والحق لا يمكن أن يدور مع الهوى ؛ وبالحق تقوم السماوات والأرض ، وبالحق يستقيم الناموس ، وتجري السنن في هذا الكون وما فيه ومن فيه :
( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) . .
فالحق واحد ثابت ، والأهواء كثيرة متقلبة . وبالحق الواحد يدبر الكون كله ، فلا ينحرف ناموسه لهوى عارض ، ولا تتخلف سنته لرغبة طارئة . ولو خضع الكون للأهواء العارضة ، والرغبات الطارئة لفسد كله ، ولفسد الناس معه ، ولفسدت القيم والأوضاع ، واختلت الموازين والمقاييس ؛ وتأرجحت كلها بين الغضب والرضى ، والكره والبغض ، والرغبة والرهبة ، والنشاط والخمول . . وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد والانفعالات والتأثرات . . وبناء الكون المادي واتجاهه إلى غايته كلاهما في حاجة إلى الثبات والاستقرار والاطراد ، على قاعدة ثابتة ، ونهج مرسوم ، لا يتخلف ولا يتأرجح ولا يحيد .
ومن هذه القاعدة الكبرى في بناء الكون وتدبيره ، جعل الإسلام التشريع للحياة البشرية جزءا من الناموس الكوني ، تتولاه اليد التي تدبر الكون كله وتنسق أجزاءه جميعا . والبشر جزء من هذا الكون خاضع لناموسه الكبير ؛ فأولى أن يشرع لهذا الجزء من يشرع للكون كله ، ويدبره في تناسق عجيب . بذلك لا يخضع نظام البشر للأهواء فيفسد ويختل : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن )إنما يخضع للحق الكلي ، ولتدبير صاحب التدبير .
وهذه الأمة التي جاء لها الإسلام كانت أولى الأمم باتباع الحق الذي يتمثل فيه . ففوق أنه الحق هو كذلك مجد لها وذكر . وما كان لها من ذكر لولاه في العالمين :
( بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ) . .
وقد ظلت أمة العرب لا ذكر لها في تاريخ العالم حتى جاءها الإسلام . وقد ظل ذكرها يدوي في آذان القرون طالما كانت به مستمسكة . وقد تضاءل ذكرها عندما تخلت عنه ، فلم تعد في العير ولا في النفير . ولن يقوم لها ذكر إلا يوم أن تفيء إلى عنوانها الكبير . . . !
71 - وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ . . .
الذكر : القرآن الذي هو فخرهم .
لقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن وهو وحي السماء ، معلنا توحيد الله نابذا للشرك ، داعيا إلى مكارم الأخلاق محذرا من الفحشاء والمنكر ، لقد كان القرآن حربا على الشرك والوثنية ، والبغي والعدوان ، ورسم الطريق القويم ، ودعا إلى مكارم الأخلاق ، وحذر من الجنوح والرذيلة ، والزنا والربا وأكل مال اليتيم ، والبغي والعدوان .
إن القرآن حق ، والحق لا يتبع الهوى ، بل الواجب على الإنسان ترك الهوى واتباع الحق ، فإن اتباع الهوى يؤدي إلى استباحة الأموال والأعراض ، والشرك بالله . . . ولو اتبع القرآن أهواء الناس فأباح الشرك بالله ، والزنا والربا ، وأقر السلب والنهب والسرقة ، وأهمل القيم الخلقية ، لاختل نظام العالم ، ووقع التناقض وانتشرت الفوضى والفساد ، واختلطت الأنساب وتهدمت الأسر .
وقال القرطبي : إن الحق هنا هو الله سبحانه وتعالى ، وتقديره في العربية : ولو اتبع صاحب الحق أهواءهم .
وقيل : المعنى : ولو كان الحق ما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله تعالى ، لتنافست الآلهة وأراد بعضهم ما لا يريده بعض ، فاضطرب التدبير وفسدت السماوات والأرض ، وإذا فسدتا فسد من فيهما .
