في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ} (137)

103

وتنسيقاً للجو الحاسم يعجل السياق كذلك بعرض الصفحة الأخرى - صفحة استخلاف المستضعفين - ذلك أن استخلاف بني إسرائيل - في الفترة التي كانوا أقرب ما يكونون فيها إلى الصلاح وقبل أن يزيغوا فيكتب عليهم الذل والتشرد - لم يكن في مصر ، ولم يكن في مكان فرعون وآله . إنما كان في أرض الشام ، وبعد عشرات السنوات من حادث إغراق فرعون - بعد وفاة موسى عليه السلام وبعد التيه أربعين سنة كما جاء في السورة الأخرى - ولكن السياق يطوي الزمان والأحداث ، ويعجل بعرض الاستخلاف هنا تنسيقاً لصفحتي المشهد المتقابلتين :

( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها " . . . " وتمت كلمة ربك السنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه ، وما كانوا يعرشون ) . .

على أننا نحن البشر - الفانين المقيدين بالزمان - إنما نقول " قبل " و " بعد " لأننا نؤرخ للأحداث بوقت مرورها بنا وإدراكنا لها ! لذلك نقول : إن استخلاف القوم الذين كانوا يستضعفون ، كان متأخراً عن حادث الإغراق . . ذلك إدراكنا البشري . . فأما الوجود المطلق والعلم المطلق فما " قبل " عنده وما " بعد " ؟ ! والصفحة كلها معروضة له سواء ، مكشوفة لا يحجبها زمان ولا مكان . . ولله المثل الأعلى . وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً . .

وهكذا يسدل الستار على مشهد الهلاك والدمار في جانب ؛ وعلى مشهد الاستخلاف والعمار في الجانب الآخر . . وإذا فرعون الطاغية المتجبر وقومه مغرقون ، وإذا كل ما كانوا يصنعون للحياة ، وما كانوا يقيمون من عمائر فخمة قائمة على عمد وأركان ، وما كانوا يعرشون من كروم وثمار . . إذا هذا كله حطام ، في ومضة عين ، أو في بضع كلمات قصار !

مثل يضربه الله للقلة المؤمنة في مكة ، المطاردة من الشرك وأهله ؛ ورؤيا في الأفق لكل عصبة مسلمة تلقى من مثل فرعون وطاغوته ، ما لقيه الذين كانوا يستضعفون في الأرض ، فأورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها المباركة - بما صبروا - لينظر كيف يعملون !

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ} (137)

{ وأورثنا القوم } ملكناهم { الذين كانوا يستضعفون } بقتل أبنائهم واستخدام نسائهم { مشارق الأرض ومغاربها } جهات شرق أرض الشام وجهات غربها { التي باركنا فيها } بإخراج الزروع والثمار والأنهار والعيون { وتمت كلمة ربك الحسنى } مواعيده التي لا خلف فيها بما كانوا يحبون وذلك جزاء صبرهم على صنيع فرعون { ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه } أهلكنا ما عمل فرعون وقومه في أرض مصر { وما كانوا يعرشون } وما بنوا المنازل والبيوت

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ} (137)

قوله تعالى : " وأورثنا القوم " يريد بني إسرائيل . " الذين كانوا يستضعفون " أي يستذلون بالخدمة . " مشارق الأرض ومغاربها " زعم الكسائي والفراء أن الأصل " في مشارق الأرض ومغاربها " ثم حذف " في " فنصب . والظاهر أنهم ورثوا أرض القبط . فهما نصب على المفعول الصريح . يقال : ورثت المال وأورثته المال ، فلما تعدى الفعل بالهمزة نصب مفعولين . والأرض هي أرض الشأم ومصر . ومشارقها ومغاربها جهات الشرق والغرب بها ، فالأرض مخصوصة ، عن الحسن وقتادة وغيرهما . وقيل : أراد جميع الأرض ؛ لأن من بني إسرائيل داود وسليمان وقد ملكا الأرض . " التي باركنا فيها " أي بإخراج الزروع والثمار والأنهار . " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل " هي قوله : " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين{[7327]} " [ القصص : 5 ] . " بما صبروا " أي بصبرهم على أذى فرعون ، وعلى أمر الله بعد أن آمنوا بموسى . " ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون " يقال : عرش يعرش إذا بنى . قال ابن عباس ومجاهد : أي ما كانوا يبنون من القصور وغيرها . وقال الحسن : هو تعريش الكرم . وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم " يعرشون " بضم الراء . قال الكسائي : هي لغة تميم . وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " يعرِّشون " بتشديد الراء وضم الياء .


[7327]:راجع ج 13 ص 247