في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (110)

فأما سائر الرسل - غير عيسى عليه السلام - فقد صدق بهم من صدق ، وقد كفر بهم من كفر ؛ ولقد انتهى أمرهم بهذا الجواب الكامل الشامل ، الذي يدع العلم كله لله ، ويدع الأمر كله بين يديه . سبحانه . . فما يزيد السياق شيئا في هذا المشهد عنهم . . إنما يلتفت بالخطاب إلى عيسى بن مريم وحده ، لأن عيسى بن مريم هو الذي فتن قومه فيه ، وهو الذي غام الجو حوله بالشبهات ، وهو الذي خاض ناس في الأوهام والأساطير حول ذاته ، وحول صفاته ، وحول نشأته ومنتهاه .

يلتفت الخطاب إلى عيسى بن مريم - على الملأ ممن ألهوه وعبدوه وصاغوا حوله وحول أمه - مريم - التهاويل . . يلتفت إليه يذكره نعمة الله عليه وعلى والدته ؛ ويستعرض المعجزات التي آتاها الله إياه ليصدق الناس برسالته ، فكذبه من كذبه منهم أشد التكذيب وأقبحه ؛ وفتن به وبالآيات التي جاءت معه من فتن ؛ وألهوه مع الله من أجل هذه الآيات ، وهي كلها من صنع الله الذي خلقه وأرسله وأيده بالمعجزات :

( إذ قال الله : يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك . إذ أيدتك بروح القدس ، تكلم الناس في المهد وكهلا . وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل . وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ، فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني . وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني . وإذ تخرج الموتى بإذني . وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم : إن هذا إلا سحر مبين . وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ، قالوا : آمنا واشهد بأننا مسلمون ) . .

إنها المواجهة بما كان من نعم الله على عيسى بن مريم وأمه . . من تأييده بروح القدس في مهده ، وهو يكلم الناس في غير موعد الكلام ؛ يبرى ء أمه من الشبهة التي أثارتها ولادته على غير مثال ؛ ثم وهو يكلمهم في الكهولة يدعوهم إلى الله . . وروح القدس جبريل - عليه السلام - يؤيده هنا وهناك . . ومن تعليمه الكتاب والحكمة ؛ وقد جاء إلى هذه الأرض لا يعلم شيئا ، فعلمه الكتابة وعلمه كيف يحسن تصريف الأمور ، كما علمه التوراة التي جاء فوجدها في بني إسرائيل ، والإنجيل الذي آتاه إياه مصدقا لما بين يديه من التوراة . ثم من إيتائه خارق المعجزات التي لا يقدر عليها بشر إلا بإذن الله . فإذا هو يصور من الطين كهيئة الطير بإذن الله ؛ فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله - لا ندري كيف لأننا لا ندري إلى اليوم كيف خلق الله الحياة ، وكيف يبث الحياة في الأحياء - وإذا هو يبرى ء المولود أعمى - بإذن الله - حيث لا يعرف الطب كيف يرد إليه البصر - ولكن الله الذي يهب البصر أصلا قادر على أن يفتح عينيه للنور - ويبرى ء الأبرص بإذن الله ، لا بدواء - والدواء وسيلة لتحقيق إذن الله في الشفاء ، وصاحب الإذن قادر على تغيير الوسيلة ، وعلى تحقيق الغاية بلا وسيلة - وإذا هو يحيي الموتى بإذن الله - وواهب الحياة أول مرة قادر على رجعها حين يشاء - ثم يذكره بنعمة الله عليه في حمايته من بني إسرائيل إذ جاءهم بهذه البينات كلها فكذبوه وزعموا أن معجزاته هذه الخارقة سحر مبين ! ذلك أنهم لم يستطيعوا إنكار وقوعها - وقد شهدتها الألوف - ولم يريدوا التسليم بدلالتها عنادا وكبرا . . حمايته منهم فلم يقتلوه - كما أرادوا ولم يصلبوه . بل توفاه الله ورفعه إليه . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} (110)

المفردات :

بروح القدس : هو ملك الوحي ، جبريل عليه السلام .

الكتاب : الكتب السماوية ، أو الكتابة .

والحكمة : العلم الصحيح الذي يبعث الإنسان على إصابة الحق ؛ في الرأي والقول والعمل .

