تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

ثم أمرهم أن يعتبروا بالأمم السالفة فقال : { أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ } أي : كم تتابع إهلاكنا للأمم المكذبين ، وأمهلناهم قبل ذلك الإهلاك ، بأن { مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ } لهؤلاء من الأموال والبنين والرفاهية .

{ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ } فينبت لهم بذلك ما شاء الله ، من زروع وثمار ، يتمتعون بها ، ويتناولون منها ما يشتهون ، فلم يشكروا الله على نعمه ، بل أقبلوا على الشهوات ، وألهتهم أنواع اللذات ، فجاءتهم رسلهم بالبينات ، فلم يصدقوها ، بل ردوها وكذبوها فأهلكهم الله بذنوبهم وأنشأ { مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ }

فهذه سنة الله ودأبه ، في الأمم السابقين واللاحقين ، فاعتبروا بمن قص الله عليكم نبأهم .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

قوله تعالى : " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن " " كم " في موضع نصب بأهلكنا لا بقوله " ألم يروا " لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله ، وإنما يعمل فيه ما بعده من أجل أن له صدر الكلام . والمعنى : ألا يعتبرون بمن أهلكنا من الأمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم أي ألم يعرفوا ذلك والقرن الأمة من الناس . والجمع القرون ، قال الشاعر :

إذا ذهب القرن الذي كنت فيهم *** وخلفت في قرن فأنت غريب

فالقرن كله عالم في عصره ، مأخوذ من الاقتران أي عالم مقترن به بعضهم إلى بعض ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خير الناس{[6246]} قرني يعني أصحابي{[6247]} ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) هذا أصح ما قيل فيه . وقيل : المعنى من أهل قرن ، فحذف كقوله : " واسأل القرية " [ يوسف : 82 ] . فالقرن على هذا مدة من الزمان ، قيل : ستون عاما وقيل سبعون ، وقيل : ثمانون ، وقيل : مائة ؛ وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القرن مائة سنة ، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبدالله بن بسر : " تعيش قرنا " فعاش مائة سنة ، ذكره النحاس . وأصل القرن الشيء الطالع كقرن ما له قرن من الحيوان . " مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " خروج من الغيبة إلى الخطاب ، عكسه " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ؛ بهم بريح طيبة{[6248]} " [ يونس : 22 ] . وقال أهل البصرة أخبر عنهم بقوله " ألم يروا " وفيهم محمد عليه السلام وأصحابه ، ثم خاطبهم معهم ، والعرب تقول : قلت لعبدالله ما أكرمه : وقلت لعبدالله ما أكرمك ، ولو جاء على ما تقدم من الغيبة لقال : ما لم نمكن لهم . ويجوز مكنه ومكن له ، فجاء باللغتين جميعا ، أي أعطيناهم ما لم نعطكم من الدنيا . " وأرسلنا السماء عليهم مدرارا " يريد المطر الكثير ؛ عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزل ، ومنه قوله الشاعر{[6249]} :

إذا سقط السماء بأرض قوم

و " مدرارا " بناء دال على التكثير ، كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور ، ومئناث للمرأة التي تلد الإناث ، يقال : در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة . وانتصب " مدارا " على الحال . " وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم " أي من تحت أشجارهم ومنازلهم ، ومنه قوله فرعون : " وهذه الأنهار تجري من تحتي{[6250]} " [ الزخرف : 51 ] والمعنى : وسعنا عليهم النعم فكفروها . " فأهلكناهم بذنوبهم " أي بكفرهم فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم . " وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين " أي أوجدنا ، فليحذر هؤلاء من الإهلاك أيضا .


[6246]:في ع: خيركم. وهي رواية في البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي.
[6247]:في ك: الصحابة.
[6248]:راجع ج 8 ص 324.
[6249]:هو معود الحكماء – معاوية بن مالك- وفي ك: نزل السماء. وهي رواية : وهذا صدر بيت له، وتمامه: رعيناه وإن كانوا غضابا وسمي معود الحكماء لقوله في هذه القصيدة: أعود مثلها الحكماء بعدي *** إذا ما الحق في الحدثان نابا
[6250]:راجع ج 16 ص 98 (اللسان).
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} (6)

{ ألم يروا كم أهلكنا } حض للكفار على الاعتبار بغيرهم ، والقرن مائة سنة ، وقيل : سبعون وقيل أربعون

{ مكناهم في الأرض } الضمير عائد على القرن لأنه في معنى الجماعة .

{ ما لم نمكن لكم } الخطاب لجميع أهل ذلك العصر من المؤمنين والكافرين . { وأرسلنا السماء عليهم مدرارا } : { السماء } هنا المطر والسحاب أو السماء حقيقة ، و{ مدرارا } بناء مبالغة وتكثير من قولك در المطر إذا غزر . { فأهلكناهم بذنوبهم } التقدير فكفروا وعصوا فأهلكناهم وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال قوتهم وتمكينهم .