ويصاحب الفزع الانقلاب الكوني العام الذي تختل فيه الأفلاك ، وتضطرب دورتها . ومن مظاهر هذا الاضطراب أن تسير الجبال الراسية ، وتمر كأنها السحاب في خفته وسرعته وتناثره . ومشهد الجبال هكذا يتناسق مع ظل الفزع ، ويتجلى الفزع فيه ؛ وكأنما الجبال مذعورة مع المذعورين ، مفزوعة مع المفزوعين ، هائمة مع الهائمين الحائرين المنطلقين بلا وجهة ولا قرار !
( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) .
سبحانه ! يتجلى إتقان صنعته في كل شيء في هذا الوجود . فلا فلتة ولا مصادفة ولا ثغرة ولا نقص ، ولا تفاوت ولا نسيان . ويتدبر المتدبر كل آثار الصنعة المعجزة ، فلا يعثر على خلة واحدة متروكة بلا تقدير ولا حساب . في الصغير والكبير ، والجليل والحقير . فكل شيء بتدبير وتقدير ، يدير الرؤوس التي تتابعه وتتملاه .
وهذا يوم الحساب عما تفعلون . قدره الله الذي اتقن كل شيء . وجاء به في موعده لا يستقدم ساعة ولا يستأخر ؛ ليؤدي دوره في سنة الخلق عن حكمة وتدبير ؛ وليحقق التناسق بين العمل والجزاء في الحياتين المتصلتين المتكاملتين ، ( صنع الله الذي أتقن كل شيء . إنه خبير بما تفعلون ) .
88- { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون } .
جمهور المفسرين على أن هذه الآية تشير إلى أهوال القيامة ، ومن أهوال القيامة النفخ في الصور مرتين :
الأولى : للصعق والفزع ويعقب ذلك الموت .
الثانية : للبعث ثم الحساب والجزاء .
الحالة الأولى : أنها تنسف نسفا ، وتندك دكا عند النفخة الأولى . قال تعالى : { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا* فيذرها قاعا صفصفا*لا ترى فيها عوجا ولا أمتا*يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له . . } [ طه : 105-108 ] .
الحالة الثانية للجبال : أنها تعود من ناحية الهيئة والشكل ، لكنها تحوّل إلى عهن منفوش ، أي : صوف منشور ثم تسير تسيير السحاب في طريقه إلى الزوال .
وترى أيها الإنسان الجبال يوم القيامة وأنت واقف بعيد عنها ، تحسبها جامدة ثابتة في مكانها ، ولكنها قد سحقت وأصبحت كالعهن المنفوش ، وقد سيّرها الله سبحانه وتعالى فوق سطح الأرض ، وجعلها تمرّ فوقها في طريقها إلى الزوال .
{ صنع الله الذي أتقن كل شيء . . ْ }
أي : هذا الصنع العجيب من حركة الجبال وتلاشيها دليل على إتقان الصنعة ، وذلك صنع الله الذي أحكم الخلق في البدء ، وأحكم أمر البعث والنهاية ، حتى يكون الجزاء والثواب والعقاب .
إنه عليم بأعمالكم فيجازيكم عليها جزاء عادلا ، قال تعالى : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره*ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } [ الزلزلة : 7 ، 8 ] .
قال تعالى : { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار*وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد* سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار* ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب . [ إبراهيم : 48-51 ] .
ويرى بعض المفسرين أن هذه الآية من إبداع القرآن الكريم ؛ فهو يتحدث عن الآخرة وأهوالها ، ثم يعود إلى تذكير القلوب بفضل الله ، بأن جعل الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا ، ثم يتحدث عن النفخ في الصور وأهوال البعث والحشر والجزاء .
ثم يتحدث عن عظمة الصانع في الدنيا ، حيث إن الأرض تتحرك حول نفسها ، ولها حركة أخرى حول الشمس ، وهذه الحركة يترتب عليها مجيء الليل والنهار بشكل متوازن يترتب عليه سعادة الناس ، وانتفاعهم بالليل والنهار ، ومن جملة ما يتحرك بحركة الأرض الجبال أيضا ، تظنها جامدة ثابتة ، لكنها تتحرك حركة يسيرة كحركة السحاب ، وهي الحركة التي تتحركها مع حركة الأرض ، هذه الحركة تؤدي إلى التكامل والتناغم والنظام ، وعموم الفائدة في هذا الكون ، وهو سبحانه مطلع على أعمالكم في الدنيا وسيجازيكم عليها في الآخرة .
جاء في التفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي بجامعة دمشق :
وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على دوران الأرض حول الشمس بسرعة فائقة ، لكن الظاهر أن ذلك في الآخرة ، لأن الكلام عن يوم القيامة .
