إن العبادة تعبير عن العقيدة ؛ فإذا لم تصح العقيدة لم تصح العبادة ؛ وأداء الشعائر وعمارة المساجد ليست بشيء ما لم تعمر القلوب بالاعتقاد الإيماني الصحيح ، وبالعمل الواقع الصريح ، وبالتجرد لله في العمل والعبادة على السواء :
( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ) . .
والنص على خشية الله وحده دون سواه بعد شرطي الإيمان الباطن والعمل الظاهر ، لا يجيء نافلة . فلا بد من التجرد لله ؛ ولابد من التخلص من كل ظل للشرك في الشعور أو السلوك ؛ وخشية أحد غير الله لون من الشرك الخفي ينبه إليه النص قصدا في هذا الموضع ليتمحض الاعتقاد والعمل كله لله . وعندئذ يستحق المؤمنون أن يعمروا مساجد الله ، ويستحقون أن يرجوا الهداية من الله :
( فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) .
فإنما يتوجه القلب وتعمل الجوارح ، ثم يكافئ الله على التوجه والعمل بالهداية والوصول والنجاح .
مساجد الله : أي : أماكن عبادته .
18 – { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ . . . } الآية .
أي : إنما يستحق عمارة المساجد ، وتستقيم منه العمارة ويكون أهلا لها من آمن بالله وحده معبودا ، على النحو المبين في القرآن الكريم ، وآمن باليوم الآخر موعدا ومصيرا ، وحسابا وجزاء ، وأدى الصلاة على وجهها المشروع في مواقيتها ، وأعطى الزكاة بأنواعها ومقاديرها ، لمستحقيها المعروفين ، كالفقراء ، والمساكين ، وأبناء السبيل ، ولم يخش في قوله وعمله إلا الله وحده ، دون غيره من الأصنام والعظماء الذين لا ينفعون ولا يضرون في الحقيقة ، وإنما النفع والضر بيد الله ، هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات ، هم الذين يقتصر عليهم عمارة المساجد ، الحسية بالبناء والتشييد والترميم ، والمعنوية بالعبادة والأذكار وحضور دروس العلم ، دون من أشرك بالله ، وكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، هؤلاء المشركون الضالون الذين يجمعون بين الأضداد فيشركون بالله ، ويسجدون للأصنام ، ثم يقدمون بعض الخدمات للمسجد الحرام .
{ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } .
وهو تذييل قصد به حسن عاقبة المؤمنين الصادقين ، أي : فعسى أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة ، أن يكونوا من المهتدين إلى الجنة ، وما أعد فيها من خير عميم ورزق كبير .
والتعبير بعسى هنا ، مقصود به قطع أطماع الكافرين ، أي : إذا كان هؤلاء المؤمنون – وهم من هم – يدور أمرهم بين لعل وعسى ، فكيف يقطع المشركون – وهم بين المخازي والقبائح – أنهم مهتدون20 .
وقد ذكر العلماء : أن كلمة عسى إذا جاءت من الله تعالى ؛ فهي بمعنى : وجب واستحق كما قال تعالى : { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } . ( الإسراء : 79 ) .
أما معنى عسى في النحو : فهو الترجي .
عسى فرج يأتي به الله إنه *** له كل يوم في خليقته أمر
" وفي التعبير بعسى قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم ، وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء " .
ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتي :
1 – أعمال البر الصادرة عن المشركين كإطعام الطعام ، وإكرام الضيف . . . إلخ . لا وزن لها عند الله ؛ لاقترانها بالكفر والإشراك به سبحانه .
وذهب الشيخ محمد عبده . وتلميذه السيد رشيد رضا ، إلى موقف آخر ، حيث رجحوا أن يجازيهم الله تعالى على هذه الأعمال في الآخرة .
واستشهدوا بعدل الله القائل : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } . ( الزلزلة : 7 ، 8 ) .
وقوله عز شأنه : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } . ( النساء : 40 ) .
2 – إن عمارة مساجد الله من حق المؤمنين وحدهم ، أما المشركون فإنهم لا يصح منهم ذلك ؛ بسبب كفرهم ونجاستهم .
