في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

ثم يزيد في تفظيع الفعلة وتبشيعها ، فيقطع ما بين فاعليها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة :

( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك . وحرم ذلك على المؤمنين ) . .

وإذن فالذين يرتكبون هذه الفعلة لا يرتكبونها وهم مؤمنون . إنما يكونون في حالة نفسية بعيدة عن الإيمان وعن مشاعر الإيمان . وبعد ارتكابها لا ترتضي النفس المؤمنة أن ترتبط في نكاح مع نفس خرجت عن الإيمان بتلك الفعلة البشعة ؛ لأنها تنفر من هذا الرباط وتشمئز . حتى لقد ذهب الإمام أحمد إلى تحريم مثل هذا الرباط بين زان وعفيفة ، وبين عفيف وزانية ؛ إلا أن تقع التوبة التي تطهر من ذلك الدنس المنفر . وعلى أية حال فالآية تفيد نفور طبع المؤمن من نكاح الزانية ، ونفور طبع المؤمنة من نكاح الزاني ؛ واستبعاد وقوع هذا الرباط بلفظ التحريم الدال على شدة الاستبعاد : ( وحرم ذلك على المؤمنين ) . . وبذلك تقطع الوشائج التي تربط هذا الصنف المدنس من الناس بالجماعة المسلمة الطاهرة النظيفة .

ورد في سبب نزول هذه الآية أن رجلا يقال له : مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة . وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها : عناق . وكانت صديقة له . وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله . قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة . قال : فجاءت عناق ، فأبصرت سواد ظل تحت الحائط . فلما انتهت إلي عرفتني . فقالت : مرثد ? فقلت : مرثد ! فقالت : مرحبا وأهلا . هلم فبت عندنا الليلة : قال : فقلت : يا عناق حرم الله الزنا . فقالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم . قال : فتبعني ثمانية ، ودخلت الحديقة . فانتهيت إلى غار أو كهف ، فدخلت ، فجاءوا حتى قاموا على رأسي ، فبالوا ، فظل بولهم على رأسي ، فأعماهم الله عني . قال : ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته ؛ وكان رجلا ثقيلا ؛ حتى انتهيت إلى الإذخر ؛ ففككت عنه أحبله ، فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة ؛ فأتيت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقلت : يا رسول الله أنكح عناقا ? - مرتين - فأمسك رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فلم يرد علي شيئا حتى نزلت( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ، وحرم ذلك على المؤمنين )فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " يا مرثد . الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة . فلا تنكحها " .

فهذه الرواية تفيد تحريم نكاح المؤمن للزانية ما لم تتب ، ونكاح المؤمنة للزاني كذلك . وهو ما أخذ به الإمام أحمد . ورأى غيره غير رأيه . والمسألة خلافية تطلب في كتب الفقه . وعلى أية حال فهي فعلة تعزل فاعلها عن الجماعة المسلمة ؛ وتقطع ما بينه وبينها من روابط . وهذه وحدها عقوبة اجتماعية أليمة كعقوبة الجلد أو أشد وقعا !

والإسلام وهو يضع هذه العقوبات الصارمة الحاسمة لتلك الفعلة المستنكرة الشائنة لم يكن يغفل الدوافع الفطرية أو يحاربها . فالإسلام يقدر أنه لا حيلة للبشر في دفع هذه الميول ، ولا خير لهم في كبتها أو قتلها . ولم يكن يحاول أن يوقف الوظائف الطبيعية التي ركبها الله في كيانهم ، وجعلها جزءا من ناموس الحياة الأكبر ، يؤدي إلى غايته من امتداد الحياة ، وعمارة الأرض ، التي استخلف فيها هذا الإنسان .

إنما أراد الإسلام محاربة الحيوانية التي لا تفرق بين جسد وجسد ، أو لا تهدف إلى إقامة بيت ، وبناء عش ، وإنشاء حياة مشتركة ، لا تنتهي بانتهاء اللحظة الجسدية الغليظة ! وأن يقيم العلاقات الجنسية على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية ، التي تجعل من التقاء جسدين نفسين وقلبين وروحين ، وبتعبير شامل التقاء إنسانين ، تربط بينهما حياة مشتركة ، وآمال مشتركة ، وآلام مشتركة ، ومستقبل مشترك ، يلتقي في الذرية المرتقبة ، ويتقابل في الجيل الجديد الذي ينشأ في العش المشترك ، الذي يقوم عليه الوالدان حارسين لا يفترقان .

