علاج رواسب الجاهلية فيما يختص بالمرأة والأسرة هذا الدرس تكمله لما بدأت به السورة من علاج رواسب المجتمع الجاهلي ، فيما يختص بالمرأة والأسرة ؛ وفيما يختص بمعاملة الضعاف في المجتمع كاليتامى والأطفال . وتنقية المجتمع المسلم من هذه الرواسب ؛ من الجاهلية ، وإشفاق من كل ما كان فيها من تقاليد وعادات وأوضاع وأحكام . مع شدة إحساسهم بقيمة هذا التغيير الكامل الذي أنشأه الإسلام في حياتهم . أو بتعبير أدق بقيمة هذا الميلاد الجديد الذي ولدوه على يدي الإسلام .
وهنا نجد جزاء تطلعهم لله ، وجزاء حرارتهم ، وصدق عزيمتهم على الاتباع . . نجد جزاء هذا كله عناية من الله ورعاية . . بأنه سبحانه - بذاته العلية - يتولى إفتاءهم فيما يستفتون فيه :
( ويستفتونك في النساء . قل الله يفتيكم فيهن . . . ) . .
فهم كانوا يستفتون الرسول [ ص ] والله - سبحانه - يتفضل فيقول للنبي [ ص ] قل : إن الله يفتيكم فيهن وفي بقية الشؤون التي جاء ذكرها في الآية . وهي لفتة لها قيمتها التي لا تقدر ، في عطف الله سبحانه ، وتكريمه للجماعة المسلمة ؛ وهو يخاطبها بذاته ؛ ويرعاها بعينه ؛ ويفتيها فيما تستفتي ، وفيما تحتاج إليه حياتها الجديدة .
وقد تناولت الفتوى هنا تصوير الواقع المترسب في المجتمع المسلم من الجاهلية التي التقطه المنهج الرباني منها . كما تناولت التوجيه المطلوب ، لرفع حياة المجتمع المسلم وتطهيرها من الرواسب .
( قل الله يفتيكم فيهن ؛ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ، وترغبون أن تنكحوهن . والمستضعفين من الولدان . وأن تقوموا لليتامى بالقسط . . ) .
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية : كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه . فإذا فعل ذلك فلم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا . وإن كانت جميلة وهويها تزوجها ، وأكل مالها . وإن كانت دميمة منعها الرجال أبد حتى تموت . فإذا ماتت ورثها . فحرم الله ذلك ونهى عنه . . وقال في قوله : ( والمستضعفين من الولدان ) كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات . وذلك قوله : لا تؤتونهن ما كتب لهن . . فنهى الله عن ذلك ؛ وبين لكل ذي سهم سهمه فقال : للذكر مثل حظ الأنثيين ، صغيرا أو كبيرا . .
وقال سعيد بن جبير في قوله : ( وأن تقوموا لليتامى بالقسط ) . . كما إذا كانت ذات جمال وقال نكحتها واستأثرت بها ، كذلك وإذا لم تكن ذات مال ولا جمال فأنكحها واستأثر بها .
وعن عائشة - رضي الله عنها - : ويستفتونك في النساء . قل الله يفتيكم فيهن . - إلى قوله : ( وترغبون أن تنكحوهن ) قالت عائشة : هو الرجل تكون عنده اليتيمة ، هو وليها ووارثها ، فأشركته في ماله ، حتى في العذق ، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته ، فيعضلها فنزلت الآية [ أخرجه البخاري ومسلم ] .
وقال ابن أبي حاتم : قرأت مع محمد بن عبدالله بن عبد الحكم ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس عن ابن شهاب ، أخبرني عروة بن الزبير قالت عائشة : " ثم إن الناس استفتوا رسول الله [ ص ] بعد هذه الآية فيهن . فأنزل الله : ( ويستفتونك في النساء قل : الله يفتيكم فيهن ، وما يتلى عليكم في الكتاب ) . . . الآية . . قالت . والذي ذكر الله أنه يتلى في الكتاب : الآية الأولى التي قال الله : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء . . . ) . وبهذا الإسناد عن عائشة قالت : " وقول الله عز وجل :
( وترغبون أن تنكحوهن ) . . رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال . فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء - إلا بالقسط - من أجل رغبتهم هن " .
