( قال : آمنتم له قبل أن آذن لكم ? إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ، فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ، ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) .
( آمنتم له قبل أن آذن لكم ) . . قولة الطاغية الذي لا يدرك أنهم هم أنفسهم لا يملكون - وقد لمس الإيمان قلوبهم - أن يدفعوه عنها ، والقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء .
( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) . . فذلك سر الاستسلام في نظره ، لا أنه الإيمان الذي دب في قلوبهم من حيث لا يحتسبون . ولا أنها يد الرحمن تكشف عن بصائرهم غشاوة الضلال .
ثم التهديد الغليظ بالعذاب الغليظ الذي يعتمد عليه الطغاة ؛ ويسلطونه على الجسوم والأبدان حين يعجزون عن قهر القلوب والأرواح : ( فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ، ولأصلبنكم في جذوع النخل ) .
ثم الاستعلاء بالقوة الغاشمة . قوة الوحوش في الغابة . القوة التي تمزق الأحشاء والأوصال ، ولا تفرق بين إنسان يقرع بالحجة وحيوان يقرع بالناب : ( ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) !
من خلاف : من حال مختلفة ، فتقطع الأيدي اليمنى ، والأرجل اليسرى .
71-{ قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علّمكم السحر . . . }
كان فرعون قد ادعى الربوبية فقال : { أنا ربكم الأعلى } . ( النازعات : 24 ) . وادعى الألوهية وقال : { ما علمت لكم من إله غيري } . ( القصص : 38 ) . وفوجئ فرعون بإيمان السحرة ، وسجودهم لله رب العالمين ، وخشي أن يمتد الإيمان إلى سائر الشعب ؛ فادعى : أنها مؤامرة ، وادعى : أن موسى هو المعلم الذي تعلموا على يديه السحر ، وأنهم بيتوا هذا الأمر ؛ ليتظاهروا أمام الناس بأنهم غُلبوا ، وهدد السحرة بالغضب والانتقام ، والعذاب الأليم .
{ فلأقطّعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف } .
أي : قال آمنتم بموسى قبل أن أعطيكم الإذن بذلك ؛ فلأقطّعنّ أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى { من خلاف } .
أي : لا يكون القطع لليد والرجل عن وفاق ؛ فيقطع اليد اليمنى والرجل اليمنى ؛ فيكون للإنسان نصف كامل ، بل يريد أن ينتشر النقص في الجسم كله .
{ ولأصلبنّكم في جذوع النخل } .
أي : لأصلبنكم على جذوع النخل من النخل من باب التشهير والتنكيل .
قال ابن عباس : فكان أول من عذب بهذا العذاب .
{ ولتعلمنّ أيّنا أشدّ عذابا وأبقى } .
أي : لتعلمن أيها السحرة أيّنا أشد تعذيبا لكم ، وأبقى في إنزال الهلاك بكم ؛ أنا أم موسى وربّه ؟
وكأنه بهذا التهديد يريد أن يهون من كل عذاب ؛ سوى عذابه لهم .
وفي سورة الأعراف يقول الله تعالى : { قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون . لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنّكم أجمعين } . ( الأعراف : 124 ، 123 ) .
لكن الإيمان كان قد خالط قلوب السحرة ، فاستهانوا بكل تهديد ووعيد ، واستعدوا لكل تضحية في سبيل الإيمان الجديد .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما توعد فرعون به السحرة ، وموقفهم من هذا الوعيد فقال - تعالى - : { قَالَ آمَنتُمْ لَهُ . . . . } .
أى : قال فرعون للسحرة بعد أن شاهدهم وقد خروا لله - تعالى - ساجدين : { آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ } أى : هل آمنتم لموسى وصدقتموه فى دعوته وانقدتم له ، قبل أن أعطيكم الإذن بذلك . فالاستفهام للتقريع والتهديد .
{ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر } أى : أن موسى الذى انقدتم له لهو كبيركم وشيخكم الذى علمكم فنون السحر ، فأنتم تواطأتم معه . وآمنتم به لأنكم من أتباعه .