" والأصح أنه يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد ، والقيام بأعمال لا ولاية فيها كنحت الحجارة والبناء والنجارة ، فهذا لا يدخل في المنع المذكور في الآية .
ولا مانع أيضا من قيام الكافر ببناء مسجد أو المساهمة في نفقاته ، بشرط ألا يتخذ أداة للضرر ، وإلا كان حينئذ كمسجد الضرار . . . . 21 .
جاء في حاشية الجمل على الجلالين :
" لا يصح للمشركين أن يعمروا مساجد الله بدخولها والقعود فيها ، فإذا دخل الكافر المسجد بغير إذن من مسلم ؛ عزر وإن دخل بإذنه ؛ لم يعزر ، لكن لا بد من حاجة ، فيشترط للجواز الإذن والحاجة " 22 .
ونلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف في المسجد وهم كفار ، وشد ثمامة بن أثال الحنفي في سارية من سواري المسجد الحرام وهو كافر23 .
ونجاسة الكافر نجاسة معنوية ، فإذا دخل المسجد لغرض من الأغراض ، وأخذ إذنا من الجهات المختصة ؛ جاز ذلك .
2 – يؤخذ من الآيتين التنويه بشأن المساجد والتعبد فيها ، وإصلاحها ، وخدمتها ، وتنظيفها ، والسعي إليها ، واحترامها ، وصيانتها عن كل ما يتنافى مع الغرض الذي بنيت لأجله ، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى ، منها ما يأتي :
1 – روى الشيخان والترمذي : عن عثمان رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله ؛ بنى الله له بيتا في الجنة " 24 .
2 – وروى الشيخان والحافظ أبو بكر البزار ، وعبد بن حميد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما عمار المساجد هم أهل الله " 25 .
3 – وروى أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن مردوية : عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد ؛ فاشهدوا له بالإيمان ، قال الله تعالى : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم والآخر }26 .
4 – وروى الشيخان : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من غدا إلى المسجد أو راح – أي : سار قبل الزوال أو بعده لعبادة الله في المسجد - ؛ أعد الله له منزلا –أي : مكانا طيبا في الجنة - ؛ كلما غدا أو راح " 27 .
ثم ذكر من هم عمار مساجد اللّه فقال : { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ْ } الواجبة والمستحبة ، بالقيام بالظاهر منها والباطن .
{ وَآتَى الزَّكَاةَ ْ } لأهلها { وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ْ } أي قصر خشيته على ربه ، فكف عما حرم اللّه ، ولم يقصر بحقوق اللّه الواجبة .
فوصفهم بالإيمان النافع ، وبالقيام بالأعمال الصالحة التي أُمُّها الصلاة والزكاة ، وبخشية اللّه التي هي أصل كل خير ، فهؤلاء عمار المساجد على الحقيقة وأهلها ، الذين هم أهلها .
{ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ْ } و { عسى ْ } من اللّه واجبة . وأما من لم يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر ، ولا عنده خشية للّه ، فهذا ليس من عمار مساجد اللّه ، ولا من أهلها الذين هم أهلها ، وإن زعم ذلك وادعاه .
قوله : { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } أي إنما يعمر مساجد الله برمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وكسوها بالحصير والفرش وبتكريمها وتعظيمها وارتيادها للذكر والعبادة –من كان مصدقا بوحدانية الله مخلصا العبادة والطاعة ، مصدقا بيوم الدين ، مقيما للصلاة المكتوبة على وجهها الصحيح بتمام أركانها وشروطها وواجباتها ومندوباتها ، مؤديا زكاة ماله إلى المستحقين . وهو أيضا لا يخشى أحدا كخشية من الله ؛ فخشية الله في قلب المؤمن تفوق كل خشية مما سواها { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } أي فخليق بأولئك الذين سبقت صفتهم أن يكونوا ممن هداهم الله للحق وبلوغ الصواب{[1739]} .
روي الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ) .
وقال الإمام أحمد أيضا بإسناده عن معاد بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية ، فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة ، والعامة ، والمسجد ) ؛ وقال عليه الصلاة والسلم : ( من أسرج في مسجد سراجا ؛ لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه ) .