وظاهر من هذه النصوص ، ومن النص القرآني . ما كان عليه الحال في الجاهلية ؛ فيما يختص بالفتيات اليتيمات . فقد كانت اليتيمة تلقى من وليها الطمع والغبن : الطمع في مالها ، والغبن في مهرها - إن هو تزوجها - فيأكل مهرها ويأكل مالها . والغبن إن لم يتزوجها كراهية لها لأنها دميمة . ومنعها أن تتزوج حتى لا يشاركه زوجها فيما تحت يده من مالها !
كذلك كان الحال في الولدان الصغار والنساء ، إذ كانوا يحرمونهم من الميراث لأنهم لا يملكون القوة التي يدفعون بها عن ميراثهم ؛ أو أنهم غير محاربين ، فلا حق لهم في الميراث ، تحت تأثير الشعور القبلي ، الذي يجعل للمحاربين في القبيلة كل شيء . ولا شيء للضعاف !
وهذه التقاليد الشائهة البدائية ، هي التي أخذ الإسلام يبدلها ، وينشى ء مكانها تقاليد إنسانية راقية لا تعد - كما قلنا - مجرد وثبة ، أو نهضة ، في المجتمع العربي . إنما هي في حقيقتها نشأة أخرى ، وميلاد جديد ، وحقيقة أخرى لهذه الأمة غير حقيقتها الجاهلية !
والمهم الذي يجب أن نسجله : هو أن هذه النشأة الجديدة ، لم تكن تطورا مسبوقا بأية خطوات تمهيدية له ؛ أو أنه انبثق من واقع مادي تغير فجأة في حياة هذا الشعب !
فالنقلة من إقامة حقوق الإرث والملك على أساس حق المحارب إلى إقامتها على أساس الحق الإنساني ، وإعطاء الطفل واليتيمة والمرأة حقوقهم بصفتهم الإنسانية ، لا بصفتهم محاربين ! هذه النقلة لم تنشأ لأن المجتمع قد انتقل إلى أوضاع مستقرة لا قيمة فيها للمحاربين . ومن ثم قضى على الحقوق المكتسبة للمحاربين ، لأنه لم يعد في حاجة إلى تمييزهم !
كلا ! فقد كان للمحاربين في العهد الجديد قيمتهم كلها ؛ وكانت الحاجة إليهم ماسة ! ولكن كان هناك . . الإسلام . . كان هناك هذا الميلاد الجديد للإنسان . الميلاد الذي انبثق من خلال كتاب ؛ ومن خلال منهج ؛ فأقام مجتمعا جديدا وليدا . على نفس الأرض . وفي ذات الظروف . وبدون حدوث انقلاب لا في الإنتاج وأدواته ! ولا في المادة وخواصها ! وإنما مجرد انقلاب في التصور هو الذي انبثق منه الميلاد الجديد . وحقيقة أن المنهج القرآني قد كافح . وكافح طويلا . لطمس ومحو معالم الجاهلية في النفوس والأوضاع ، وتخطيط وتثبيت المعالم الإسلامية في النفوس والأوضاع . . وحقيقة كذلك أن رواسب الجاهلية ظلت تقاوم ؛ وظلت تعاود الظهور في بعض الحالات الفردية ؛ أو تحاول أن تعبر عن نفسها في صور شتى . .
ولكن المهم هنا : هو أن المنهج المتنزل من السماء ، والتصور الذي أنشأة هذا المنهج كذلك ، هو الذي كان يكافح " الواقع المادي " ويعدله ويبدله . . ولم يكن قط أن الواقع المادي أو " النقيض " الكامن فيه ؛ أو تبدل وسائل الإنتاج . . أو شيء من هذا " الهوس الماركسي " ! هو الذي اقتضى تغيير التصورات ومناهج الحياة ، وأوضاعها ، لتلائم هذا التبدل الذي تفرضه وسائل الإنتاج !
