تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

ثم قال تعالى :

{ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }

هذا خبر بمعنى الأمر ، تنزيلا له منزلة المتقرر ، الذي لا يحتاج إلى أمر بأن { يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ }

ولما كان الحول ، يطلق على الكامل ، وعلى معظم الحول قال : { كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } فإذا تم للرضيع حولان ، فقد تم رضاعه وصار اللبن بعد ذلك ، بمنزلة سائر الأغذية ، فلهذا كان الرضاع بعد الحولين ، غير معتبر ، لا يحرم .

ويؤخذ من هذا النص ، ومن قوله تعالى : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، وأنه يمكن وجود الولد بها .

{ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ } أي : الأب { رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وهذا شامل لما إذا كانت في حباله أو مطلقة ، فإن على الأب رزقها ، أي : نفقتها وكسوتها ، وهي الأجرة للرضاع .

ودل هذا ، على أنها إذا كانت في حباله ، لا يجب لها أجرة ، غير النفقة والكسوة ، وكل بحسب حاله ، فلهذا قال : { لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا } فلا يكلف الفقير أن ينفق نفقة الغني ، ولا من لم يجد شيئا بالنفقة حتى يجد ، { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } أي : لا يحل أن تضار الوالدة بسبب ولدها ، إما أن تمنع من إرضاعه ، أو لا تعطى ما يجب لها من النفقة ، والكسوة أو الأجرة ، { وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } بأن تمتنع من إرضاعه على وجه المضارة له ، أو تطلب زيادة عن الواجب ، ونحو ذلك من أنواع الضرر .

ودل قوله : { مَوْلُودٌ لَهُ } أن الولد لأبيه ، لأنه موهوب له ، ولأنه من كسبه ، فلذلك جاز له الأخذ من ماله ، رضي أو لم يرض ، بخلاف الأم .

وقوله : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } أي : على وارث الطفل إذا عدم الأب ، وكان الطفل ليس له مال ، مثل ما على الأب من النفقة للمرضع والكسوة ، فدل على وجوب نفقة الأقارب المعسرين ، على القريب الوارث الموسر ، { فَإِنْ أَرَادَا } أي : الأبوان { فِصَالًا } أي : فطام الصبي قبل الحولين ، { عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا } بأن يكونا راضيين { وَتَشَاوُرٍ } فيما بينهما ، هل هو مصلحة للصبي أم لا ؟ فإن كان مصلحة ورضيا { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في فطامه قبل الحولين ، فدلت الآية بمفهومها ، على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر ، أو لم يكن مصلحة للطفل ، أنه لا يجوز فطامه .

وقوله : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ } أي : تطلبوا لهم المراضع غير أمهاتهم على غير وجه المضارة { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ } أي : للمرضعات ، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فمجازيكم على ذلك بالخير والشر .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

قوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن } . يعني : المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن يرضعن ، خبر بمعنى الأمر ، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب ، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من ترضع الولد لقوله تعالى في سورة الطلاق : ( فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها .

قوله تعالى : { حولين كاملين } . أي سنتين ، وذكر الكمال للتأكيد كقوله تعالى : ( تلك عشرة كاملة ) وقيل إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولاً وبعض الشهر شهراً كما قال الله تعالى : ( الحج أشهر معلومات ) ، وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) ، وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم ، ويقال : أقام فلان بموضع كذا حولين ، وإنما أقام به حولاً وبعض آخر ، فبين الله تعالى أنهما حولان كاملان ، أربعة وعشرون شهراً ، واختلف أهل العلم في هذا الحد ، فمنهم من قال : هو حد لبعض المولودين ، فروى عكرمة وابن عباس رضي الله عنهما أنها إذا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه حولين كاملين ، وإن وضعته لسبعة أشهر فإنها ترضعه ثلاثة وعشرين شهراً ، وإن وضعت لتسعة أشهر فإنها ترضعه أحدا وعشرين شهراً ، وإن وضعت لعشرة أشهر فإنها ترضعه عشرين شهراً ، كل ذلك تمام ثلاثين شهراً لقوله تعالى : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهراً ) . وقال قوم : هو لكل مولود بأي وقت ولد ، لا ينقص رضاعه عن حولين إلا باتفاق الأبوين ، فأيهما أراد الفطام قبل تمام الحولين ليس له ذلك إلا أن يجتمعا عليه ، لقوله تعالى : { فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور } وهذا قول ابن جريج و الثوري ، ورواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقيل : المراد من الآية : بيان أن الرضاع الذي تثبت به الحرمة ما يكون في الحولين ، فلا يحرم ما يكون بعد الحولين ، قال قتادة : فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ، ثم أنزل التخفيف فقال :

قوله تعالى : { لمن أراد أن يتم الرضاعة } . أي هذا الرضاعة وليس فيما دون ذلك حد محدود وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به .