وغرضه من هذا القول صرف الناس عن التأسى بهم ، وعن الإيمان بالحق الذى آمن به السحرة والظهور أمام قومه بمظهر الثبات والتماسك بعد أن استبد به وبهم الخوف والهلع ، من هول ما رأوه .
ثم أضاف إلى قوله هذا تهديدا أشد فقال : { فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل } .
أى : فوالله لأقطعن أيديكم اليمنى - مثلا - مع أرجلكم اليسرى ، ولأصلبنكم على جذوع النخل ، لتكونوا عبرة لغيركم ممن تسول له نفسه أن يفعل فعلكم .
فالمراد من قوله " من خلاف " أى : من الجهة المخالفة أو من الجانب بأن يقطع اليد اليمنى ومعها الرجل اليسرى ، لأن ذلك أشد على الإنسان من قطعهما من جهة واحدة إذ قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شىء كامل صحيح ، بخلاف قطعهما من جهتين مختلفتين فإنه إفساد للجانبين .
واختار أن يصلبهم فى جذوع النخل ، لأن هذه الجذوع أخشن من غيرها والتصليب عليها أشق من التصليب على غيرها ، وأظهر للرائى لعلوها عن سواها . فهو لطغيانه وفجوره اختار أقسى ألوان العذاب ليصبها على هؤلاء المؤمنين .
قال الجمل : قوله : { وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل } يحتمل أن يكون حقيقة . وفى التفسير أنه نقر جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعا وعطشا .
ويحتمل أن يكون مجازا وله وجهان : أحدهما : أنه وضع حرفا مكان آخر ، والأصل على جذوع النخل ، والثانى : أنه شبه تمكنهم بتمكن من حواه الجذع واشتمل عليه .
وقال الكرخى " فى " بمعنى " على " مجازا ، من حيث إنه شبه تمكن المصلوب بالجذع ، بتمكن المظروف فى الظرف وهذا هو المشهور .
وقوله : { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى } تهديد فوق تهديد ، ووعيد إثر وعيد .
أى : والله لتعلمن أيها السحرة أينا أشد تعذيبا لكم ، وأبقى فى إنزال الهلاك بكم ، أنا أم موسى وربه .
وكأنه بهذا التهديد يريد أن يهون من كل عذاب سوى عذابه لهم ، ومن كل عقاب غير عقابه إياهم .
وهذا التهديد التى حكاه الله - تعالى - هنا ، قد جاء ما يشبهه فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - : { قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ }
قوله : ( قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ) الاستفهام للإنكار التوبيخي ؛ أي كيف آمنتم له أو به- أي بموسى دون إذن مني لكم ( إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) أي إن موسى لعظيمكم ورئيسكم في صناعة السحر ؛ فهو الذي علمكم ذلك . وفرعون موقن في قرارة نفسه انه مفتر وأنه ظالم ، وأنهم لم يتعلموا السحر من موسى وما كان موسى إلا صدوقا . وإنما يبتغي فرعون بذلك توهيم الناس والتلبيس عليهم ليرتابوا فيما جاءهم به موسى فلا يؤمنوا به ولا يصدقوه . ثم شرع بعد ذلك في التوعد والتهديد بإنزال العقاب الأليم بهم وهو التقطيع من خلاف والتصليب على جذوع النخل . وهو قوله : ( فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ) والقطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) أي يجعلهم مصلوبين على جذوع النخل بعد تقطيعهم من خلاف زيادة في تعذيبهم والتمثيل بهم حتى يموتوا ( ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى ) أي لتعلمن هل أنا أشد عذابا لكم أم موسى . وذلك على سبيل التهكم والسخرية والاستعلاء . وأبقى ، يعني أدوم .
لقد فعل فرعون الأثيم فعلته البشعة النكراء ؛ إذ قتل هؤلاء المؤمنين وهم ألوف . قتلهم ظلما وعدوانا ؛ فواجهوا ربهم شهداء ، وأفضوا إلى الفوز بالخلود في الجنة .
وهكذا يفعل الطغاة المتجبرون والعتاة المتسلطون الذين يتحكمون في رقاب العباد ؛ إذ يعوزهم المنطق الظاهر والحجة السليمة ؛ فإنهم حينئذ لا يجدون غير البطش والتنكيل بخصومهم سبيلا{[2970]} .