في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (78)

76

كذلك قال له قومه : فكان رده جملة واحدة ، تحمل شتى معاني الفساد والإفساد :

( قال : إنما أوتيته على علم عندي ) !

إنما أوتيت هذا المال استحقاقا على علمي الذي طوع لي جمعه وتحصيله . فما لكم تملون علي طريقة خاصة في التصرف فيه ، وتتحكمون في ملكيتي الخاصة ، وأنا إنما حصلت هذا المال بجهدي الخاص ، واستحققته بعلمي الخاص ?

إنها قولة المغرور المطموس الذي ينسى مصدر النعمة وحكمتها ، ويفتنه المال ويعميه الثراء .

وهو نموذج مكرر في البشرية . فكم من الناس يظن أن علمه وكده هما وحدهما سبب غناه . ومن ثم فهو غير مسؤول عما ينفق وما يمسك ، غير محاسب على ما يفسد بالمال وما يصلح ، غير حاسب لله حسابا ، ولا ناظر إلى غضبه ورضاه !

والإسلام يعترف بالملكية الفردية ، ويقدر الجهد الفردي الذي بذل في تحصيلها من وجوه الحلال التي يشرعها ؛ ولا يهون من شأن الجهد الفردي أو يلغيه . ولكنه في الوقت ذاته يفرض منهجا معينا للتصرف في الملكية الفردية - كما يفرض منهجا لتحصيلها وتنميتها - وهو منهج متوازن متعادل ، لا يحرم الفرد ثمرة جهده ، ولا يطلق يده في الاستمتاع به حتى الترف ولا في إمساكه حتى التقتير ؛ ويفرض للجماعة حقوقها في هذا المال ، ورقابتها على طرق تحصيله ، وطرق تنميته . وطرق إنفاقه والاستمتاع به . وهو منهج خاص واضح الملامح متميز السمات .

ولكن قارون لم يستمع لنداء قومه ، ولم يشعر بنعمة ربه ، ولم يخضع لمنهجه القويم . وأعرض عن هذا كله في استكبار لئيم وفي بطر ذميم .

ومن ثم جاءه التهديد قبل تمام الآية ، ردا على قولته الفاجرة المغرورة :

( أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ? ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) .

فإن كان ذا قوة وذا مال ، فقد أهلك الله من قبله أجيالا كانت أشد منه قوة وأكثر مالا . وكان عليه أن يعلم هذا . فهذا هو العلم المنجي . فليعلم . وليعلم أنه هو وأمثاله من المجرمين أهون على الله حتى من أن يسألهم عن ذنوبهم . فليسوا هم الحكم ولا الأشهاد !

( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (78)

76

المفردات :

أوتيته : أعطيته .

القرون : جمع قرن ، وأصح ما قيل فيه : إنه مائة سنة ، ويطلق على أمة هلكت فلم يبق منها أحد ، ويطلق على أهل زمان واحد ، ومنه قول الشاعر :

إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم *** وخلفت في قرن فأنت غريب

المجرمون : المذنبون .

التفسير :

78-{ قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } .

أي : قال قارون لمن وجه إليه النصيحة : إنما أوتيت هذا المال لمعرفتي بطرق كسب المال واستثماره ، ومهارتي في ذلك واجتهادي ، أو لأني أثير عند الله حبيب إليه ، فقد كان قارون أكثر الناس نصيبا من التوراة ، وأحسنهم صوتا ، وكان يلقب بالمنور ، وهنا يبين القرآن أن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب ، فقد أهلك الله أمما وأفرادا وقرونا كانوا أكثر مالا وجاها من قارون ، وأكثر خبرة بجمع المال وطرق تحصيله ، لكنهم أذنبوا وأجرموا وأسرفوا على أنفسهم في الملذات والشهوات ، أو منعوا حق الله في المال ، فأهلكهم الله ، كما أهلك فرعون مع ملكه وغناه ، وأهلك عادا وثمود وأصحاب مدين وقوم لوط ، فالمذنبون يهلكهم الله عقوبة عادلة ، كما عاقب سبأ جزاء إعراضهم عن شكر النعمة ، فتهدم سدّ مأرب ، وتلفت الزراعة وعم الجفاف ، وهلك الكافرون .

من كلام المفسرين

قال الإمام عبد الرحمان بن زيد بن أسلم في تفسير الآية :

{ إنما أوتيته على علم عندي . . } .

إنما أوتيته على علم من الله باستحقاقي إياه ، فلولا رضاه عني ، وعلمه بفضلي ما أعطانيه .

وقيل : إنه علم التوراة ، فإنه كان أعلم بني إسرائيل بها ، وقال أبو سليمان الداراني : علم التجارة ووجوه المكاسب ، وقيل : علم استخراج الكنوز والدفائن .

وقيل : علم الكيمياء ، فكان يحوّل الرصاص والنحاس ذهبا ، وردّه العلماء بأن فيه دعوى قلب الحقائق ، وذلك لا يكون إلا لله تعالى ، ولم يثبت حدوثه منه بطريق صحيح ، وما يشاع بين العامة من إمكان ذلك إنما هو من باب الأراجيف التي لم تثبت في الواقع ، بل هي من الصبغ والتزييفxxix .

وقريب من الآية قوله تعالى : { فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم . . } [ الزمر : 49 ] .

وقال تعالى : { ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي . . } [ فصلت : 50 ] أي : هذا أستحقه .

ويقول شوقي أمير الشعراء :

عجبت لمعشر صلّوا وصاموا ظواهر خشية وتقى كذابا

وتلقاهم حيال المال صمّا إذا داعى الزكاة بهم أهابا

لقد منعوا نصيب الله منه كأنّ الله لم يحص النصابا

فخذ لبنيك والأيام ذخرا وأعط الله حصته احتسابا

فلو صادفت أحداث الليالي *** وجدت الفقر أقربها انتسابا

وأن البر خير في حياة وأبقى بعد صاحبه ثوابا

وأن الشر يصدع فاعليه ولم أر خيرا بالشر آبا

وجاء في التفسير المنير للأستاذ د . وهبة الزحيلي ما يأتي :

إن أصول الحضارة الإسلامية أربعة :

1- العمل الصالح ثواب الآخرة .

2- عمارة الدنيا بإتقان دون أن تستولي على مشاعر الإنسان .

3- الإحسان إلى الناس ، إحسانا ماديا أو معنويا أو خلقيا .

4- قمع الفساد والعصيان والخراب .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (78)

ف { قَالَ } قارون -رادا لنصيحتهم ، كافرا بنعمة ربه- : { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي }

أي : إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب ، وحذقي ، أو على علم من اللّه بحالي ، يعلم أني أهل لذلك ، فلم تنصحوني على ما أعطاني للّه تعالى ؟ قال تعالى مبينا أن عطاءه ، ليس دليلا على حسن حالة المعطي : { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا } فما المانع من إهلاك قارون ، مع مُضِيِّ عادتنا وسنتنا بإهلاك من هو مثله وأعظم ، إذ فعل ما يوجب الهلاك ؟ .

{ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } بل يعاقبهم اللّه ، ويعذبهم على ما يعلمه منهم ، فهم ، وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة ، وشهدوا لها بالنجاة ، فليس قولهم مقبولا ، وليس ذلك دافعا عنهم من العذاب شيئا ، لأن ذنوبهم غير خفية ، فإنكارهم لا محل له ، فلم يزل قارون مستمرا على عناده وبغيه ، وعدم قبول نصيحة قومه ، فرحا بطرا قد أعجبته نفسه ، وغره ما أوتيه من الأموال .