فأما الساعة فهي الموعد المرتقب للجزاء الكامل العادل ، الذي تتوجه إليه النفوس فتحسب حسابه ؛ وتسير في الطريق وهي تراقب وتحاسب وتخشى الانزلاق . . والله سبحانه يؤكد مجيئها : ( إن الساعة آتية )وأنه يكاد يخفيها . فعلم الناس بها قليل لا يتجاوز ما يطلعهم عليه من أمرها بقدر ما يحقق حكمته من معرفتهم ومن جهلهم . . والمجهول عنصر أساسي في حياة البشر وفي تكوينهم النفسي . فلا بد من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه . ولو كان كل شيء مكشوفا لهم - وهم بهذه الفطرة - لوقف نشاطهم وأسنت حياتهم . فوراء المجهول يجرون . فيحذرون ويأملون ، ويجربون ويتعلمون . ويكشفون المخبوء من طاقاتهم وطاقات الكون من حولهم ؛ ويرون آيات الله في أنفسهم وفي الآفاق ؛ ويبدعون في الأرض بما شاء لهم الله أن يبدعوا . . وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد ، يحفظهم من الشرود ، فهم لا يدرون متى تأتي الساعة ، فهم من موعدها على حذر دائم وعلى استعداد دائم . ذلك لمن صحت فطرته واستقام .
قوله تعالى : " إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى " آية مشكلة ، فروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ " أكاد أخفيها " بفتح الهمزة ، قال : أظهرها . " لتجزى " أي الإظهار للجزاء ، رواه أبو عبيد عن الكسائي عن محمد بن سهل عن وقاء بن إياس عن سعيد بن جبير وقال النحاس : وليس لهذه الرواية طريق غير هذا . قلت : وكذا رواه أبو بكر الأنباري في كتاب الرد ، حدثني أبي حدثنا محمد بن الجهم حدثنا الفراء حدثنا الكسائي ، ح - وحدثنا عبدالله بن ناجية ، حدثنا يوسف حدثنا يحيى الحماني حدثنا محمد بن سهل . قال النحاس : وأجود من هذا الإسناد ما رواه يحيى القطان عن الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير : أنه قرأ " أكاد أخفيها " بضم الهمزة . قلت : وأما قراءة ابن جبير " أخفيها " بفتح الهمزة بالإسناد المذكور فقال أبو بكر الأنباري : قال الفراء معناه أظهرها ، من خفيت الشيء أخفيه إذا أظهرته . وأنشد الفراء لامرئ القيس :
فإن تدفنوا الداء لا نَخْفِهِ *** وإن تَبْعَثُوا الحرب لا نقعُد
أراد : لا نظهره ، وقد قال بعض اللغويين : يجوز أن يكون " أخفيها " بضم الهمزة معناه أظهرها ؛ لأنه يقال : خفيت الشيء وأخفيته إذا أظهرته ، فأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار . وقال أبو عبيدة : خفيت وأخفيت بمعنى واحد النحاس : وهذا حسن ، وقد حكاه عن أبي الخطاب{[11032]} وهو رئيس من رؤساء اللغة لا يشك في صدقه ، وقد روى عنه سيبويه وأنشد :
وإن تكتموا الداء لا نُخْفِهِ *** وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
كذا رواه أبو عبيدة عن أبي الخطاب بضم النون . وقال امرؤ القيس أيضا :
خَفَاهُنَّ من أنفاقهن كأنما *** خفاهُنَّ وَدْقٌ من عَشِيٍّ مُجَلَّبِ{[11033]}
أي أظهرهن . وروى : " من سحاب مركب " بدل " من عشي مجلب " . وقال أبو بكر الأنباري وتفسير للآية آخر : " إن الساعة آتية أكاد " انقطع الكلام على " أكاد " وبعده مضمر أكاد آتي بها ، والابتداء " أخفيها لتجزى كل نفس " قال ضابئ البرجمي{[11034]} :
هممتُ ولم أفعل وكدت وليتني *** تركتُ على عثمانَ تبكي حلائلُه
أراد وكدت أفعل ، فأضمر مع كدت فعلا كالفعل المضمر معه في القرآن .
قلت : هذا الذي اختاره النحاس ، وزيف القول الذي قبله فقال يقال : خفي الشيء يخفيه إذا أظهره ، وقد حكى أنه يقال : أخفاه أيضا إذا أظهره ، وليس بالمعروف ، قال : وقد رأيت علي بن سليمان لما أشكل عليه معنى " أخفيها " عدل إلى هذا القول ، وقال معناه كمعنى " أخفيها " . قال النحاس : ليس المعنى على أظهر ولا سيما و " أخفيها " قراءة شاذة ، فكيف ترد القراءة الصحيحة الشائعة إلى الشاذة ، والمضمر أولى ، ويكون التقدير : إن الساعة آتية أكاد آتي بها ، ودل " آتية " على أتي بها ، ثم قال : " أخفيها " على الابتداء . وهذا معنى صحيح ؛ لأن الله عز وجل قد أخفى الساعة التي هي القيامة ، والساعة التي يموت فيها الإنسان ليكون الإنسان يعمل ، والأمر عنده مبهم فلا يؤخر التوبة .