قوله تعالى : { وعلى المولود له } . يعني الأب .

قوله تعالى : { رزقهن } . طعامهن .

قوله تعالى : { وكسوتهن } . لباسهن .

قوله تعالى : { بالمعروف } . أي على قدر الميسرة .

قوله تعالى : { لا تكلف نفس إلا وسعها } . أي طاقتها .

قوله تعالى : { لا تضار والدة بولدها } . قرأ ابن كثير وأهل البصرة ، " برفع الراء " نسقاً على قوله ( لا تكلف ) وأصله ( تضار ) فأدغمت الراء في الراء ، وقرأ الآخرون تضار " بنصب الراء " ، قالوا : لما أدغمت الراء في الراء ، حركت إلى أخف الحركات وهو النصب ، ومعنى الآية لا تضار والدة بولدها فينزع الولد منها إلى غيرها بعد فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه .

قوله تعالى : { ولا مولود له بولده } . أي لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها ، تضاره بذلك ، وقيل معناه : لا تضار والدة فتكره على إرضاعه إذا كرهت إرضاعه ، وقبل الصبي من غيرها ، لأن ذلك ليس بواجب عليها ( ولا مولود له بولده ) فيحتمل أن تعطى الأم أكثر مما يجب لها إذا لم يرتضع من غيرها . فعلى هذين القولين أصل الكلمة لا تضارر بفتح الراء الأولى على الفعل المجهول ، والوالدة والمولود له مفعولان ، ويحتمل أن يكون الفعل لهما ، وتكون تضار بمعنى تضارر بكسر الراء الأولى على تسمية الفاعل ، والمعنى لا تضار والدة فتأبى أن ترضع ولدها ليشق على أبيه ( ولا مولود له ) أي لا يضار الأب أم الصبي ، فينزعه منها ويمنعها من إرضاعه ، وعلى هذه الأقوال يرجع الإضرار إلى الوالدين يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد ، ويجوز أن يكون الضرار راجعاً إلى الصبي ، أي لا يضار كل واحد منهما الصبي ، ولا ترضعه الأم حتى يموت ، أو لا ينفق الأب أو ينتزعه من الأم حتى يضر بالصبي ، فعلى هذا تكون الباء زائدة ومعناه : لا تضار والدة ولدها ، ولا أب ولده ، وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين .

قوله تعالى : { وعلى الوارث مثل ذلك } . اختلفوا في هذا الوارث ، فقال قوم : هو وارث الصبي ، معناه : وعلى وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه مثل الذي كان على أبيه في حال حياته ، ثم اختلفوا في أنه ، أي وارث هو ؟ من ورثته ؟ فقال بعضهم : هو عصبة الصبي من الرجال مثل : الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم ، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وبه قال إبراهيم والحسن ومجاهد وعطاء وهو مذهب سفيان قالوا : إذا لم يكن للصبي ما ينفق عليه أجبرت عصبته الذين يرثونه على أن يسترضعوه ، وقيل : هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء ، وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ومذهب أحمد وإسحاق وقالوا : يجبر على نفقته كل وارث قدر ميراثه ، عصبة كانوا أو غيرهم . وقال بعضهم : هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود ، فمن ليس بمحرم مثل : ابن العم والمولى فغير مراد بالآية ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وذهب جماعة إلى أن المراد بالوارث : هو الصبي نفسه ، الذي هو وارث أبيه المتوفى ، يكون أجرة رضاعه ونفقته في ماله ، فإن لم يكون له مال فعلى الأم ، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان ، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله ، وقيل : هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر ، عليه مثل ما كان على الأب من أجرة الرضاع والنفقة والكسوة . وقيل : ليس المراد منه النفقة ، بل معناه : وعلى الوارث ترك المضارة ، وبه قال الشعبي والزهري .

