدم إيمانهم في الباطن، أو لإعلام الله تعالى إياه بما في قلوبهم، لنفروا من الإسلام وخافوا عاقبة الدخول فيه. وثم مفسدة أخرى في هذه الإشاعة وهي أن المنافقين والكفار يذيعون فيها ما شاؤوا من التهم الباطلة والإفك المفترى، كزعمهم أنه إنما قتل من ظهر لهم منه ما دلهم على بطلان دينه بعد أن صدقوه وجاهدوا معه. على أن الله تعالى قال فيهم بعد وصفهم بالكفر بالقول وبالهمّ بشر نتائجه من الفعل: {فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [التوبة:ٍ74] الآية، فليراجع تفسير الآية وما قبلها من الأمر بجهاد الكفار والمنافقين في (ج 10). ويلي هذا في السورة خبر الذي عاهد الله لئن أتاه من فضله ليصدقن (في الآيات 74 77)، وما رووا في سبب نزولها خاصة، وأنه شخص يقال له ثعلبة، وأنه بعد أن نزلت فيه الآيات تاب وأراد أن يؤدي زكاة ماله فلم يقبلها منه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لم يقبلها منه أبو بكر الصديق ولا عمر ولا عثمان من بعده، وأنه هلك في خلافة عثمان. وقد بينا في تفسيرها أن في حديث سبب نزولها إشكالات في سنده وفي متنه، فإنه مخالف لأصل الشريعة القطعي المجمع عليه من العمل بالظاهر، فهو باطل قطعا بما فصلوه به تفصيلا. ويقرب منه في المعنى ما روي في الصحاح من نزول قوله تعالى: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] وأنه في عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين الأكبر، وقد بينا في تفسيرها ما في الحديث من التعارض مع القرآن فراجعه. ومن المشكل في هذا الباب قصة مسجد الضرار في الآيات (107 110)، فقد بين الله تعالى فيها أنهم اتخذوه لأربعة أغراض منها الكفر، وسائرها أقبح مقاصد أعداء الله ورسوله والمؤمنين. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمه فهدم ولم يأمر بقتلهم، وقد شهد الله بكذبهم فيما حلفوا عليه من حسن نيتهم. وسبب ذلك أن الذين بنوه للمقاصد الأربعة المذكورة في الآيات كانوا -كما قال المفسرون- اثني عشر رجلا من منافقي الأوس والخزرج أتباع أبي عامر الراهب الذي وعدهم بأن يتوسل بنصرانيته إلى قيصر الروم في الشام فيرسل معه جندا يكفيهم أمر الرسول ومن اتبعه من المؤمنين، ولكن صدّقهم في ظاهر عملهم وما زعموه من حسن النية فيه كثيرٌ من المؤمنين وشاركوهم وصلوا معهم فيه، وكان التمييز بينهم متعذرا، فصح أن يأتي في الفريقين قوله تعالى في المسلمين المتسخفين من المشركين في مكة عام الحديبية {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} [الفتح: 25]. والسبب الخاص لعدم عقاب أصحاب مسجد الضرار على الكفر الذي أثبته النص الصريح أمران:
أحدهما: أن الآيات في قصتهم قد بدئت بما يحتمل أن يكون ذكرهم فيها معطوفا على الذين أرجأ الله البت في أمرهم، وجعل التوبة عليهم مرجوة، وهو قوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 106].
والثاني: ختم قصتهم بقوله تعالى: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:110] فيظهر في معنى تقطع قلوبهم احتمال هو أحد الأقوال في تفسيره، وهو تقطعها من الأسف والحزن على ما فرط منهم، ووقوع هذا الاستثناء محتمل، وإذا يكون أقوى الأدلة على توبتهم وأصدقها، ويكفي الاحتمال لمنع الحكم عليهم بالكفر.