والتوراة : الكتاب الذي أنزله الله على موسى ، أساسا لشريعته . وينطبق عليه ما انطبق على التوراة في التسمية .

تخلق : تصور .

الأكمه : من ولد أعمى .

والأبرص : المريض ببياض الجلد . والبرص : مرض جلدي يغير لون البشرة إلى البياض .

سحر مبين : السحر ؛ تمويه وتخييل . به يرى الإنسان الشيء على غير حقيقته .

110- إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك إذ أيدتك بروح القدس . . . الآية .

يستمر هذا الدرس في بيان حقيقة الألوهية ، ويستعرض ذلك في مشهد من مشاهد القيامة ويذكر عيسى هنا حيث أن الناس قد أسرفوا في القول حوله .

قال صاحب الظلال :

يلتفت الخطاب إلى عيسى ابن مريم على الملإ ممن ألهوه وعبدوه وصاغوا حوله وحول أمه مريم التهاويل يلتفت إليه يذكره نعمة الله عليه ، وعلى والدته ، ويستعرض المعجزات التي آتاه الله إياها ، ليصدق الناس برسالته ( 38 ) .

وقال ابن كثير قوله : اذكر نعمتي عليك . أي في خلقي إياك من أم بلا ذكر ، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي . وعلى والدتك . حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة . إذ أيدتك بروح القدس . وهو جبريل ، وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك ، وكبرك ، فأنطقتك في المهد صغيرا فشهدت ببراءة أمك من كل عيب واعترفت لي بالعبودية .

تكلم الناس في المهد و كهلا . أي تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك ، وضمن تكلم معنى تدعو ، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب ( 39 ) .

وروح القدس جبريل عليه السلام يؤيده في المهد بالنطق السليم ويؤيده في الكهولة بالتثبيت .

وقيل المراد بروح القدس روح عيسى حيث أيده سبحانه بطبيعة روحانية مطهرة في وقت سادت فيه المادية وسيطرت .

وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل .

يبين الحق سبحانه عددا من النعم على عيسى فقد جاء إلى الأرض لا يعلم شيئا فعلمه الكتابة ، أي أن عيسى لم يكن أميا ، بل كان قارئا وكاتبا ، وقيل المراد به ما سبقه من كتب النبيين كزبور داود وصحف إبراهيم ، أي جنس الكتاب فيشمل الكتب السابقة لأنها جميعا متفقة في أصول الشريعة .

وعلمتك . الحكمة . أي سداد الرأي ، وإصابة الحق ، وفهم أسرار العلوم .

والتوراة . التي أنزلتها على موسى .

والإنجيل . الذي أنزلته عليك لتكتمل بهما رسالتك .

وخصصهما بالذكر ، لأنهما أهم الكتب التي أنزلها الله على أنبياء بني إسرائيل ، ومنهما تؤخذ شريعة عيسى . وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني .

وهذه معجزة خارقة للعادة لا يقدر عليها بشر إلا بإذن الله فكان عيسى عليه السلام يصور من الطين مثل صورة الطير بأمر الله وتيسيره ، ثم ينفخ في هذه الصورة فتكون طيرا حقيقيا بتيسير الله . ليكون ذلك آية تدل على صدقه .

وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني .

وتذكر يا عيسى نعمتي عليك ، حين تبرئ الأكمه – وهو من ولد أعمى – فتمنحه الإبصار بإذن الله وتيسيره .

وتبرئ ( الأبرص ) وهو المريض بهذا المرض العضال . بإذني . وإذ تخرج الموتى بإذني .

واذكر وقت أن جعلت من معجزاتك أن تخرج الموتى من القبور أحياء ينطقون ويتحركون . . وكل ذلك بإذني ومشيئتي وإرادتي وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياء الموتى كان عن طريق الدعاء ، وكان دعاؤه : يا حي يا قيوم ، وذكروا من بين من أحياهم سام بن نوح ( 40 ) .

وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين .

من الله على عيسى بالعديد من النعم ، وهنا ذكره بنعمته وقت أن صرف عنه أذى اليهود حين جاءهم بالمعجزات الواضحات سواء ما ذكر منها هنا ، أم في موضع آخر ، كإخبارهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، فقال الكافرون منهم ، ما هذا الذي جئت به إلا سحر بين واضح .