قوله تعالى : { فإن أراد } . يعني الوالدين .

قوله تعالى : { فصالا } . فطاماً قبل الحولين .

قوله تعالى : { عن تراض منهما } . أي اتفاق من الوالدين .

قوله تعالى : { وتشاور } . أي يشاورون أهل العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد ، والمشاورة استخراج الرأي .

قوله تعالى : { فلا جناح عليهما } . أي لا حرج عليهما في الفطام قبل الحولين .

قوله تعالى : { وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم } . أي لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم إرضاعهم ، أو تعذر لعلة بهن ، أو انقطاع لبن ، أو أردن النكاح .

قوله تعالى : { فلا جناح عليكم إذا سلمتم } . إلى أمهاتهم .

قوله تعالى : { ما آتيتم } . ما سميتم لهن من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن ، وقيل إذا سلمتم أجور المراضع إليهن .

قوله تعالى : { بالمعروف } . قرأ ابن كثير : ما آتيتم : وفي الروم " وما آتيتم من ربا " بقصر الألف ، ومعناه ما فعلتم يقال : أتيت جميلاً إذا فعلته ، فعلى هذه القراءة يكون التسليم بمعنى الطاعة والانقياد ، لا بمعنى تسليم الأجرة ، يعني إذا سلمتم لأمره ، وانقدتم لحكمه ، وقيل : إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار .

قوله تعالى : { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} (233)

قوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ) . الوالدات مبتدأ مرفوع ، خبره الجملة الفعلية ( يرضعن أولادهن ) . وذلك تبيين من الله للناس عن الولد من حيث إرضاعه وحضانته والإنفاق عليه ، كيلا يبيت عرضة للتضييع والتقصير خصوصا بعد طلاق أمه .

أما قوله : ( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) فهو عام في النساء الوالدات ، سواء كن ذوات أزواج أو مطلقات فإنهن يرضعن أولادهن مدة عامين كاملين ، وهي المدة الوافية المثلى للرضاع ؛ ولذلك قال سبحانه : ( لمن أراد أن يتم الرضاعة ) فلا بأس بالرضاع دون حولين إن كان في ذلك ما يكفي للطفل ولم يلحق به الضرر . وقيل : الآية في المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن . والأظهر أن الآية في الزوجات في حال بقاء النكاح ؛ لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة ، أرضعن أو لم يرضعن .

وصمة مسألة اختلفت فيها كلمة العلماء وهي : الإرضاع حق للوالدة أم هو حق عليها ؟

فقد قيل : إن الإرضاع للمرأة ذات الزوج واجب استنادا إلى قوله تعالى : ( يرضعن ) أي ليرضعن فما دام الزوج قائما ، ونفقتها يضطلع بها الرجل ، فإنها ملزمة بإرضاع الولد . أما المطلقة طلاقا بائنا فلا تكلف بالإرضاع إلا في حالات نبينها في الفقرات اللاحقة . وقيل : إنه في حقهن مندوب وليس واجبا ؛ لان قوله : ( يرضعن ) محتمل . ولو أراد التصريح بكونه واجبا عليها لقال : وعلى الوالدات . كقوله : ( وعلى المولود له رزقهن ) .

وقيل إن الحكم في هذه المسألة مرتبط بالعرف الذي عليه النساء والذي يلتزمن بموجبه بإرضاع أولادهن ، فقد صار العرف ههنا كالشرط . وفي القواعد الفقهية أن المعروف عرفا كالمشروط شرطا .

أما إذا اشترطت المرأة لنفسها خلاف هذا العرف وهو أنها غير ملزمة بإرضاع الولد فلها ذلك . وعلى الأب حينئذ أن يهيئ لولده الرضاع .

ويستثنى من ذلك كله ما إذا رفض الولد الرضاعة من غير أمه ، فإن أمه تكون بذلك ملزمة بإرضاعه إلزاما . ومثل ذلك إذا انعدمت المرضعات في البلد وليس من ترضعه إلا الأم ، فعليها الرضاع بغير منودحة أو مناص .

