{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ْ } أي : هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه ، وهذا الذي أبرزهم من ديارهم لقصد الأشر والبطر في الأرض ، وليراهم الناس ويفخروا لديهم .
والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدوا عن سبيل اللّه من أراد سلوكه ، { وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ْ } فلذلك أخبركم بمقاصدهم ، وحذركم أن تشبهوا بهم ، فإنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة .
فليكن قصدكم في خروجكم وجه اللّه تعالى وإعلاء دين اللّه ، والصد عن الطرق الموصلة إلى سخط اللّه وعقابه ، وجذب الناس إلى سبيل اللّه القويم الموصل لجنات النعيم .
يعني أبا جهل وأصحابه الخارجين يوم بدر لنصرة العير . خرجوا بالقيان{[7744]} والمغنيات والمعازف ، فلما وردوا الجحفة بعث خفاف الكناني - وكان صديقا لأبي جهل - بهدايا إليه مع ابن له ، وقال : إن شئت أمددتك بالرجال ، وإن شئت أمددتك بنفسي مع من خف من قومي . فقال أبو جهل : إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد ، فوالله ما لنا بالله من طاقة . وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا على الناس لقوة ، والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور ، وتعزف علينا القيان ، فإن بدرا موسم من مواسم العرب ، وسوق من أسواقهم ، حتى تسمع العرب بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد . فوردوا بدرا ولكن{[7745]} جرى ما جرى من هلاكهم . والبطر في اللغة : التقوية بنعم الله عز وجل وما ألبسه من العافية على المعاصي . وهو مصدر في موضع الحال . أي خرجوا بطرين مرائين صادين . وصدهم إضلال الناس .
قوله تعالى : { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورياء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط 47 وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم وإني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب 48 إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } المراد بالذين خرجوا من ديارهم بطر : قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير ، فقيل لهم : إن العير قد نجت فارجعوا ، فقال أبو جهل مستكبرا مختالا : لا والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر ، وتنحر الجزر ، ونشرب الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتتحدث العرب بمكاننا فيها ويهابوننا أبدا . لكن ذلك قد انعكس عليهم وبالا وهزيمة ؛ فلقوا مصيرهم الأليم من القتل والذل والصغار مما كانوا يجهلونه ؛ حين مضوا إلى مصارعهم تائهين واهمين .
وفي ذلك درس عظيم ومؤثر ما كان لفئة من المؤمنين طيلة الدهر أن تنساه وهو درس الاغترار والاستكبار والمضي في صلف وتيه وعجب . وإنما ينبغي للمؤمنين على الدوام أن يحسبوا لكل حدث أو خطب أو مواجهة أو صراع ما يستوجبه من تمام التقرير والاهتمام والحساب ؛ حتى لا يقع المسلمون في الهزيمة والانتكاس نتيجة غرورهم وقلة مبالاتهم . وههنا يحذر الله عباده المؤمنين من مثل هذا المصير الأليم الفاضح إذ يقول : { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورياء الناس ويصدون عن سبيل الله } بطرا ، مصدر في موضع الحال{[1672]} . والبطر بمعنى الأشر ، بالفتح . وهو الغلو في المرح والزهو . وبطر النعمة ؛ أي استخفها فكفرها{[1673]} ، فقد خرج المشركون من مكه برئاسة أكابرهم من صناديد الكفر كأبي جهل وأصحابه ، وهم بطرون يراءون الناس . وهو من الرئاء . ومعناه إظهار الجميل مع أن الباطن قبيح ، أو هو إظهار الطاعة مع إبطان المعصية .
وذلك هو شأن الكافرين الذين خرجوا من مكة ، وكل الذين يخرجون لملاقاة الإسلام والمسلمين في كل مكان وزمان ، فغنما يخرجون ليبتغوا السمعة والذكر ، لا يحفزهم إلى ذلك إخلاص لله ولا طلب لرضوانه . وإنما يحفزهم الخيلاء والغرور والمفاخرة بالأموال وكثرة العدد وقوة السلاح . وهم فوق ذلك { يصدون عن سبيل الله } أي يضلونهم عن دين الله ويغوونهم ، ويصطنعون العراقيل والمعوقات والفتن التي تحول بين الناس وهذا الدين العظيم المبارك .
قوله : { والله بما تعملون محيط } أي أن الله عليم بمقاصد هؤلاء الأشرار الأشقياء وما تنثني عليه صدورهم من حقد وسوء ، وما يبيتونه للمسلمين من خبيث المكائد والمؤامرات والفتن . الله عليم بذلك كله وهو سبحانه لا محالة مجازيهم أشد الجزاء في الآخرة حيث جهنم وبئس القرار ، فضلا عن مجازاتهم في الدنيا بالخزي والتنكيل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.