وبعد ، فإنه بينما كان الشيطان يخدع المشركين الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ، ويشجعهم على الخروج ، ثم يتركهم لمصيرهم البائس . . . كان المنافقون والذين في قلوبهم ضعف ، يظنون بالعصبة المؤمنة الظنون ؛ وهم يرونها تواجه جحافل المشركين ، وهي قليلة العدد ضعيفة العدة ؛ ويرون - بقلوبهم المدخولة ونظرتهم إلى الظواهر المادية الخادعة - أن المؤمنين أوردوا أنفسهم موارد التهلكة ، مخدوعين بدينهم ، ظانين أنه ينصرهم أو يقيهم :
( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم ) . .
والمنافقون والذين في قلوبهم مرض قيل : إنهم مجموعة من الذين مالوا إلى الاسلام في مكة - ولكن لم تصح عقيدتهم ولم تطمئن قلوبهم - خرجوا مع النفير مزعزعين ، فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين قالوا هذه المقالة !
والمنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة ؛ فهم يرون ظواهر الأمور ، دون أن تهديهم بصيرة إلى بواطنها ؛ ودون أن يشعروا بالقوة الكامنة في العقيدة ، والثقة في الله ، والتوكل عليه ، واستصغار شأن الجموع والقوى التي لا ترتكن إلى عقيدة في الله تمنحها القوة الحقيقية . . فلا جرم يظنون المسلمين يومئذ مخدوعين في موقفهم ، مغرورين بدينهم ، واردين موارد التهلكة بتعرضهم لجحافل المشركين التي يرونها !
إن الواقع المادي الظاهر لا يختلف من ناحية مظهره عند القلوب المؤمنة وعند القلوب الخاوية من الإيمان . ولكن الذي يختلف هو التقدير والتقويم لهذا الواقع المادي الظاهر . . فالقلوب الخاوية تراه ولا ترى شيئاً وراءه ؛ والقلوب المؤمنة ترى ما وراءه من " الواقع " الحقيقي ! الواقع الذي يشمل جميع القوى ، ويوازن بينها موازنة صحيحة :
( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) . .
هذا ما تدركه القلوب المؤمنة وتطمئن إليه ؛ وما هو محجوب عن القلوب الخاوية فلا تحسب حسابه ! وهذا ما يرجح الكفة ، ويقرر النتيجة ، ويفصل في القضية في نهاية المطاف في كل زمان وفي كل مكان .
وقولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، عن العصبة المسلمة يوم بدر : ( غر هؤلاء دينهم ) . . هي قولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض كلما رأوا العصبة المسلمة تتعرض لجحافل الطاغوت في عنفوانه ؛ وعدتها الأساسية التي تملكها هي هذا الدين ؛ وهي هذه العقيدة الدافعة الدافقة ؛ وهي الغيرة على ألوهية الله وعلى حرمات الله ؛ وهي التوكل على الله والثقة بنصره لأوليائه .
إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض يقفون ليتفرجوا والعصبة المسلمة تصارع جحافل الطاغوت ، وفي نفوسهم سخرية من هذه العصبة التي تتصدى للخطر ، وتستخف بالخطر ! وفي نفوسهم عجب كذلك ودهشة في اقتحام العصبة المسلمة للمكاره الظاهرة ، وللأخطار الواضحة . . إنهم هم لا يعرفون مبرراً لهذا التهور - كما يسمونه - وللإلقاء بالنفس إلى التهلكة ! . . إنهم يحسبون الحياة كلها - بما فيها الدين والعقيدة - صفقة في سوق التجارة . إن كانت ظاهرة الربح أقدموا عليها ؛ فأما إذا كان الخطر فالسلامة أولى ! . . إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن ، ولا يزنون النتائج كذلك بميزان الإيمان . . إنها في حس المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائماً ؛ فهي مؤدية الى إحدى الحسنيين : النصر والغلب ، أو الشهادة والجنة . . ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف ؛ فهناك الله . . وهذا مالا يدخل في حساب المنافقين والذين في قلوبهم مرض !
والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل زمان مدعوة إلى أن تزن بميزان الإيمان والعقيدة ؛ وأن تدرك ببصيرة المؤمن وقلبه ، وأن ترى بنور الله وهداه ، وألا تتعاظمها قوى الطاغوت الظاهرة ، وألا تستهين بقوتها ووزنها فإن معها الله ، وأن تلقي بالها دائما إلى تعليم الله سبحانه للمؤمنين :
غر هؤلاء دينهم : أي : خدع هؤلاء المسلمين دينهم ، فظنوا أنهم ينصرون به فأقدموا على ما أقدموا عليه مما لا طاقة به .
