تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (38)

{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ } متجرئا على ربه ، ومموها على قومه السفهاء ، أخفاء العقول : { يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } أي : أنا وحدي ، إلهكم ومعبودكم ، ولو كان ثَمَّ إله غيري ، لعلمته ، فانظر إلى هذا الورع التام من فرعون ! ، حيث لم يقل " ما لكم من إله غيري " بل تورع وقال : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } وهذا ، لأنه عندهم ، العالم الفاضل ، الذي مهما قال فهو الحق ، ومهما أمر أطاعوه .

فلما قال هذه المقالة ، التي قد تحتمل أن ثَمَّ إلها غيره ، أراد أن يحقق النفي ، الذي جعل فيه ذلك الاحتمال ، فقال ل " هامان " { فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ } ليجعل له لبنا من فخار . { فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا } أي : بناء { لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ } ولكن سنحقق هذا الظن ، ونريكم كذب موسى . فانظر هذه الجراءة العظيمة على اللّه ، التي ما بلغها آدمي ، كذب موسى ، وادَّعى أنه إله ، ونفى أن يكون له علم بالإله الحق ، وفعل الأسباب ، ليتوصل إلى إله موسى ، وكل هذا ترويج ، ولكن العجب من هؤلاء الملأ ، الذين يزعمون أنهم كبار المملكة ، المدبرون لشئونها ، كيف لعب هذا الرجل بعقولهم ، واستخف أحلامهم ، وهذا لفسقهم الذي صار صفة راسخة فيهم .

فسد دينهم ، ثم تبع ذلك فساد عقولهم ، فنسألك اللهم الثبات على الإيمان ، وأن لا تزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ، وتهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (38)

{ وقال فرعون } جواباً لهذا الترغيب والترهيب بعد الإعذار ، ببيان الآيات الكبار ، قانعاً في مدافعة ما رأى أنه اجتذب قومه الأغمار الأغبياء عن الجهل من ظهور تلك الآيات البينات بأن يوقفهم عن الإيمان إلى وقت ما ، وكذا كانت عادته كلما أظهر موسى عليه الصلاة والسلام برهاناً ، لأن قومه في غاية الغباوة والعراقة في الميل إلى الباطل والنفرة من الحق وترجيح المظنة على المئنة : { يا أيها الملأ } أي الأشراف ، معظماً لهم استجلاباً لقلوبهم { ما علمت لكم } وأعرق في النفي فقال : { من إله غيري } نفى علمه بذلك إظهاراً للنصفة ، وأنه ما قصد غشهم ، وذلك منه واضح في أنه قصد تشكيكهم ، إشارة منه إلى أن انتقاء علمه بوجوده ما هو إلا لانتفاء وجوده بعد علمه بأن الحق مع موسى عليه الصلاة والسلام لأنه أنهى ما قدر عليه بعد رؤيتهم لباهر الآيات ، وظاهر الدلالات ؛ ثم زاد في إيقافهم عن المتابعة بأن سبب عن جهله قوله لوزيره معلماً له صنعة الآجر لأنه أول من عمله ، مع أنه هذه العبارة أشبه بهمم الجبابرة من أن يقول : اصنع لي آجراً : { فأوقد لي } أضاف الإيقاد إليه إعلاماً بأنه لا بد منه { يا هامان } وهو وزيره { على الطين } أي المتخذ لبناً ليصير آجراً ؛ ثم سبب عن الإيقاد قوله : { فاجعل لي } أي منه { صرحاً } أي بناء عالياً يتاخم السماء ، قال الطبري : وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر ، وقال الزجاج : كل بناء متسع مرتفع { لعلي أطلع } أي أتكلف الطلوع { إلى إله موسى } أي الذي يدعو إليه ، فإنه ليس في الأرض أحد بهذا الوصف الذي ذكره فأنا أطلبه في السماء موهماً لهم أنه مما يمكن الوصول إليه على تقدير صحة الدعوى بأنه موجود ، وهو قاطع بخلاف ذلك ، ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى وقت ، لعلمه أن العادة جرت بأن أكثر الناس يظنون بالملوك القدرة على كل ما يقولونه ؛ ثم زادهم شكاً بقوله ، مؤكداً لأجل دفع ما استقر في الأنفس من صدق موسى عليه الصلاة والسلام : { وإني لأظنه } أي موسى { من الكاذبين* } أي دأبه ذلك ، وقد كذب هو ولبس لعنة الله ووصف أصدق أهل ذلك الزمان بصفة العريقة في العدوان ، وإن كان هذا الكلام منه على حقيقته فلا شيء أثبت شهادة على إفراط جهله وغباوته منه حيث ظن أنه يصل إلى السماء ؛ ثم على تقدير الوصول يقدر على الارتقاء على ظهرها ، ثم على تقدير ذلك يقدر على منازعة بانيها وسامكها ومعليها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (38)

قوله تعالى : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( 38 ) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ ( 39 ) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 40 ) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ ( 41 ) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ } .

