ولماذا يتولون أعداءهم هؤلاء ، وليس لديهم علم ولا لهم قوة . فالله لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم فيطلعهم على غيبه . والله لا يتخذهم عضدا فتكون لهم قوة :
ما أشهدتم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ، وما كنت متخذ المضلين عضدا . .
إنما هو خلق من خلق الله ، لا يعلمون غيبه ، ولا يستعين بهم سبحانه . .
( وما كنت متخذ المضلين عضدا ) فهل يتخذ الله سبحانه غير المضلين عضدا ?
وتعالى الله الغني عن العالمين ، ذو القوة المتين . . إنما هو تعبير فيه مجاراة لأوهام المشركين لتتبعها واستئصالها . فالذين يتولون الشيطان ويشركون به مع الله ، إنما يسلكون هذا المسلك توهما منهم أن للشيطان علما خفيا ، وقوة خارقة . والشيطان مضل ، والله يكره الضلال والمضلين . فلو أنه - على سبيل الفرض والجدل - كان متخذا له مساعدين ، لما اختارهم من المضلين !
قوله تعالى : " ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم " قيل : الضمير عائد على إبليس وذريته ، أي لم أشاورهم في خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ، بل خلقتهم على ما أردت . وقيل : ما أشهدت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض " ولا خلق أنفسهم " أي أنفس المشركين فكيف اتخذوهم أولياء من دوني ؟ . وقيل : الكناية في قوله : " ما أشهدتهم " ترجع إلى المشركين ، وإلى الناس بالجملة ، فتضمن الآية الرد على طوائف من المنجمين وأهل الطبائع والمتحكمين من الأطباء وسواهم من كل من ينخرط في هذه الأشياء . وقال ابن عطية : وسمعت أبي رضي الله عنه يقول سمعت الفقيه أبا عبدالله محمد بن{[10574]} معاذ المهدي بالمهدية يقول : سمعت عبد الحق الصقلي يقول هذا القول ، ويتأول هذا التأويل في هذه الآية ، وأنها رادة على هذه الطوائف ، وذكر هذا بعض الأصوليين . قال ابن عطية وأقول : إن الغرض المقصود أولا بالآية هم إبليس وذريته ، وبهذا الوجه يتجه الرد على الطوائف المذكورة ، وعلى الكهان والعرب والمعظمين للجن ، حين يقولون : أعوذ بعزيز هذا الوادي ؛ إذ الجميع من هذه الفرق متعلقون بإبليس وذريته وهم أضلوا الجميع ، فهم المراد الأول بالمضلين ، وتندرج هذه الطوائف في معناهم .
قال الثعلبي : وقال بعض أهل العلم " ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض " رد على المنجمين أن قالوا : إن الأفلاك تحدث في الأرض وفي بعضها في بعض ، وقوله : " والأرض " رد على أصحاب الهندسة حيث قالوا : إن الأرض كريّة والأفلاك تجري تحتها ، والناس ملصقون عليها وتحتها ، وقوله : " ولا خلق أنفسهم " رد على الطبائعيين حيث زعموا أن الطبائع هي الفاعلة في النفوس . وقرأ أبو جعفر " ما أشهدناهم " بالنون والألف على التعظيم . الباقون بالتاء بدليل قوله : " وما كنت متخذ " يعني ما استعنتهم على خلق السماوات والأرض ولا شاورتهم . " المضلين " يعني الشياطين . وقيل : الكفار . " عضدا " أي أعوانا يقال : اعتضدت بفلان إذا استعنت به وتقويت والأصل فيه عضد اليد ، ثم يوضع موضع العون ؛ لأن اليد قوامها العضد . يقال : عضده وعاضده على كذا إذا أعانه وأعزه . ومنه قوله : " سنشد عضدك بأخيك{[10575]} " [ القصص : 35 ] أي سنعينك بأخيك . ولفظ العضد على جهة المثل ، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عون أحد . وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ . وقرأ أبو جعفر الجحدري " وما كنت " بفتح التاء أي وما كنت يا محمد متخذ المضلين عضدا . وفي عضد ثمانية أوجه : " عضدا " بفتح العين وضم الضاد وهي قراءة الجمهور ، وأفصحها . و " عَضْدا " بفتح العين وإسكان الضاد ، وهي لغة بني تميم . و " عُضُدا " بضم العين والضاد ، وهي قراءة أبي عمرو والحسن . و " عُضْدا " بضم العين وإسكان الضاد ، وهي قراءة عكرمة . و " عِضَدا " بكسر العين وفتح الضاد ، وهي قراءة الضحاك . و " عَضَدا " بفتح العين والضاد وهي قراءة عيسى بن عمر . وحكى هارون القارئ " عَضِدا " واللغة الثامنة " عِضْدا " على لغة من قال : كتف وفخذ .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.