49 – { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم . . . } الآية .
تشير الآية إلى موقف المنافقين في المدينة ، والمشركين في مكة ، وإلى غيرهم من الأعراب ، ومن لم يتمكن الإيمان في قلوبهم .
فقد رأوا قلة مؤمنة في بدر ، ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا ، تخرج للقاء كثرة كافرة ، تزيد على ثلاثة أمثالهم ، وهؤلاء المنافقون ومرضى القلوب ، يزنون الأمور بميزان الكثرة المادية ، والأمور الحسية .
فقالوا : ما خرج هؤلاء المؤمنون إلا غرورا بدينهم ؛ فقد خدعهم دينهم فخرجوا على قلتهم ؛ لقتال جيش قوي كبير مستعد ؛ فهم يلقون بأنفسهم إلى التهلكة .
وقد تكفل الحق سبحانه بالرد عن المؤمنين ، الذين أخذوا في أسباب النصر ، وأعدوا العدة ثم توكلوا على الله . فقال سبحانه :
{ ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } .
ومن يفوض أمره إلى الله ، ويثق به ويلجأ إليه ، مؤمنا صادقا عاملا ، متيقنا بقدرة خالقه ، وأن بيده الخلق والأمر ؛ فإن الله ينصره ويؤيده ، وما النصر إلا من عند الله .
أي : غالب على أمره حكيم في فعله .
وقد اقتضت سنته ، أن ينصر الحق على الباطل ، وأن يسلط القليل الضعيف على القوي الكثير .
ورغم أن الآية تشير إلى أحداث غزوة بدر ؛ فإنها عامة فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، إنها تصف طبيعة بعض الناس في عصرنا وسائر العصور ؛ هؤلاء الذين يسخرون من أصحاب الدعوات المخلصة على قلتهم ، وقلة ما يملكون من تراث الدنيا ، ويقولون : غر هؤلاء دينهم وعقيدتهم .
وما عملوا أن هؤلاء الدعاة الهداة ، يملكون شيئا قيما ، هو صدق الإيمان ، وسلامة النية ، وإخلاص الدعوة ، وحرارة العقيدة ، وصدق التوكل على الله ، بعد العمل والأمل ، فالله لا يخذلهم بل يمدهم بنصره وعونه : { ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } .
روى عن مجاهد أنه قال في تفسير الآية 49 من سورة الأنفال : هم فئة من قريش ، قيس بن الوليد ابن المغيرة ، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب ، ويعلى بن أمية ، والعاص بن منبه ، خرجوا مع قريش من مكة ، وهم على الارتياب ، فحبسهم ارتيابهم ، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : غر هؤلاء دينهم ؛ حين أقدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم .
{ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ْ } أي : شك وشبهة ، من ضعفاء الإيمان ، للمؤمنين حين أقدموا - مع قِلَّتهم - على قتال المشركين مع كثرتهم .
{ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ ْ } أي : أوردهم الدين الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها ، ولا استطاعة لهم بها ، يقولونه احتقارا لهم واستخفافا لعقولهم ، وهم - واللّه - الأخِفَّاءُ عقولا ، الضعفاء أحلاما .
فإن الإيمان يوجب لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلة التي لا يقدم عليها الجيوش العظام ، فإن المؤمن المتوكل على اللّه ، الذي يعلم أنه ما من حول ولا قوة ولا استطاعة لأحد إلا باللّه تعالى ، وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على نفع شخص بمثقال ذرة لم ينفعوه ، ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه اللّه عليه ، وعلم أنه على الحق ، وأن اللّه تعالى حكيم رحيم في كل ما قدره وقضاه ، فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من قوة وكثرة ، وكان واثقا بربه ، مطمئن القلب لا فزعا ولا جبانا ، . ولهذا قال { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ْ } لا يغالب قوته قوة . { حَكِيمٌ ْ } فيما قضاه وأجراه .
إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم
[ إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ] ضعف اعتقاد [ غرَّ هؤلاء ] أي المسلمين [ دينهم ] إذ خرجوا مع قلتهم يقاتلون الجمع الكثير توهماً أنهم ينصرون بسببه قال تعالى في جوابهم [ ومن يتوكل على الله ] يثق به يغلب [ فإن الله عزيز ] غالب على أمره [ حكيم ] في صنعه