تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا} (39)

{ ذَلِكَ } الذي بيناه ووضحناه من هذه الأحكام الجليلة ، { مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ } فإن الحكمة الأمر بمحاسن الأعمال ومكارم الأخلاق والنهي عن أراذل الأخلاق وأسوأ الأعمال .

وهذه الأعمال المذكورة في هذه الآيات من الحكمة العالية التي أوحاها رب العالمين لسيد المرسلين في أشرف الكتب ليأمر بها أفضل الأمم فهي من الحكمة التي من أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا .

ثم ختمها بالنهي عن عبادة غير الله كما افتتحها بذلك فقال : { وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ } أي : خالدا مخلدا فإنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار .

{ مَلُومًا مَدْحُورًا } أي : قد لحقتك اللائمة واللعنة والذم من الله وملائكته والناس أجمعين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا} (39)

ولما تمت هذه الأوامر والزواجر على هذا الوجه الأحكم والنظام الأقوم ، أشار إلى عظيم شأنه ومحكم إتقانه بقوله على طريق الاستئناف ، تنبيهاً للسامع على أن يسأل عنه : { ذلك } أي الأمر العالي جداً { مما أوحى } أي بعث في خفية { إليك ربك } أي المحسن إليك { من الحكمة } التي لا يستطاع نقضها ولا الإتيان بمثلها من الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر ، ومن حكمة هذه الأشياء المشار إليها من الأوامر والنواهي أنها لم تقبل النسخ في شريعة من الشرائع ، بل كانت هكذا في كل ملة .

ولما بين أن الجهل سبب لكل سوء ، وكان الشرك أعظم جهل ، أتبعه - ليكون النهي عنه بدءاً وختاماً ، دلالة على فرط شناعته عطفاً على ما مضى من النواهي - قوله تعالى : { ولا تجعل } أو يقدر له ما يعطف عليه نحو : فالزمه ولا تجعل { مع الله } أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله { إلهاً } .

ولما كانوا لتعنتهم ربما جعلوا تعداد الأسماء تعداداً للمسميات كما ورد في سبب نزول { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } قال تعالى مع إفهام المعية للغيرية : { ءاخر } فإن ذلك أعظم الجهل الذي نهى عن قفوه { فتلقى } أي فيفعل بك في الآخرة في الحبس { في جهنم } من الإسراع فيه وعدم القدرة على التدارك فعل من ألقى من عالٍ ، حال كونك { ملوماً } أي معنفاً على ما فعلت بعد الذم { مدحوراً * } أي مطروداً بعد الخذلان ، فهذان الوصفان أشنع من وصفي الذم والخذلان في الآية الأولى كما هي سنته تعالى أن يبدأ بالأخف تسليكاً لعباده ، وإنما كان الشرك أجهل الجهل لأن من الواضح أن الإله لا يكون إلا واحداً بالذات فلا ينقسم ، وبالاعتبار فلا يجانس ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها { لا تجعل مع الله إلهاً ءاخر } وهي عشر آيات في التوراة ، جعل فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك ، لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها ، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء ، وحك بيافوخه السماء ، ما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم ، وهم عن دين الله أضل من النعم .

ولما كان ادعاءهم أن الملائكة بنات الله ادعاء لأن له مناسباً ومجانساً في أخص الصفات وهي الإلهية ، وكانت عبادتهم لهم تحقيقاً لذلك ، وكان ذلك أزيد من مجرد الشرك في الجهل ، ساقه مساق التقريع والتوبيخ تنبيهاً على ظهور فساده متصلاً بما مضى من النهي عن الشرك بالعطف بفاء السبب على { ما } بعد الاستئناف بهمزة الإنكار ، فكان كأنه قيل : لا تفعل ذلك كما فعل هؤلاء الذين أفرطوا في الجهل فنسبوا إليه من خلقه أدنى الجزءين كما تقدم في النحل في قوله تعالى{ ويجعلون لله البنات }[ النحل : 54 ] ثم عبدوا ذلك الجزء وهم لا يرضونه لأنفسهم ؛