29 – { ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد } .
لا يقع عندي تغيير ولا تبديل لما أنزلته في كتبي ، وما أوحيت به على ألسنة رسلي ، بأني أعددت الجنة لمن أطاعني ، والنار لمن عصاني ، ولا أعذب أحدا ظلما بغير ذنب اقترفه ، بل كل إنسان يحصد جزاء ما قدم ، ويجني عاقبة عمله ، كما قال سبحانه : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .
{ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ } أي : لا يمكن أن يخلف ما قاله الله وأخبر به ، لأنه لا أصدق من الله قيلاً ، ولا أصدق حديثًا .
{ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } بل أجزيهم بما عملوا من خير وشر ، فلا يزاد{[834]} في سيئاتهم ، ولا ينقص من حسناتهم .
قوله تعالى : { ما يبدل القول لدي } لا تبديل لقولي ، وهو قوله : { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين }( السجدة-13 ) ، وقال قوم : معنى ( ما يبدل القول لدي ) أي : لا يكذب القول عندي ، ولا يغير القول عن وجهه لأني أعلم الغيب . وهذا قول الكلبي ، واختيار الفراء ، لأنه قال : ما يبدل لدي ولم يقل ما يبدل القول لي . { وما أنا بظلام للعبيد } فأعاقبهم بغير جرم .
" ما يبدل القول لدي " قيل هو قوله : " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها{[14173]} " [ الأنعام : 160 ] وقيل هو قوله : " لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين{[14174]} " [ السجدة : 13 ] . وقال الفراء : ما يكذب عندي أي ما يزاد في القول ولا ينقص لعلمي بالغيب . " وما أنا بظلام للعبيد " أي ما أنا بمعذب من لم يجرم ، قاله ابن عباس . وقد مضى القول في معناه في " الحج{[14175]} " وغيرها .
ولما كانت الأوقات كلها عنده سبحانه حاضرة ، عبر سبحانه في تعليل ذلك ب " ما " التي للحاضر دون " لا " التي للمستقبل فقال : { ما يبدل } أي يغير من مغير ما كان من-{[61215]} كان بوجه من الوجوه بحيث يجعل له بدل فيكون فيه خلف { القول لدي } أي الواصل إليكم من حضرتي التي لا يحاط بأمر{[61216]} غرابتها بأن من أشرك بي لا أغفر له وأغفر ما دون ذلك لمن أشاء ، والعفو عن بعض المذنبين ليس تبديلاً لأن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد ، وأنه مشروط بشرائط { وما أنا } وأكد النفي فقال : { بظلام } أي بذي ظلم { للعبيد * } لا القرين ولا من أطغاه ولا غيرهم ، فأعذب من لا يستحق أو{[61217]} أعفو عمن قلت : إني لا أغفر له وأمرت جندي فعادوه فيّ ، ولو عفوت عنه كنت مع تبديل القول قد سؤتهم بإكرام من عادوه فيّ ليس إلا .
قوله : { ما يبدل القول لدي } أي لا تبديل لقولي { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } .
قوله : { وما أنا بظلام للعبيد } أي لا أعذب أحدا بغير ذنب ، أو لا أعذب أحدا بجرم غيره بل بما اكتسب من الإثم{[4321]} .
ثم يتوعد الله الظالمين بعذاب جهنم . وهي نار الله الحامية المتسعرة التي تزداد على مر الزمان لهيبا واضطراما ، والتي لا تفتأ تلح في الطلب أن يلقى فيها وقودها من البشر فتقول { هل من مزيد } ثم يبشر الله المؤمنين المتقين بالجنة ليخلدوا فيها آمنين منعمين مطمئنين . وذلك كله في الآيات التالية وهي :