من هنا شدد الإسلام في عقوبة الزنا بوصفه نكسة حيوانية ، تذهب بكل هذه المعاني ، وتطيح بكل هذه الأهداف ؛ وترد الكائن الإنساني مسخا حيوانيا ، لا يفرق بين أنثى وأنثى ، ولا بين ذكر وذكر . مسخا كل همه إرواء جوعة اللحم والدم في لحظة عابرة . فإن فرق وميز فليس وراء اللذة بناء في الحياة ، وليس وراءها عمارة في الأرض ، وليس وراءها نتاج ولا إرادة نتاج ! بل ليس وراءها عاطفة حقيقية راقية ، لأن العاطفة تحمل طابع الاستمرار . وهذا ما يفرقها من الانفعال المنفرد المتقطع ، الذي يحسبه الكثيرون عاطفة يتغنون بها ، وإنما هي انفعال حيواني يتزيا بزي العاطفة الإنسانية في بعض الأحيان !

إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها ؛ إنما ينظمها ويطهرها ، ويرفعها عن المستوى الحيواني ، ويرقيها حتى تصبح المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية . فأما الزنا - وبخاصة البغاء - فيجرد هذا الميل الفطري من كل الرفرفات الروحية ، والأشواق العلوية ؛ ومن كل الآداب التي تجمعت حول الجنس في تاريخ البشرية الطويل ؛ ويبديه عاريا غليظا قذرا كما هو في الحيوان ، بل أشد غلظا من الحيوان . ذلك أن كثيرا من أزواج الحيوان والطير تعيش متلازمة ، في حياة زوجية منظمة ، بعيدة عن الفوضى الجنسية التي يشيعها الزنا - وبخاصة البغاء - في بعض بيئات الإنسان !

دفع هذه النكسة عن الإنسان هو الذي جعل الإسلام يشدد ذلك التشديد في عقوبة الزنا . . ذلك إلى الأضرار الاجتماعية التي تعارف الناس على أن يذكروها عند الكلام عن هذه الجريمة ، من اختلاط الأنساب ، وإثارة الأحقاد ، وتهديد البيوت الآمنة المطمئنة . . . وكل واحد من هذه الأسباب يكفي لتشديد العقوبة . ولكن السبب الأول وهو دفع النكسة الحيوانية عن الفطرة البشرية ، ووقاية الآداب الإنسانية التي تجمعت حول الجنس ، والمحافظة على أهداف الحياة العليا من الحياة الزوجية المشتركة القائمة على أساس الدوام والامتداد . . هذا السبب هو الأهم في اعتقادي . وهو الجامع لكل الأسباب الفرعية الأخرى .

على أن الإسلام لا يشدد في العقوبة هذا التشديد إلا بعد تحقيق الضمانات الوقائية المانعة من وقوع الفعل ، ومن توقيع العقوبة إلا في الحالات الثابتة التي لا شبهة فيها . فالإسلام منهج حياة متكامل ، لا يقوم على العقوبة ؛ إنما يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة . ثم يعاقب بعد ذلك من يدع الأخذ بهذه الأسباب الميسرة ويتمرغ في الوحل طائعا غير مضطر .

وفي هذه السورة نماذج من هذه الضمانات الوقائية الكثيرة ستأتي في موضعها من السياق . .

فإذا وقعت الجريمة بعد هذا كله فهو يدرأ الحد ما كان هناك مخرج منه لقوله [ صلى الله عليه وسلم ] : ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطى ء في العفو خير من أن يخطى ء في العقوبة لذلك يطلب شهادة أربعة عدول يقرون برؤية الفعل . أو اعترافا لا شبهة في صحته .