قلت : وعلى هذا القول تكون اللام في " لتجزى " متعلقة ب " أخفيها " . وقال أبو عليك هذا من باب السلب وليس من باب الأضداد ، ومعنى " أخفيها " أزيل عنها خفاءها ، وهو سترها كخفاء الأخفية [ وهي الأكسية{[11035]} ] والواحد خفاء بكسر الخاء [ ما تلف به ]{[11036]} القربة ، وإذا زال عنها سترها ظهرت . ومن هذا قولهم : أشكيته ، أي أزلت شكواه ، وأعديته أي قبلت استعداء ولم أحوجه إلى إعادته . وحكى أبو حاتم عن الأخفش : أن " كاد " زائدة موكدة . قال : ومثله " إذا أخرج يده لم يكد يراها{[11037]} " [ النور : 40 ] لأن الظلمات التي ذكرها الله تعالى بعضها يحول بين الناظر والمنظور إليه . وروى معناه عن ابن جبير ، والتقدير : إن الساعة آتية أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى . وقال الشاعر{[11038]} :
سريعٌ إلى الهيجاء شاكٍ سلاحُه *** فما إن يكاد قرنُه يَتَنَفَّسُ
وَأَلَّا ألوم النفسَ فيما أصابني *** وألا أكاد بالذي نِلْتُ أنجحُ
معناه : وألا أنجح بالذي نلت ، فأكاد توكيد للكلام . وقيل : المعنى " أكاد أخفيها " أي أقارب ذلك ؛ لأنك إذا قلت كاد زيد يقوم ، جاز أن يكون قام ، وأن يكون لم يقم . ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه على هذا الجواب . قال اللغويون : كدت أفعل معناه عند العرب : قاربت الفعل ولم أفعل ، وما كدت أفعل معناه : فعلت بعد إبطاء . وشاهده قول الله عزت عظمته " فذبحوها وما كادوا يفعلون " [ البقرة : 71 ] معناه : وفعلوا بعد إبطاء لتعذر وجدان البقرة عليهم . وقد يكون ما كدت أفعل بمعنى ما فعلت ولا قاربت إذا أكد الكلام ب " أكاد " . وقيل : معنى " أكاد أخفيها " أريد أخفيها . قال الأنباري : وشاهد هذا قول الفصيح من الشعر :
كادت وكدتُ وتلك خيرُ إرادة *** لو عاد من لهو الصَّبَابَةِ ما مضى
معناه : أرادت وأردت . وقال ابن عباس وأكثر المفسرين فيما ذكر الثعلبي : إن المعنى أكاد أخفيها من نفسي ، وكذلك هو في مصحف أبي . وفي مصحف ابن مسعود : أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق . وفي بعض القراءات : فكيف أظهرها لكم . وهو محمول على أنه جاء على ما جرت به عادة العرب في كلامها ، من أن أحدهم إذا بالغ في كتمان الشيء قال : كدت أخفيه من نفسي . والله تعالى لا يخفى عليه شيء ، قال معناه قطرب وغيره . وقال الشاعر :
أيامَ تَصحبني هند وأخبرُها *** ما أكتم النفسَ من حَاجِي وأسراري
فكيف يخبرها بما تكتم نفسه . ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) الزمخشري وقيل معناه : أكاد أخفيها من نفسي ، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف ، ومحذوف لا دليل عليه مُطَّرح ، والذي غرهم منه أن في مصحف أبي : أكاد أخفيها من نفسي ، وفي بعض المصاحف أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها .
قلت : وقيل إن معنى قول من قال أكاد أخفيها من نفسي ، أي إن إخفاءها كان من قبلي ومن عندي لا من قبل غيري . وروي عن ابن عباس أيضا : أكاد أخفيها من نفسي ، ورواه طلحة بن عمر وعن عطاء . وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : لا أظهر عليها أحدا . وروى عن سعيد بن جبير قال : قد أخفاها . وهذا على أن كاد زائدة . أي إن الساعة آتية أخفيها ، والفائدة في إخفائها التخويف والتهويل . وقيل : تعلق " لتجزى " بقوله تعالى : ( وأقم الصلاة ) فيكون في الكلام تقديم وتأخير ، أي أقم الصلاة لتذكرني ( لتجزي كل نقس بما تسعى ) أي بسعيها ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) . والله أعلم . وقيل : هي متعلقة بقوله : ( آتية ) أي إن الساعة آتية لتجزي .