وإذا مات الأب وليس من مال للصبي وجب إرضاعه عليها بخلاف النفقة ، فإنها يلتزم بها الأولياء من بعد الأب . وقيل : إرضاعه في هذه الحال على بيت المال .

أما المرأة المطلقة طلاقا بائنا فلا رضاع عليها . وعلى الأب أن يهيئ لولده ذلك استئجارا ، إلا أن ترغب أمه في إرضاعه بالأجرة ، فإنها أحق بذلك باعتبارها أكثر حنوا عليه وإخلاصا . وتصبح البائنة ملزمة بالإرضاع إلزاما إذا أبى الولد الرضاع من غيرها أو لم يكن في البلد من ترضعه إلا هي . وتفصيل ذلك في كتب الفقه{[318]} .

ويرد في هذا المجال من الرضاع مسألة التحريم . فقد تبين من الآية أن كمال الرضاعة يكون في سنتين . وليس من اعتبار للرضاعة خارج هذه المدة ، وذلك الذي عليه أكثر العلماء من السلف والخلف . فقد قالوا أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين ، فإذا رضع الولد وكانت سنة فوق عامين لم يقع تحريم بهذا الرضاع ، وقد احتج العلماء لمذهبهم هذا بما روي عن الرسول ( ص ) في هذه المسألة . فقد روى الدارقطني عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : " لا يحرّم من الرضاع إلا ما كان في الحولين " .

وروى الترمذي عن السيدة أم سلمة- رضي الله عنها- قالت : قال رسول الله ( ص ) : " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعات في الثدي وكان قبل الفطام " . وعلى هذا فإن الإرضاع لا يحرم إلا في الصغر دون الحولين ، ولو فطم الصبي دون حولين ثم أرضعته امرأة بعد فصاله فإنه تثبت به الحرمة عند جمهور العلماء خلافا للإمام مالك ، فإن هذا الرضاع لا يحرم عنده ؛ لأنه صار بمنزلة الطعام . والراجح قول الجمهور استنادا إلى عموم خبر ابن كعباس " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين " .

قوله : ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ) ( المولود له ) هو الأب . والجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم . و ( رزقهن ) مبتدأ مؤخر . والضمير في محل جر مضاف إليه .

والمراد في الآية أن على الأب أن ينفق على الزوجة نفقة رزق وكساء . والمقصود بالرزق هنا الإطعام ، على أن يكون ذلك كله بالمعروف ، أي بما تعورف عليه وبما جرت عليه العادة في الإنفاق من غير أن يكون في ذلك أسراف ولا تقتير ، وتبعا لحال الرجل من اليسار أو الإعسار ، وذلك كقوله تعالى : ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ) .

أما الوالدات فإن المراد بهن في الآية الزوجات . ودليل ذلك وجوب النفقة عليهن ؛ إذ لو كنّ غير زوجات لما وجبت لهن النفقة . وقيل المراد بهن المطلقات اللواتي لهن أولاد من أزواجهن ، فإن على الأب أن ينفق عليهن ما أرضعن الولد . وقيل : الآية عامة في المطلقات ذوات الأولاد ، وفي الزوجات حال بقاء النكاح .

وقد استنبط العلماء من هذه الآية ما يدل على أن الحضانة حق للأم سواء في الغلام أو الجارية . وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعي . إلا أنه ( الشافعي ) قال : إذا بلغ الولد ثمانية أعوام وهي سن التمييز فإنه حينئذ يخيّر بين أبويه . واحتج الشافعي لذلك بما رواه النسائي عن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى النبي ( ص ) فقالت له : زوجي يريد أن يذهب بابني ، فقال له النبي ( ص ) : " هذا أبوك وهذه أمك ، فخذ أيهما شئت " فأخذ بيد أمّه .

وفي تقديرنا أن تقييد الحضانة بثماني سنوات من عمر الطفل لا يعوّل عليه . وما احتج به الشافعي لذلك لا يدل على تحديد سن الحضانة بهذه المدّة .

والراجح عندي أن الحضانة حق للأم . وهو حق يمتد حتى سن البلوغ ، سواء كان صبيا أو جارية . والدليل على ذلك ما رواه أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو أن امرأة جاءت إلى النبي ( ص ) : " أنت أحق به ما لم تُنكح " فإذا نكحت فليس لها في حضانة ولدها . وهو ما خلاف فيه .