كان هناك فقط شيء جديد واحد في حياة هذا الشعب . . شيء هبط عليه من الملأ الأعلى . . فاستجابت له نفوس ، لأنه يخاطب فيها رصيد الفطرة ، الذي أودعه الله فيها . . ومن ثم وقع هذا التغيير . بل تم هذا الميلادالجديد للإنسان . الميلاد الذي تغيرت فيه ملامح الحياة كلها . . في كل جانب من جوانبها . . عن الملامح المعهودة في الجاهلية ! ! !
ومهما يكن هناك من صراع قد وقع بين الملامح الجديدة والملامح القديمة . ومهما يكن هناك من آلام للمخاض وتضحيات . . فقد تم هذا كله . لأن هناك رسالة علوية ؛ وتصورا اعتقاديا ؛ هو الذي كان له الأثر الأول والأثر الأخير في هذا الميلاد الجديد . الذي لم تقتصر موجته على المجتمع الإسلامي ؛ ولكن تعدته كذلك إلى المجتمع الإنساني كله
ومن ثم ينتهي هذا النص القرآني الذي يفتي فيه الله المؤمنين ، فيما يستفتون فيه الرسول [ ص ] في أمر النساء ، ويقص عليهم حقوق اليتيمات ، وحقوق الولدان الضعاف . . ينتهي بربط هذه الحقوق وهذه التوجيهات كلها ، بالمصدر الذي جاء من عنده هذا المنهج :
وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليمًا . .
فهو غير مجهول ، وهو غير ضائع . . وهو مسجل عندالله . ولن يضيع خير سجل عند الله .
وهذا هو المرجع الأخير الذي يعود إليه المؤمن بعمله ، والجهة الوحيدة التي يتعامل معها في نيته وجهده . وقوة هذا المرجع ، وسلطانه ، هي التي تجعل لهذه التوجيهات ولهذا المنهج قوته وسلطانه في النفوس ، وفي الأوضاع وفي الحياة .
إنه ليس المهم أن تقال توجيهات ؛ وأن تبتدع مناهج ؛ وأن تقام أنظمة . . إنما المهم هو السلطان الذي ترتكن إليه تلك التوجيهات والمناهج والأنظمة . السلطان الذي تستمد منه قوتها ونفاذها وفاعليتها في نفوس البشر . . وشتان بين توجيهات ومناهج ونظم يتلقاها البشر من الله ذي الجلال والسلطان ، وتوجيهات ومناهج ونظم يتلقونها من العبيد أمثالهم من البشر ! ذلك على فرض تساوي هذه وتلك في كل صفة أخرى وفي كل سمة ؛ وبلوغهما معا أوجا واحدا - وهو فرض ظاهر الاستحالة . ألا إنه ليكفي أن أشعر ممن صدرت هذه الكلمة ، لأعطيها في نفسي ما تستحقه من مكان . . ولتفعل في نفسي ما تفعله كلمة الله العلي الأعلى . أو كلمة الإنسان ابن الإنسان !
يتامى النساء : اللائي لا حول لهن .
وترغبون أن تنكحوهن : تطمعون في مالهن من الميراث والصداق ، فتتزوجونهن لذلك ، أو تمنعونهن من الزواج ، وتعضلونهن لذلك .
والمستضعفين من الوالدان : الأطفال اليتامى .
127- وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء . . . الآية .
الربط : في هذه الآية- وما تلاها- رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء واليتامى . وكان المسلمون قد بقيت لهم أحكام ، سبق لهم السؤال عنها ، فلم يجبهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- انتظارا للوحي .
روى أشهب عن مالك رضي الله عنهما ، قال : كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يسأل فلا يجيب ، حتى ينزل عليه الوحي ، وذلك في كتاب الله : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ، ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير . ( البقرة : 220 ) ويسألونك عن الخمر والميسر . ( البقرة119 ) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ . ( طه : 105 ) .
أخرج ابن جرير ، وابن منذر ، عن ابن جبير ، قال : كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه ، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئا ، فلما نزلت المواريث في سورة النساء ؛ شق ذلك على الناس ، وقالوا : أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال ، والمرأة التي هي كذلك ، فيرثان كما يرث الرجل ؟ ! فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء . فانتظروا ، فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا : لئن ثم هذا ، إنه لواجب ما عنه بد ثم قالوا : سلوا . . . فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وروى غير ذلك في سبب النزول ورجح هذا شيخ الإسلام : أبو السعود ، كما قاله الألوسي .
