تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّـٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (99)

{ 99 } { وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }

وهذا من أعظم مننه العظيمة ، التي يضطر إليها الخلق ، من الآدميين وغيرهم ، وهو أنه أنزل من السماء ماء متتابعا وقت حاجة الناس إليه ، فأنبت الله به كل شيء ، مما يأكل الناس والأنعام ، فرتع الخلق بفضل الله ، وانبسطوا برزقه ، وفرحوا بإحسانه ، وزال عنهم الجدب واليأس والقحط ، ففرحت القلوب ، وأسفرت الوجوه ، وحصل للعباد من رحمة الرحمن الرحيم ، ما به يتمتعون وبه يرتعون ، مما يوجب لهم ، أن يبذلوا جهدهم في شكر من أسدى النعم ، وعبادته والإنابة إليه ، والمحبة له .

ولما ذكر عموم ما ينبت بالماء ، من أنواع الأشجار والنبات ، ذكر الزرع والنخل ، لكثرة نفعهما وكونهما قوتا لأكثر الناس فقال : { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ } أي : من ذلك النبات الخضر ، { حَبًّا مُتَرَاكِبًا } بعضه فوق بعض ، من بر ، وشعير ، وذرة ، وأرز ، وغير ذلك ، من أصناف الزروع ، وفي وصفه بأنه متراكب ، إشارة إلى أن حبوبه متعددة ، وجميعها تستمد من مادة واحدة ، وهي لا تختلط ، بل هي متفرقة الحبوب ، مجتمعة الأصول ، وإشارة أيضا إلى كثرتها ، وشمول ريعها وغلتها ، ليبقى أصل البذر ، ويبقى بقية كثيرة للأكل والادخار .

{ وَمِنَ النَّخْلِ } أخرج الله { مِنْ طَلْعِهَا } وهو الكفرى ، والوعاء قبل ظهور القنو منه ، فيخرج من ذلك الوعاء { قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ } أي : قريبة سهلة التناول ، متدلية على من أرادها ، بحيث لا يعسر التناول من النخل وإن طالت ، فإنه يوجد فيها كرب ومراقي ، يسهل صعودها .

{ و } أخرج تعالى بالماء { جنات مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ } فهذه من الأشجار الكثيرة النفع ، العظيمة الوقع ، فلذلك خصصها الله بالذكر بعد أن عم جميع الأشجار والنوابت .

وقوله { مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } يحتمل أن يرجع إلى الرمان والزيتون ، أي : مشتبها في شجره وورقه ، غير متشابه في ثمره .

ويحتمل أن يرجع ذلك ، إلى سائر الأشجار والفواكه ، وأن بعضها مشتبه ، يشبه بعضه بعضا ، ويتقارب في بعض أوصافه ، وبعضها لا مشابهة بينه وبين غيره ، والكل ينتفع به العباد ، ويتفكهون ، ويقتاتون ، ويعتبرون ، ولهذا أمر تعالى بالاعتبار به ، فقال : { انْظُرُوا } نظر فكر واعتبار { إِلَى ثَمَرِهِ } أي : الأشجار كلها ، خصوصا : النخل { إذا أثمر }

{ وَيَنْعِهِ } أي : انظروا إليه ، وقت إطلاعه ، ووقت نضجه وإيناعه ، فإن في ذلك عبرا وآيات ، يستدل بها على رحمة الله ، وسعة إحسانه وجوده ، وكمال اقتداره وعنايته بعباده .

ولكن ليس كل أحد يعتبر ويتفكر وليس كل من تفكر ، أدرك المعنى المقصود ، ولهذا قيد تعالى الانتفاع بالآيات بالمؤمنين فقال : { إِنَّ فِي ذَلِكَم لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فإن المؤمنين يحملهم ما معهم من الإيمان ، على العمل بمقتضياته ولوازمه ، التي منها التفكر في آيات الله ، والاستنتاج منها ما يراد منها ، وما تدل عليه ، عقلا ، وفطرة ، وشرعا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّـٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} (99)

قوله : { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء } . أنزل الله من السماء المطر فأخرج به كل صنف من أصناف النبات المختلفة . والنبات هو كل ما يخرج من الأرض من الناميات مما له ساق كالشجر ، أو ليس له ساق وهو المسمى بالنجم .

قوله { فأخرجنا منه خضرا } ذلك تفصيل لما أجمل في الكلام السابق . والخضر معناه الأخضر . أي أننا أخرجنا من النبات الذي ليس له ساق شيئا غضا أخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة . والمراد رطب البقول . وقال ابن عباس : يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب .

قوله : { نخرج منه حبا متراكبا } أي بعضه فوق بعض كما في سنبل الحنطة والشعير وغير ذلك من السنابل التي حبها يركب بعضه بعضا .

قوله : { ومن النخل من طلعها قنوان دانية } شرع في تفصيل حال الشجر عقيب بيان حال النجم وطلع النخلة هو أول ما يرى من عذقها . والواحدة طلعة . والعذق بكسر العين معناه عنقود النخلة{[1231]} .

والقنوان جمع قنو كالصنو جمعه صنوان . والقنو بمعنى العذق يقال للواحد قنو وقنا . ويثنى قنوان ، ويجمع قنوان{[1232]} .

والمراد بالقنوان الدانية ، أي العراجين التي تدلت من الطلع لتكون قريبة ممن يجتنيها .

قوله : { وجنات من أعناب } قرأ عامة القراء جنات على النصب على أنه معطوف على { نبات كل شيء } أي وأخرجنا به جنات . أي أخرجنا بساتين من أعناب .

قوله : { والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه } معطوف على جنات أي أخرجنا الزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه . أي مشتبها ورقه مختلفا ثمره . وقيل : هذه الفواكه قد تكون متشابهة في اللون والشكل مع أنها تكون مختلفة في الطعم واللذة . وقيل : قد تكون مختلفة في اللون والشكل مع أنها متشابهة في الطعم واللذة .

قوله : { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } أي انظر نظر تدبر واعتبار لا نظر إبصار مجرد عن التدبر والتفكر . والينع معناه النضج . ينع الثمر وأينع أي نضج . والينيع واليانع أي النضيج والناضج{[1233]} .

والمقصود النظر بتدبر وادكار في الشجر إذا أثمر حتى ينع . فإنه يمر بمراحل شتى من كيفية النماء والإثمار . فهو يخرج أولا ضئيلا لا ينتفع به ثم يأخذ في النماء شيئا فشيئا ليكون مخضرا يابسا ثم يكون زاهيا في حلاوة من باكورة النضج ثم يكون يانعا مستطابا محفلا باللذة وعذوبة المذاق . وذلك هو صنع الله الذي أنشأ ذلك من حبة ميتة أو عود يابس .

قوله : { إن في ذلكم لأيات لقوم يؤمنون } إن في كل ما سبق ذكره من بديع خلق الله وعظيم صنعه في الطبيعة والكائنات والثمرات أجلى الدلالات وأكملها على وجود القادر الحكيم وعلى وحدانيته سبحانه كيما يدرك ذلك المؤمنون ويستيقنوه . وذلك بما أوتوه من فطرة سليمة من التلويث والتدنيس{[1234]} .


[1231]:- المعجم الوسيط ج 2 ص 590 والقاموس المحيط ج 2 ص 61.
[1232]:- المصباح المنير ج 2 ص 23.
[1233]:- مختار الصحاح ص 745.
[1234]:- روح المعاني ج 7 ص 237- 240 وتفسير الطبري ج 7 ص 194-197.