هذه مقالة سوء تندلق من فم هذا المتجبر العُتُّل ، فرعون ، وهو يصرخ في قومه المأفونين المضللين المستخَفين أنه ليس ثم إله ! !

لقد أسرف هذا الشقي المقبوح إسرافا أفضى به إلى الانحدار في الأذلين ليكون أسفل سافلين ، وليكون يوم القيامة على رأس المجرمين والمنبوذين من شياطين الإنس بعد أن تفيض عليه أفواه المؤمنين في مختلف العصور والأجيال باللعائن وسوء الذكر . وكذلك الذين هم على شاكلة فرعون من طواغيت البشرية على مرّ الزمن . الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ويدوسون الناس بالظلم والقهر والإذلال .

ولئن نفى فرعون وجود الله وأنكره صراحة مجاهرا بذلك على الملأ ؛ فإن بقية الطغاة وأكابر المجرمين من الساسة والحكام العتاة المتجبرين لا يجترئون على إنكار الله علانية وبمثل ذلكما الصلف والحماقة اللذين تلبس بهما فرعون . ولكنهم يتلبسون بظواهر شتى من أشكال الكفر والجحود والاستكبار/ وهم يسوسون الأمم والشعوب بشرائع الضلال والباطل وينبذون شرائع الله ومنهجه أشد نبذ ؛ بل ينظرون إلى منهج الله ودينه بمنظار التهكم والاستهتار والسخرية ويعلنون عليه الحرب الضروس بمختلف الأسباب والأساليب من التشويه والتشكيك واختلاق الأكاذيب والافتراءات والشبهات التي تسيء إلى دين الله وتثير في أذهان الناس –ومنهم الدارسون والمثقفون خاصة- النفور والاشمئزاز ، فضلا عن مخططات الكيد والخيانة والتآمر على الإسلام والمسلمين ؛ لإضعافهم وإذلالهم والتنكيل بهم أو إبادتهم أو تقتيل الدعاة إلى الله على هوى وبصيرة منهم ، أولئك جميعا وفرعون صنوان في المنبت والهوى ؛ فهم منبتهم الضلال والتكذيب والعماية وانغلاق القلوب والبصائر ، وهواهم الشهوات والملذات ومتاع الحياة الدنيا . أولئك جميعا جزاؤهم في الآخرة جهنم وبئس المصير ، وجزاؤهم في الدنيا أن تتفزز منهم الأجيال وتتعوذ من سوء صنيعهم وما فعلوه في البشرية وقيمها ومقوماتها من تدمير وتخريب وإفساد .

قوله : { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي } فقد نفى فرعون علمه بإله غيره ، ولم ينف وجود إله ، إذ لم يجزم فرعون بالعدم كليا . فيكون المعنى : أن إلها غيري غير معلوم عندي . وذلك ظاهر اللفظ في الآية . وقيل : قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده . أما ما لكم من إله غيري .

قوله : { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ } أمر فرعون وزيره هامان بالإيقاد على الطين ليطبخ له الآجر .

قوله : { فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى } أي ابن لي بالآجرُ قصرا شامخا منيفا ؛ لعلي أصعد إلى السماء فأجد إله موسى . وذلك منه استكبار ومعاندة وإفراط في الجحود والضلالة والاغترار ، وهو كذلك إيهان لنفسه وخداع لقومه الذين استخفهم ؛ إذ كانوا جميعا يتصورون إله موسى جسما موجودا في السماء . وذلك ظن الواهمين المضللين السخفاء .

قوله : { وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ } يجزم فرعون في مكابرة وعناد أن موسى كاذب في دعواه أن له إلها وأنه أرسله للناس رسولا وهاديا ومبلغا .