ونحن نقول : إن شبب النزول لا يقتضي أنهم لم يسألوا إلا عما جاء فيه ، بل سألوا عن غيره أيضا ، ولهذا تضمنت الفتوى جواب سؤالهم الوارد في سبب النزول ، كما تضمنت عدة أحكام ، ستأتي في الآيات التالية ، تتعلق بأمر النساء .
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء .
المعنى : ويستفتيك المسلمون- يا محمد- في أحكام الإناث ، فيطلبون منك بيان ما يشكل عليهم من أحكامهن ، مما يجب لهن أو عليهن .
قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ .
المعنى : قل الله يفتيكم في حكمهن ويبينه لكم . وكذا ما يتلى في أمرهن ، مما سبق نزوله قبل هذه الآية ، فهو أيضا يفتيكم . و يبين لكم الحكم الشرعي الذي تسألون عنه .
والمقصود من الآية الكريمة : أن الله سيفتيكم- مستقبلا- فيما لم ينزل حكمه من شأن النساء ، وأن ما سبق نزوله فيهن ويتلى عليكم . تظل الفتيا أيضا في أمرهن ، فيكتمل بالفتاوى- السابقة واللاحقة المشروعة .
وقد أشار المولى سبحانه بقوله :
وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء . . . الآية . إلى ما سبق في صدر هذه السورة عنهن وعن المستضعفين من الوالدان ابتداء من قوله : وءاتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب . . . إلى آخر آيتي المواريث .
فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنّ . . . أي : ويفتيكم أيضا فيما يتلى عليكم في شأن يتامى الإناث اللاتي لا تؤتونهن- أيها الأولياء- ما كتب لهن من الميراث والصداق ، وقد رغبتم في الزواج بهن ؛ طمعا في الميراث والصداق فقد اوجب عليكم فيما نزل بشأنهن أول السورة- أن تسقطوا في شأنهن ، بألا تطمعوا في أموالهن الموروثة ، وأن تعطوهن من الصداق أعلى سنتهن ، وتعدلوا بينهن وبين ضراتهن : في القسم والنفقة وحسن العشرة . .
أو يكون المعنى : وإن أنتم رغبتم عن الزواج بهن ، فلا تعضلونهن عن الزواج بغيركم ؛ طمعا في أموالهن .
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ . أي : ويفتكم فيما يتلى عليكم في شأن المستضعفين من الأولاد والصغار اليتامى : ذكورا وإناثا . فقد أوجب عليكم- فيما سبق- أن تحافظوا على أموالهم ، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ، وأفهمكم أن أكل أموالهم ذنب كبير ، وأوجب عليكم أن تؤدوا أموالهم إليهم عند بلوغهم رشدهم دون مماطلة .
وبالجملة : فقد أوجب عليكم- هنا وفيما مر في صدر هذه السورة- أن تقوموا لليتامى بالقسط والعدل ، في أمرهم كله . فلا تحاولوا أن تعودوا لما كنتم عليه في الجاهلية ، من توريث الرجال الذين يدافعون عن القبيلة وحرمان الصغار والنساء ، فذلك جور لا يوافق عليه الإسلام ولا يقره .
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيما . . . أي : وما تفعلوا- أيها الأولياء- من خير في حقوق من تقدم ذكرهم ، فإن الله كان به عليما قبل أن يخلقكم ، كما هو عليم به عند فعلكم له فيجزيكم عليه خير الجزاء .
وإنما اقتصرت الآية على ما يفعلونه من الخير ، مع انه يعلم ما يفعلونه من شر أيضا ، ويجازي عليه بمثله ؛ للإيذان بأن الشر لا ينبغي أن يقع منهم وتحريضا على فعل الخير والاستدامة عليه .
وتكرار هذه الوصية باليتامى والنساء الضعاف- مع ما سبق في أول السورة- لا جتثاث ما عسى أن يكون عالقا بالرجال من أطماع في أموال الضعاف من اليتامى النساء والوالدان .