إشارة إلى من يعقل من ملائكة السماوات وإنس الأرض وجنها ، وأما ما لا يعقل فهو تابع لما يعقلxxii .
ثم شنع القرآن عليهم ، لإعراضهم عن معالم الحق والخير والهدى فقال :
بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ .
لقد جاء القرآن عظة وهداية ، ومجدا وشرفا لهم ، وكان الأولى أن يهتدوا به ويلتفوا حوله . قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ . ( الزخرف : 44 ) . أي : القرآن شرف لك يا محمد ولقومك ؛ لأنه وحد العرب وجمعهم وعلمهم وطهرهم ، ولم يكن للعرب في الجاهلية كبير شأن ، فكانوا بالإسلام خير أمة أخرجت للناس ، وكان القرآن روحا وحياة لأمة العرب ، ولما دخلوا في الإسلام زلزلوا عروش الأكاسرة والقياصرة ، وفتح الله بهم البلاد ونصرهم على العباد ، وكلما اقترب المسلمون من القرآن ، وعملوا بأحكام الإسلام ؛ ارتفع شأنهم وعلا أمرهم ، وكلما بعدوا عن هدى القرآن ؛ ضعف شأنهم .
بل جئناهم بالقرآن الذي هو عزهم وشرفهم ، وفخرهم وإعلاء سمعتهم ، ولكنهم معرضون عن هذا الذكر الذي سطر لهم الخلود والمجد .
أتيناهم بذكرهم : بالقرآن الذين هو فخرهم .
فهم عن ذكرهم معرضون : فهم معرضون عن فخرجهم .
ثم بين الله أن اتّباع الهوى يؤدي الى الفساد الكبير فقال :
{ وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ }
ولو أن الله تعالى سايَرَ هؤلاءِ فيما يشتهونه ويقترحونه ، لفسَدَ هذا النظامُ العظيم الذي نراه في السموات والأرض ، واختلّ نظام الكون ، وساد الظلمُ والفساد في الخلائق ، ولكنّ الله ذو حكمةٍ عالية ، وقدرة نافذة .
وبعد أن أنْبهم على كراهتهم للحق ، ذكر أنهم أعرضوا عن أعظم خيرٍ جاءهم فقال :
{ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ } .
بل جئناهم بالقرآن الذي فيه فخرُهم وشرفُهم ، وهم مع ذلك معرِضون عن هذا الخيرِ العميم ، والشرف العظيم ، وكان قال تعالى : { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } [ الزخرف : 44 ] .
وهذا هو القول الحقّ ، فإن العربَ قبل الإسلام لم تكن أمة متحدة ، ولم يكن لها ذكر في التاريخ حتى جاءها الاسلام ، فأصبحتْ بفضله تُذكر في الشرق والغرب ، وظل ذِكرُها يدوّي في العالم قرونا طويلة . ولما تركت وحدتها ودينها وأعرضت عنه تضاءل ذِكرها وخبا نورها ، ولن يقوم لها ذكر إلا برجوعها الى الاسلام ، والأخذ بالعلم ، ووحدة الصف .
قوله تعالى : { ولو اتبع الحق أهواءهم } قال ابن جريج و مقاتل و السدي وجماعة : الحق هو الله ، أي : لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل ، وقيل : لو اتبع مرادهم ، فسمى لنفسه شريكاً وولداً كما يقولون : { لفسدت السموات والأرض } وقال الفراء و الزجاج : المراد بالحق القرآن أي : لو نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدونه { لفسدت السموات والأرض ومن فيهن } وهو كقوله تعالى : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } . { بل أتيناهم بذكرهم } بما يذكرهم ، قال ابن عباس : أي : بما فيه فخرهم وشرفهم ، يعني القرآن ، فهو كقوله تعالى : { لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم } أي : شرفكم ، { وإنه لذكر لك ولقومك } أي : شرف لك ولقومك . { فهم عن ذكرهم } يعني عن شرفهم . { معرضون* }