ثم يمضي السياق إلى مشاهد الحياة المتفتحة في جنيات الأرض . تراها الأعين ، وتستجليها الحواس ، وتتدبرها القلوب . وترى فيها بدائع صنع الله . . والسياق يعرضها - كما هي في صفحة الكون - ويلفت إليها النظر في شتى أطوارها ، وشتى أشكالها ، وشتى أنواعها ؛ ويلمس الوجدان بما فيها من حياة نامية ، ودلالة على القدرة التي تبدع الحياة ؛ كما يوجه القلب إلى استجلاء جمالها والاستمتاع بهذا الجمال :
( وهو الذي أنزل من السماء ماء ، فأخرجنا به نبات كل شيء . فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا . ومن النخل من طلعها قنوان دانية . وجنات من أعناب والزيتون والرمان ، مشتبها وغير متشابه . انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه . إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) . .
والماء كثيرا ما يذكر في القرآن في صدد ذكر الحياة والإنبات .
( وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ) . .
ودور الماء الظاهر في إنبات كل شيء دور واضح يعلمه البدائي والمتحضر ، ويعرفه الجاهل والعالم . . ولكن دور الماء في الحقيقة أخطر وأبعد مدى من هذا الظاهر الذي يخاطب به القرآن الناس عامة . فقد شارك الماء ابتداء - بتقدير الله - في جعل تربة الأرض السطحية صالحة للإنبات [ إذا صحت النظريات التي تفترض أن سطح الأرض كان في فترة ملتهبا ، ثم صلبا لا توجد فيه التربة التي تنبت الزرع ، ثم تم ذلك بتعاون الماء والعوامل الجوية على تحويلها إلى تربة لينة ] ثم ظل الماء يشارك في إخصاب هذه التربة ، وذلك بإسقاط [ النتروجين - الأزوت ] من الجو كلما أبرق فاستخلصت الشرارة الكهربائية ، التي تقع في الجو ، النتروجين الصالح للذوبان في الماء ويسقط مع المطر ، ليعيد الخصوبة إلى الأرض . . وهو السماد الذي قلد الإنسان القوانين الكونية في صنعه ، فأصبح يصنعه الآن بنفس الطريقة ! وهو المادة التي يخلو وجه الأرض من النبات لو نفدت من التربة !
( فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا . ومن النخل من طلعها قنوان دانية . وجنات من أعناب . والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه ) . .
وكل نبت يبدأ أخضر . واللفظ ( خضر ) أرق ضلا ، وأعمق ألفة من لفظ " أخضر " . . هذا النبت الخضر ( يخرج منه حبا متراكبًا ) . . كالسنابل وأمثالها . ( ومن النخل من طلعها قنوان دانية ) . . وقنوان جمع قنو وهو الفرع الصغير . وفي النخلة هو العذق الذي يحمل الثمر . ولفظة ( قنوان ) ووصفها( دانية ) يشتركان في إلقاء ظل لطيف أليف . وظل المشهد كله ظل وديع حبيب . . ( وجنات من أعناب ) . . ( والزيتون والرمان ) . هذا النبات كله بفصائله وسلالاته – ( مشتبها وغير متشابه )- ( انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه ) . . انظروا بالحس البصير ، والقلب اليقظ . . انظروا إليه في ازدهاره ، وازدهائه ، عند كمال نضجه . انظروا إليه واستمتعوا بجماله . . لا يقول هنا ، كلوا من ثمره إذا أثمر ، ولكن يقول : ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ) لأن المجال هنا مجال جمال ومتاع ، كما أنه مجال تدبر في آيات الله ، وبدائع صنعته في مجالي الحياة .
( إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) . .
فالإيمان هو الذي يفتح القلب ، وينير البصيرة ، وينبه أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة ، ويصل الكائن الإنساني بالوجود ، ويدعو الوجدان إلى الإيمان بالله خالق الجميع . . وإلا فإن هناك قلوبا مغلقة ، وبصائر مطموسة ، وفطرا منتكسة ، تمر بهذا الإبداع كله ، وبهذه الآيات كلها ، فلا تحس بها ولا تستجيب . . ( إنما يستجيب الذين يسمعون ) ، وإنما يدرك هذه الآيات الذين يؤمنون !
خضرا : أي شيئا أخضر ، يقال هو أخضر وخضر .
قنوان : القنو ما يحمل من التمر ، وهو كالعنقود للعنب .
مشتبها وغير متشابه : بعضه متشابه في الهيئة والطعم ، وبعضه غير متشابه .
إذا أثمر : إذا أخرج ثمره صغيرا .
وينعه : أي وانظروا إلى حالته حينما ينضج .
99- وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء . . . الآية .
هذا تذكير بنعمة أخرى من نعم الله الجليلة ، الدالة على كمال قدرته .
والمعنى : وهو سبحانه الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا بسبب ذلك كل صنف من أصناف النبات والثمار المختلفة في الكم والكيف والطعوم والألوان .
قال تعالى : وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون . . . ( الرعد : 4 ) .
هذا تفصيل لأنواع ما يخرج من الأرض ، أي فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له ، نباتا غضا أخضر ، وهو ما تشعب من أصل النبات من الحبة .
أي نخرج من ذلك النبات الأخضر حبا ركب بعضه فوق بعض كما في السنبل من القمح والشعير .
ومن النخل من طلعها قنوان دانية .
الطلع : أول ما يخرج ويبدو من ثمر النخل كالكيزان ، أي ويخرج بأمر الله تعالى من طلع النخل عذوقه وهي عناقيد البلح .
والقنوان جمع قنو وهو العرجون بما فيه الشماريخ ، والدانية القريبة التي ينالها القائم والقاعد .
قال الزجاج : المعنى منها دانية ، ومنها بعيدة ، فحذف الثانية .
وفي التفسير الوسيط : أي : ومن طلع النخل ، قنوان يحمل تمرها ويكون في متناول الأيدي وهو الداني القريب ، أو في غير متناول الأيدي وهو البعيد ، ونبه على الأولى لزيادة النعمة فيها .
هذه الجملة معطوفة على نبات كل شيء .
أي فأخرجنا بهذا الماء نبات كل شيء وأخرجنا به جنات كائنة من أعناب .
والتمر والعنب هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز وربما كانا خيار الثمار في الدنيا ، قال تعالى : وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب .
والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه .
أي وأخرجنا الزيتون والرمان متشابها في الحجم واللون وغير متشابه في الطعم . مما يدل على كمال القدرة وحكمة المبدع الخالق جل جلاله .
انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه .
أي أنظروا نظر اعتبار إلى ثمر الزيتون والرمان إذا أخرج ثمره ، كيف يخرجه ضئيلا لا يكاد ينتفع به ، وإلى ينعه . أي وإلى حال إدراكه ونضجه حيث يصبح ذا نفع عظيم ولذة كاملة وملاءمة للجسم كل الملاءمة .
إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون .
إن فيما ذكرنا من أنواع النبات والثمار وفيما أمرتم بالنظر إليه لدلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم ، لقوم يؤمنون ، ويصدقون أن الذي أخرج أنواع النبات والثمار المشاهدة أمامكم قادر على البعث والنشور وإحياء الموتى للحساب والجزاء .
ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير . ( فصلت : 39 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.