وأنا لا أستبعد أن تكون هذه الآية تلفت النظر إلى بديع صنع الله في الدنيا ، بدليل قوله سبحانه ، { صنع الله الذي أتقن كل شيء . . . } فالله خلق السماء والأرض ، والبحار والأنهار ، والشمس والقمر ، والليل والنهار ، وخلق الجبال ، وتحدث القرآن عن الجبال حديثا متعددا ، فهي دليل قدرة القدير ، وإبداع الصانع ، ولا يكاد القرآن يتحدث عن الأمطار والزراعة إلا ويتحدث عن الجبال ، فالماء يتجمع في رءوس الجبال في الشتاء ، ثم ينزل في الصيف ، والجبال لها جذور ممتدة في أصول الأرض تمسك بها ، وتحفظ توازنها ، والجبال وسيلة من وسائل الاستقرار ومنع الزلازل والبراكين .
قال تعالى : { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون } [ النمل : 61 ]
وقال تعالى : { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت*وإلى السماء كيف رفعت*وإلى الجبال كيف نصبت*وإلى الأرض كيف سطحت } [ الغاشية : 17-20 ] .
فالقرآن الكريم تحدث عن الجبال كدليل من دلائل القدرة والعظمة والإبداع ، والخلق والتكوين والتكامل والحفظ لهذا الكون في الدنيا ، وتحدث أيضا عن الجبال وتسييرها في الآخرة .
قال تعالى : { يوم تمور السماء مورا*وتسير الجبال سيرا } [ الطور : 9 ، 10 ] .
وقال تعالى : { ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا } [ الكهف : 47 ] .
وقال تعالى : { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار } [ إبراهيم : 48 ] .
وقال تعالى : { وسيرت الجبال فكانت سرابا } [ النبأ : 20 ] .
فالكون كله بيد الله ، وهو سبحانه قادر على حفظ هذا الكون في الدنيا ، وعلى نسف الجبال وتسييرها في الآخرة .
من المنتخب في تفسير القرآن الكريم
{ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون } .
وترى – أيها الرسول- الجبال تظنها ثابتة لا تتحرك ، ولكنها في واقع الأمر تتحرك بسرعة كالسحاب ، وهذا من صنع الله الذي خلق كل شيء وأبدعه ، إنه سبحانه كامل العلم بما يفعل الناس من طاعة ومعصية ومجازيهم عليه .
{ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب . . } تقرر هذه الآية الكريمة أن جميع الأجسام التي تخضع لجاذبية الأرض ، مثل الجبال والبحار والغلاف الجوي . . . إلخ ، تشترك مع الأرض في دورتها اليومية حول محورها ، ودورتها السنوية حول الشمس ، لكن هذه الدورة لا تدرك ، فهي مثل حركة السحاب في الجو ، يراها الناظرون بعيونهم ، ولكن لا يسمعون صوتها أو يلمسونها ، وتبين هذه الآية الكريمة أن الله عز وجل ؛ خلق الكون والقوانين التي تنظمه ، وهو قادر على أن يجعل الأرض ساكنة لا تدور حول محورها ، أو يجعل فترة دورانها حول محورها تساوي فترة دورانهما حول الشمس ، وبذلك يصبح نصف وجه الأرض في ظلام دامس لمدة ستة أشهر ، والنصف الآخر في نهار ساطع الضوء لمدة ستة أشهر ، مما يؤدي إلى اختلال التوازن الحراري على الأرض كلها ، وفي هذا فناء الأحياء التي عليها ، والله سبحانه وتعالى هو الذي وضع هذا النظام المحكم رحمة ورأفة بعباده .
وبالرغم من أن [ أريستاخورس ] الفلكي السكندري 310-230 ق . م كتب في موضوع دوران الأرض حول نفسها ، فإن هذه الكتابات العلمية القديمة لم تصل إلى العرب وقت محمد صلى الله عليه وسلم أو قبله ؛ بل إن أول من أشار إلى هذه المعلومات هو البيروني عام ألف للميلاد بعد حركة الترجمة في الدولة العباسية ، فإن إيراد هذه الحقائق العلمية على لسان النبي صلى الله عليه وسلم-التي لم تكن قد وصلت إلى علمه- دليل على أنها موحى بها من عند الله26 .
يقال : إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ، ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها ، وإبراز ما كانت تواريه ، فأولى الصفات : الاندكاك ، وذلك قبل الزلزلة ، ثم تصير كالعهن المنفوش ، وذلك إذا صارت السماء كالمهل [ أي : الزيت المذاب ] ، وقد جمع الله بينهما ، فقال تعالى : { يوم تكون السماء كالمهل*وتكون الجبال كالعهن } [ المعارج : 8 ، 9 ] .
والحالة الثالثة : أن تصير كالهباء ، وذلك أن تنقطع بعد أن كانت كالعهن .
والحالة الخامسة : أن الرياح ترفعها على وجه الأرض ، فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار .
ومن هوله أنك { ترى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } لا تفقد [ شيئا ] منها وتظنها باقية على الحال المعهودة وهي قد بلغت منها الشدائد والأهوال كل مبلغ وقد تفتت ثم تضمحل وتكون هباء منبثا . ولهذا قال : { وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } من خفتها وشدة ذلك الخوف وذلك { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } فيجازيكم بأعمالكم .