وقد يظن أن العقوبة إذن وهمية لا تردع أحدا ، لأنها غير قابلة للتطبيق . ولكن الإسلام - كما ذكرنا - لا يقيم بناءه على العقوبة ، بل على الوقاية من الأسباب الدافعة إلى الجريمة ؛ وعلى تهذيب النفوس ، وتطهير الضمائر ؛ وعلى الحساسية التي يثيرها في القلوب ، فتتحرج من الإقدام على جريمة تقطع ما بين فاعلها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة . ولا يعاقب إلا المتبجحين بالجريمة ، الذين يرتكبونها بطريقة فاضحة مستهترة فيراها الشهود . أو الذين يرغبون في التطهر بإقامة الحد عليهم كما وقع لماعز ولصاحبته الغامدية . وقد جاء كل منهما يطلب من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أن يطهره بالحد ، ويلح في ذلك ، على الرغم من إعراض النبي مرارا ؛ حتى بلغ الإقرار أربع مرات . ولم يعد بد من إقامة الحد ، لأنه بلغ إلى الرسول بصفة مستيقنة لا شبهة فيها . والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : " تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب "

فإذا وقع اليقين ، وبلغ الأمر إلى الحاكم ، فقد وجب الحد ولا هوادة ، ولا رأفة في دين الله . فالرأفة بالزناة الجناة حينئذ هي قسوة على الجماعة ، وعلى الآداب الإنسانية ، وعلى الضمير البشري . وهي رأفة مصطنعة . فالله أرأف بعباده . وقد اختار لهم . وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم . والله أعلم بمصالح العباد ، وأعرف بطبائعهم ، فليس لمتشدق أن يتحدث عن قسوة العقوبة الظاهرية ؛ فهي أرأف مما ينتظر الجماعة التي يشيع فيها الزنا ، وتفسد فيها الفطرة ، وترتكس في الحمأة ، وتنتكس إلى درك البهيمة الأولى . .

والتشديد في عقوبة الزنا لا يغني وحده في صيانة حياة الجماعة ، وتطهير الجو الذي تعيش فيه . والإسلام لا يعتمد على العقوبة في إنشاء الحياة النظيفة - كما قلنا - إنما يعتمد على الضمانات الوقائية وعلى تطهير جو الحياة كلها من رائحة الجريمة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

3 - الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .

سبب نزول الآية :

وردت روايات عدة في سبب نزول هذه الآية ، ولا يبعد أن يكون هناك أكثر من سبب لنزول الآية ، فقد ذكر العلماء أنه إذا تعددت أسباب النزول ، وفيها الصحيح والضعيف ، أخذنا بالصحيح وتركنا الضعيف .

وإذا تعددت أسباب النزول وكلها صحيح ، وأمكن الجمع بينها لتقارب حدوثها ، حملنا ذلك على تعدد السبب والنازل واحد ، وهذه ثلاث روايات في سبب نزول الآية :

1 . روى الترمذي ، وأبو داود ، والنسائي ، عن عمر بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال :

كان رجل يقال له : مرثد بن أبي مرثد الغنوى ، وكان رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة ، قال : وكانت امرأة بغى بمكة ، يقال لها : عناق ، وكانت صديقة له في الجاهلية ، وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله ، قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة ، قال : فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط ، فلما انتهت إلي عرفتني ، فقالت : مرثد ؟ فقلت : ثريد . فقالت : مرحبا وأهلا ، هلم فبت عندنا الليلة ، فقلت : يا عناق حرم الله الزنا ، فقالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم . قال : فتبعني ثمانية ، ودخلت الحديقة فانتهيت إلى غار ، أو كهف ، فدخلت فيه ، فجاءوا حتى أقاموا على رأسي ، فبالوا فظل بولهم على رأسي ، فأعماهم الله عني ، ثم رجعوا ، فرجعت إلى صاحبي ، فحملته وكان رجلا ثقيلا ، حتى انتهيت إلى الأذخر ، ففككت عنه أحبله ، فجعلت أحمله ويعينني ، حتى أتيت به المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : يا رسول الله : أنكح عناقا ؟ أنكح عناقا ؟ مرتين ، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرد علي شيئا : حتى نزل : الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . . . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا مرثد ، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة فلا تنكحها )40 .

2 . وروى النسائي ، وأحمد ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال :

كانت امرأة يقال لها : أم مهزول ، وكانت تسافح – أي : تحترف البغاء – فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتزوجها ، واشترطت له أن تنفق عليه ، فأنزل الله – عز وجل – هذه الآية41 .

3 . روي أنها نزلت في جماعة من فقراء المهاجرين ، استأذنوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التزوج ببغايا من الكتابيات والإماء ، اللاتي كن بالمدينة ، فأنزل الله فيهم هذه الآية42 .

الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . . .

وللمفسرين في معنى هذه الآية أقوال شتى :

1- قال النسفي :

الخبيث الذي من شأنه الزنا ، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء ، وإنما يرغب في خبيثة من شكله ، أو في مشركة .

والخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال ، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين ، فالآية تزهيد في نكاح البغايا ، إذ الزنا عديل الشرك في القبح ، والإيمان قرين العفاف والتحصين ، وهو نظير قوله : الخبيثات للخبيثين . ( النور : 26 ) .

2 - وقيل :

إن الكلام نهي جيء به في صورة الخبر للمبالغة ، ويؤيده قراءة عمر بن عبيد : لا ينكح . بالجزم ، ويكون التحريم على ظاهره ، والإشارة إلى النكاح المفهوم من الفعل ، وكان الحكم كذلك في صدر الإسلام ثم نسخ ، قال سعيد بن المسيب : كان الحكم عاما في الزناة ألا يتزوج أحدهم إلا زانية ، ثم جاءت الرخصة ونسخ ذلك يقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم . . . ( النور : 32 ) . والزانية من أيامى المسلمين ، وبهذا القول قال مجاهد ، والشافعي ، والجبائي ، وغيرهم43 .

قال ابن عمر : دخلت الزانية في أيامى المسلمين . وقال أبو جعفر النحاس : وهذا القول عليه أكثر العلماء44 .

3 – ذهب الإمام أحمد إلى أن زواج الزاني المعروف بالفسوق باطل غير صحيح ، ولا يجوز نكاحه حتى يتوب ، وقد رجح ابن تيمية رأى الإمام أحمد .

وقال ابن تيمية : يدل قوله تعالى : الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً . على أن الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة ، وأن ذلك حرام على المؤمنين ، وليس هذا لمجرد كونه فاجرا ، بل لخصوص كونه زانيا ، وكذلك في المرأة ليس لمجرد فجورها بل لخصوص زناها ، بدليل أنه جعل المرأة زانية إذا تزوجت زانيا ، كما جعل الرجل زانيا إذا تزوج زانية ، هذا إذا كانا مسلمين يعتقدان تحريم الزنا ، وإذا كانا مشركين فينبغي أن يعلم ذلك ، ومضمونه أن الرجل الزاني لا يجوز نكاحه حتى يتوب ، وذلك بأن يوافق اشتراطه الإحصان ، والمرأة إذا كانت زانية لا تحصن فرجها عن غير زوجها ، بل يأتيها هو وغيره ، وإذا كان الزوج زانيا هو وغيره يشتركون في وطئها كما يشترك الزناة في المرأة الواحدة ، ولهذا يجب عليه نفي الولد الذي ليس منه ، فمن نكح زانية فهو زان ، أي تزوجها ، ومن نكحت زانيا فهي زانية ، أي تزوجته ، فإن كثيرا من الزناة قصروا أنفسهم على الزواني ، فتكون المرأة خدنا وخليلا له لا يأتي غيرها ، فالرجل إذا كان زانيا لا يعف امرأته ، وإذا لم يعفها تشوقت هي إلى غيره فزنت به ، كما هو الغالب على نساء الزواني ، أو من يلوط بالصبيان ، فإن نساءه يزنين ليقضين أربهن ووطرهن ، ويراغمن أزواجهن بذلك ، حيث لم يعفوا أنفسهم عن غير أزواجهم ، فهن أيضا لم يعففن أنفسهن عن غير أزواجهن ، ولهذا يقال : ( عفوا تعف نساؤكم وأبناؤكم ، وبروا آباءكم تبركم أبناؤكم ) وكما تدين تدان .

ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها ، فإن الرجل إذا رضى أن ينكح زانية ، رضى أن تزني امرأته ، والله تعالى قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة ، فأحدهما يحب لنفسه ما يحب للآخر ، فإذا رضيت المرأة أن تنكح زانيا ؛ فقد رضيت عمله ، وكذلك إن رضى الرجل أن ينكح زانية ؛ فقد رضى عملها ، ومن رضى الزنا كان بمنزلة الزاني ، فإن أصل الفعل هو الإرادة ، ولهذا جاء في الأثر : ( من غاب عن معصية فرضيها ؛ كان كمن شهدها أو فعلها ) .