وقوله : ( لا تكلف نفس إلا وسعها ) ( نفس ) نائب فاعل مرفوع . ( إلا ) أداة استثناء كفّها النفي عن العمل . ( وسعها ) مفعول به ثان منصوب والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة . أي أن الأزواج ينبغي عليهم أن ينفقوا على الوالدات مما في مقدورهم وحسب طاقتهم من غير أن يرهقوا في ذلك عسرا{[319]} .

وقوله : ( لا تضار والده بولدها ولا مولود له بولده ) أي ليس للأم أن تأبى إرضاع ولدها على سبيل الإضرار والنكاية بأبيه . وعلى أية حال فإن عليها إرضاعه اللّبأ وهو اللبن الذي يدّره الثدي في الأيام الأولى من ولادة الطفل وليس له عنه غنى ، وكذلك فإنه ليس للوالد أن يصدّ الأم عن إرضاع ابنها مادامت ترغب في ذلك ، وذلك على سبيل الإغاظة المقصود لها .

وقيل في معنى آخر قريب مما بينا وهو أن الأم لا يحل لها أن تدفع عنها الطفل إلى أبيه قاصدة بذلك إضراره بإرهاقه وإشغاله بتربيته وتدبير شؤونه ، ولا يحل للأب .

كذلك أن ينتزع منها الولد لمجرد الإضرار بها والإساءة إليها ، فإن في تصرف الوالدين على هذا النحو ما يسيء إليهما ويضر بهما إضرارا . وهو إضرار متعمد ومقصود ، وقد كانا في غنى عن ذلك لو حبسا عن أنفسهما الغضب وتشبثا بالصبر والعفو وسعة الصدر .

قوله : ( وعلى الوارث مثل ذلك ) أي على وارث والد الطفل مثل ما على والد الطفل نفسه من وجوب الإنفاق على والدة الطفل وعدم الإضرار بها . وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء . وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض .

وقيل : المراد بالوارث هو وراث الصبي فيما لو مات . وهو يلزمه توفير الإرضاع للولد .

وقيل : المراد هم عصبة الأب فإن عليهم نفقة الصبي وذلك إذا توفي الأب نفسه .

وثمة أقوال مفصلة في هذه المسألة ندع للمستزيد فرصة الرجوع فيها إلى مواطنها من كتب الفقه .

قوله : ( فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ) الفصل معناه الفطام ، والضمير في الفعل ( أرادا ) يعود على الوالدين . والتشاور هو أخذ المشورة للوقوف على الرأي المناسب النافع للطفل دون استبداد أحد الوالدين برأيه . فقد ذكرت الآية في مطلعها أن الرضاع بتمامه وكماله يكون في عامين كاملين ، وما تجاوز ذلك فهو ضرب من العبث الذي لا يحرم النكاح ، أما إذا اتفق الوالدان بعد تشاور منهما وتراض دون انفراد أحدهما برأيه على فطام الصبي قبل الحولين مادام ذلك نافعا له وفي مصلحته فهو جائز ولا بأس عليهما في ذلك .

قوله : ( وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف ) . المخاطب في الآية هم الوالدون والوالدات . والمعنى أنكم إذا أردتم لأولادكم الظئر لإرضاعهم ، فلا بأس عليكم في تسليم الطفل واستلامه ، إذ تسلّمه أمه لأبيه فيستلمه منها دون مغاضبة أو قصد لإضرار على أن يدفع لها أجرتها الماضية عن الإرضاع بالتي هي أحسن .

قوله : ( واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير ) يحذّر الله عباده من مخالفة شرعه مما أمر به أو عند زجر ، وليعلموا دائما أن الله خبير بأعمالهم رقيب عليهم في أحوالهم وأقواهم وتصرفاتهم فلا يخفى عليه شيء من ذلك{[320]} .


[318]:- تفسير القرطبي جـ3 ص 160 وتفسير الطبري جـ 2 ص 301 وتفسير البيضاوي ص 51 والكشاف جـ 1 ص 369.
[319]:- تفسير النسفي جـ 1 ص 118.
[320]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 284 ، 285 وفتح القدير جـ 1 ص 245 وتفسير النسفي جـ 1 ص 118