تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (78)

ف { قَالَ } قارون -رادا لنصيحتهم ، كافرا بنعمة ربه- : { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي }

أي : إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب ، وحذقي ، أو على علم من اللّه بحالي ، يعلم أني أهل لذلك ، فلم تنصحوني على ما أعطاني للّه تعالى ؟ قال تعالى مبينا أن عطاءه ، ليس دليلا على حسن حالة المعطي : { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا } فما المانع من إهلاك قارون ، مع مُضِيِّ عادتنا وسنتنا بإهلاك من هو مثله وأعظم ، إذ فعل ما يوجب الهلاك ؟ .

{ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } بل يعاقبهم اللّه ، ويعذبهم على ما يعلمه منهم ، فهم ، وإن أثبتوا لأنفسهم حالة حسنة ، وشهدوا لها بالنجاة ، فليس قولهم مقبولا ، وليس ذلك دافعا عنهم من العذاب شيئا ، لأن ذنوبهم غير خفية ، فإنكارهم لا محل له ، فلم يزل قارون مستمرا على عناده وبغيه ، وعدم قبول نصيحة قومه ، فرحا بطرا قد أعجبته نفسه ، وغره ما أوتيه من الأموال .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ} (78)

{ قال إنما أوتيته على علم عندي } لما وعظه قومه أجابهم بهذا على وجه الرد عليهم والروغان عما ألزموه من الموعظة ، والمعنى أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له بسبب علم عندي استوجبته به .

واختلف في هذا العلم فقيل : إنه علم الكيمياء ، وقيل : التجارب للأمور والمعرفة بالمكاسب ، وقيل : حفظه التوراة ، وهذا بعيد ، لأنه كان كافرا ، وقيل : المعنى إنما أوتيته على علم من الله وتخصيص خصني به ، ثم جعل قوله : { عندي } كما تقول في ظني واعتقادي .

{ أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون } هذا رد عليه في اغتراره بالدنيا وكثرة جمعه للمال أو جمعه للخدم ، والأول أظهر .

{ ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } في معناه قولان :

أحدهما : أنه متصل بما قبله ، والضمير في ذنوبهم يعود على القرون المتقدمة والمجرمون من بعدهم أي : لا يسأل المجرمون عن ذنوب من تقدمهم من الأمم الهالكة لأن كل أحد إنما يسأل عن ذنوبه خاصة .

الثاني : أنه إخبار عن حال المجرمين في الآخرة ؛ وأنهم لا يسألون عن ذنوبهم لكونهم يدخلون النار من غير حساب ، والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويسألون عنها لقوله : { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } [ الحجر :92 ، 93 ] وأن هذا السؤال المنفي السؤال على وجه الاختبار وطلب التعريف ، لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه لكن يسألون على وجه التوبيخ ، وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة ، فهو على معنى المحاسبة والتوبيخ ، وحيثما ورد نفيه فهو على وجه الاستخبار والتعريف ، ومنه قوله : { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان } [ الرحمن : 39 ] .