وفي الحديث : ( المرء على دين خليله )45 وأعظم الخلة خلة الزوجين46 .

وفي الغالب أن الرجل لا يزني بغير امرأته إلا إذا أعجبه ذلك الغير ، فلا يزال يزني بمن يعجبه ، وتبقى امرأته بمنزلة المعلقة ، التي لا هي أيم ولا ذات زوج ، فيدعوها بذلك إلى الزنا ، ويكون الباعث لها على ذلك مقابلة زوجها على وجه القصاص ، مكايدة له ومغايظة ، فإنه لم يحفظ غيبتها لم تحفظ غيبته ، ولها في بضعه حق ، كما له في بضعها حق ، فإن كان من العادين ، لخروجه عما أباح الله لم يكن أحصن نفسه ، وأيضا فإن داعية الزنا تشتغل بمن يختاره من البغايا ، فلا تبقى داعيته إلى الحلال تامة ، ولا غيرته كافية في إحصانه المرأة ، فتكون عنده كالزانية المتخذة خدنا ، وهذه معان شريفة لا ينبغي إهمالها47 .

4 – جاء في تفسير القرطبي ما يأتي :

روى أن رجلا زنى بامرأة في زمن أبي كر – رضي الله عنه – فجلدهما مائة جلدة ، ثم زوج أحدهما من الآخر ، ونفاهما سنة ، وروى مثل ذلك عن عمر ، وابن مسعود ، وجابر – رضي الله عنهم – وقال ابن عباس : أوله سفاح وآخره نكاح . ومثل ذلك مثل رجل سرق من حائط ثمرة ، ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمرة ، فما سرق حرام وما اشترى حلال ، وبهذا أخذ الشافعي وأبو حنيفة ورأوا أن الماء لا حرمة له48 .

وروي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال : إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك ؛ فهما زانيان أبدا ، وبهذا أخذ مالك – رضي الله عنه – فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد ، لأن النكاح له حرمة ، ومن حرمته ألا يصب على ماء السفاح ، فيختلط الحرام بالحلال ، ويمتزج ماء المهانة بماء العزة49 .

5 – بدأت الآية هنا بالحديث عن الزاني ، وفي الآية السابقة بدأت بالحديث عن الزانية .

لأن الآية الثانية من سورة النور تتكلم عن حد الزناة ، والزنا من المرأة أشنع ، لما يترتب عليه من اختلاط الأنساب وغيره ، فقال : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مائَةَ جَلْدَةٍ . . .

أما الآية الثالثة فتتحدث عن الزواج ، والرجل فيه هو الأصل ، لأن إبداء الرغبة والتماس النكاح بالخطبة ، إنما يكون من الرجل لا من المرأة في مجرى العرف والعادة ، فبدأت الآية بالزاني لا بالزانية ، حيث قالت : الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .

6 – قال أبو الأعلى المودودي :

ومقصود الآية أن الفجار الذين يظهرون فجورهم ويعلنون خلاعتهم في المجتمع ، ليس الميل إليهم والاتصال بهم بصلة النكاح ، إلا ذنبا يجب أن يجتنبه أهل الإيمان ، لأن ذلك مما يشجع الفجار ، إذ إن الشريعة تريد أن تجعلهم في المجتمع عنصرا قبيحا يعافه الناس ، وكذلك ليس معنى الآية أن نكاح الزاني المسلم لامرأة مشركة ، أو نكاح الزانية المسلمة لرجل مشرك ، صحيح ، وإنما معنى الآية : أن الزنا فعل شنيع ، إذا ارتكبه أحد مع كونه مسلما ، لا يجدر بأن يرتبط بالصالحين الأعفاء ، من أفراد المجتمع ، بل عليه أن يرتبط إما بأمثاله من الزناة والفجار ، أو بالمشركين الذين لا يعتقدون أصلا بالأحكام الإلهية50 .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (3)

{ الزاني لا ينكح إلا زانية } الآية نزلت في قوم من فقراء المهاجرين هموا أن يتزوجوا بغايا كن بالمدينة لعيلتهم فأنزل الله تعالى تحريم ذلك لأنهن كن زانيات مشركات وبين أنه لا يتزوج بهن إلا زان أو مشرك وأن ذلك حرام على المؤمنين