وجملة القول في هذا الباب: إن سياسة الإسلام في المنافقين أن يعاملوا بحسب ظواهرهم وما يبدو من أعمالهم، وأن للإمام الأعظم أو عليه ومثله نوابه من أولياء الأمور أن يعرّض في الخطب العامة والتصريحات الرسمية بتقبيح ما يعلم من سوء أعمالهم والإنذار بسوء عواقبها ليعدهم للتوبة منها، أو الحذر من إظهار ما يضمرونه من الشر الذي يترتب عليه العقاب، وتتضمن هذا السياسة الأصول الآتية:
الأصول الثلاثة في حرية الدين، ومعاملة المنافقين:
إن حرية الاعتقاد والوجدان مرعية لا سيطرة عليها للرؤساء الحاكمين، ولا للمعلمين والمرشدين، وإنما لهؤلاء حق في التربية والتعليم، فليس لأحد أن يتهم إنسانا بإضمار الكفر، ولا بنية الخيانة لملته أو دولته، ولا بإرادة السوء لقومه وأمته، ولا أن يعاقبه على ذلك بعقاب بدني ولا مالي، ولا بحرمانه من الحقوق التي يتمتع بها غيره من أفراد الأمة.
إنه ليس لمن يضمر الكفر بالله أو بما جاءت به رسله أن يكون فتنة للناس بإظهار ذلك لهم ودعوتهم إليه، أو الطعن في عقائدهم، أو إظهار ما ينافيها من قول أو عمل، وإن لم يكن دعوة ولا طعنا، فإن فعل ذلك وكان يدعي الإسلام يحكم بارتداده وخروجه من الملة، إن كان ما أظهره من الكفر صريحا قطعيا مجمعا عليه لا يحتمل التأويل، ويترتب عليه ما هو مقرر في الشرع من استتابته وعقابه إن لم يثب، (ومنه منع التوارث بينه وبين المسلمين، وفسخ نكاحه بالمسلمات، وعدم تشييع جنازته والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين)؛ لأن حرية كل واحد في اعتقاده تقف عند حد حرية غيره، ولاسيما احترام عقائد الملة التي يعيش في ظل شريعتها، وسائر شعائرها وعبادتها. وليعلم القارئ أن كثيرا من الفقهاء قد أسرفوا في أبواب الردة في المسائل التي يحكم فيها بالكفر المخرج من الملة، وبنوا كثيرا منه على اللوازم البعيدة، والمحتملة للتأويلات القريبة، وما ورد في صفات المنافقين في هذه السورة حجة عليهم، وإن قال بعض العلماء المتقدمين: إن ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم نفاقا لا ينافي ظاهر الإسلام هو الآن كفر محض لا تقبل معه دعوى الإيمان، فهذا قول باطل، فكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما الحجة في الدين، والاهتداء بهما هو الواجب إلى يوم الدين، فيجب قبول قول كل من أظهر الإسلام ولم يصرح بما ينافيه بما لا يحتمل التأويل، ومما يحتمل التأويل احتمالا ظاهرا جميع المباحث العلمية المخالفة لظواهر النصوص كما هو مقرر في الأصول.
إن من ظهر منه شيء من أمارات النفاق العملي في الدين، أو الخيانة للأمة والملة بما هو غير صحيح، مما لا يعاقب عليه في الشرع بحد ولا تعزير، فلولي الأمر أن يعظه بالتعريض، ثم بالتصريح والتكشيف، وله أن يعاقبه بما يرجى أن يزعه عن غيه من التأديب، كالحرمان من مظاهر التشريف، أو الازورار والتقطيب، أو التأنيب والتعنيف، كما بيناه في تفسير {جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم} [التوبة: 73]، ومنه حرمان النبي صلى الله عليه وسلم للذين تخلفوا عن غزوة تبوك من الخروج معه إلى غزوة أخرى يقول الله تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً} [التوبة: 83] الآية، ولكن الملوك المستبدين يقربون إليهم المنافقين فيزيدونهم فسادا، ويُجرِّؤون غيرهم؛ بل يرغبونه في النفاق وخيانة الأمة جهارا، حتى إن المناصب الدينية المحضة صارت تنال بالنفاق، ويذاد عنها أهل الصدق والإخلاص، وإلى الله المشتكي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. انتهى بيان ما فتح الله به علينا من خلاصة هذه السورة...