تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (224)

{ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

المقصود من اليمين ، والقسم تعظيم المقسم به ، وتأكيد المقسم عليه ، وكان الله تعالى قد أمر بحفظ الأيمان ، وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء ، ولكن الله تعالى استثنى من ذلك إذا كان البر باليمين ، يتضمن ترك ما هو أحب إليه ، فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة ، أي : مانعة وحائلة عن أن يبروا : أن{[140]}  يفعلوا خيرا ، أو يتقوا شرا ، أو يصلحوا بين الناس ، فمن حلف على ترك واجب وجب حنثه ، وحرم إقامته على يمينه ، ومن حلف على ترك مستحب ، استحب له الحنث ، ومن حلف على فعل محرم ، وجب الحنث ، أو على فعل مكروه استحب الحنث ، وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث .

ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة ، أنه " إذا تزاحمت المصالح ، قدم أهمها " فهنا تتميم اليمين مصلحة ، وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء ، مصلحة أكبر من ذلك ، فقدمت لذلك .

ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال : { وَاللَّهُ سَمِيعٌ } أي : لجميع الأصوات { عَلِيمٌ } بالمقاصد والنيات ، ومنه سماعه لأقوال الحالفين ، وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر ، وفي ضمن ذلك التحذير من مجازاته ، وأن أعمالكم ونياتكم ، قد استقر علمها عنده .


[140]:- في ب: أي.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (224)

{ عرضة لأيمانكم } أي : لا تكثروا الحلف بالله فتبدلوا اسمه ، وأن تبروا على هذا علة للنهي ، فهو مفعول من أجله : أي نهيتم عن كثرة الحلف كي تبروا ، وقيل : المعنى لا تحلفوا على أن تبروا وتتقوا ، وافعلوا البر والتقوى دون يمين ، فأن تبروا على هذا هو المحلوف عليه ، والعرضة على هذين القولين لقولك : فلان عرضة لفلان إذا أكثر التعرض له ، وقيل : عرضة ما منع ، من قولك عرض له أمر حال بينه وبين كذا ، أي : لا تمتنعوا بالحلف بالله من فعل البر والتقوى ، ومن ذلك يمين أبي بكر الصديق أن لا ينفق على مسطح ، ف{ أن تبروا } على هذا : علة لامتناعهم فهو مفعول من أجله أو مفعول بعرضة ، لأنها بمعنى مانع .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (224)

ولما أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما{[10358]} اتفق ومنع مما سوى ذلك ومنع من محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك بالإيلاء أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل{[10359]} الإيلاء لأنه نقل عن كثير منهم شدة الميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة الورع على أن يمنع نفسه بمانع مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو{[10360]} غيرها من الأيمان فمنعهم من ذلك {[10361]}بقوله تعالى عادلاً عن خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم تعظيماً لمقامه{[10362]} : { ولا تجعلوا الله{[10363]} } أي الذي لا شيء يداني جلاله وعظمته وكماله { عرضة } أي معرضاً { لأيمانكم } فيكون في موضع ما يمتهن{[10364]} ويبتذل {[10365]}فإن ذلك إذا طال حمل على الاجتراء{[10366]} على الكذب فجر{[10367]} إلى أقبح الأشياء . قال الحرالي : والعرضة{[10368]} ذكر الشيء وأخذه{[10369]} على غير قصد له ولا صمد نحوه{[10370]} بل له صمد غيره { أن } أي لأجل أن { تبروا } في أموال اليتامى وغيرها{[10371]} مما تقدم الأمر به أو النهي عنه { وتتقوا } أي تحملكم أيمانكم على البر وهو الاتساع في كل خلق جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله سبحانه وتعالى { وتصلحوا بين الناس } {[10372]}فتجعلوا الأيمان لكم ديدناً فتحلفون تارة أن تفعلوا وتارة أن لا تفعلوا لإلزام أنفسكم بتلك{[10373]} الأشياء فإن من لا ينقاد{[10374]} إلى الخير إلا بقائد من يمين أو غيرها ليس بصادق العزيمة ، وفي الأمثال : فرس لا تجري{[10375]} إلا بمهماز بئس الفرس .

ولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فالله جليل عظيم عطف{[10376]} عليه قوله : { والله } أي بما له من العز والعظمة { سميع } لجميع{[10377]} ما يكون من ذلك وغيره { عليم{[10378]} * } بما أسر منه وما أعلن ، فاحذروه في جميع ما يأمركم به و{[10379]}ينهاكم عنه ، ويجوز أن يكون{[10380]} الجملة حالاً من واو { تجعلوا } فلا يكون هناك مقدر {[10381]}ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم المقام{[10382]} .


[10358]:زيد من ظ.
[10359]:في م: ذلك
[10360]:في م: و.
[10361]:في ظ: في جملة من واو اعلموا بقوله تعالى
[10362]:في ظ: في جملة حالية من واو اعلموا بقوله تعالى
[10363]:قال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن رواحة وختنه بشير بن النعمان كان بينهما شيء فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين زوجته وجعل يقول: حلفت بالله فلا يحل إلا بر يميني...ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما أمر بتقوى الله تعالى وحذرهم يوم المعاد نهاهم عن ابتذال اسمه وجعله معرضا لما يحلفون عليه دائما لأن من يتقي ويحذر تحب صيانة واسمه وتنزيهه عما لا يليق به من كونه يذكر في كل ما يحلف عليه من قليل أو كثير عظيم أو حقير لن كثرة ذلك توجب عدم الاكتراث بالمخاوف به، وقد تكون المناسبة بأنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتحرز في أفعالهم السابقة من الخمر والميسر وإنفاق العفو وأمر اليتامى ونكاح من أشرك وحال وطئ الحائض أمرهم تعالى بالتحرز في أقوالهم فانتظم بذلك أمرهم بالتحرز في الأفعال والأقوال – البحر المحيط 2 / 176.
[10364]:في ظ: يمهن.
[10365]:العبارة من هنا إلى "أقبح الأشياء" سقطت من ظ، وقد أخرها في مد مع ما بعدها إلى "صمد غيره" عن "وتصلحوا بين الناس".
[10366]:من م ومد، وفي الأصل: الاحتوا – كذا.
[10367]:من م ومد وفي الأصل: فجرا.
[10368]:قال الأندلسي: العرضة فعلة من العرض وهو بمعنى المفعول كالفرقة والقبضة، يقال: فلان عرضة لكذا، والمرأة عرضة للنكاح، أي معرضة له...قال حبيب: متى كان سمعي عرضة للوائمي وكيف صفت للعاذلين عزائمي ويقال: جعله عرضة للبلاء، أي معرضا....وقيل: هو اسم ما تعرضه دون الشيء، من عرض العود على الغناء فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا، وقيل: أصل العرضة القوة ومنه يقال للجمل القوى: هذا عرضة للسفر، أي قوى عليه، وللفرس الشديد الجرى: عرضة لارتحالنا – البحر المحيط 2 / 174.
[10369]:من م ومد وظ، وفي الأصل: أخذة.
[10370]:في م: له.
[10371]:في م: غيره.
[10372]:العبارة من هنا إلى "الأشياء" ليست في ظ.
[10373]:زيد من م.
[10374]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الانتقاد.
[10375]:في مد وظ: لا يجري.
[10376]:زيد من م ومد وظ.
[10377]:من م وظ ومد، وفي الأصل: بجميع.
[10378]:ختم هذه الآية بهاتين الصفتين لأنه تقدم ما يتعلق بهما، فالذي يتعلق بالسمع الحلف لأنه من المسموعات، والذي يتعلق بالعلم هو إرادة البر والتقوى والإصلاح إذ هو شيء محله القلب فهو من المعلومات فجاءت هاتان الصفتان منتظمتين للعلة والمعلول وجاءتا على ترتيب ما سبق من تقديم السمع على العلم كما قدم الحلف على الإرادة – البحر المحيط 2 / 179.
[10379]:زيد في ظ: ما.
[10380]:في م ومد: تكون، وفي ظ: يكون.
[10381]:سقطت من ظ.
[10382]:سقطت من ظ.